نحو تعليم يواكب احتياجات المتعلّم المعاصر
نحو تعليم يواكب احتياجات المتعلّم المعاصر

أصداء الدردشة قراءات في سؤال من أسئلة قسم الدردشة في منهجيّات، تختار فيها هيئة التحرير سؤالًا، بناءً على ارتباط السؤال بملفّ العدد، أو بأهمّيّة الموضوع أو راهنيّته المستجدّة، حيث تُدرَس إجابات مجموعة من المعلّمين، وصولًا إلى استنتاجات تجمع آرائهم وتظهر توجّهاتهم وتبني عليها خلاصات جامعة. في كلّ عدد من منهجيّات صدى جديد من أصوات معلّمينا ومعلّماتنا. 

 

**** 

بات التعليم في السنوات الأخيرة ساحة تتكاثف فيها التحدّيات، مثل المنهج الجامد، ومعلّم تُطلَب إليه أدوار متعدّدة، وعلاقة متوتّرة أحيانًا بين المدرسة والطالب والعالم الخارجيّ. وسط إصلاحات تُعلَن وتُعدَّل، ومشروعات تطوير تتسارع، نجد أنفسنا نتساءل عمّا ينقص التعليم ليكون أكثر عدلًا، وأعمق معنى، وأكثر قدرة على مسايرة حيوات المتعلّمين الحقيقيّة. ففي هذا المجتمع المعقّد، تُصبح التجارب الشخصيّة للمعلّمين والمربّين مصدر معرفة حيّ، لا يقلّ أهمّيّة عن الوثائق الرسميّة أو النماذج النظريّة. 

انطلاقًا من هذا الإدراك، وجّهنا في دردشة سنة 2022 إلى مجموعة من المعلّمين والمربّين طلبًا، بدا في ظاهره بسيطًا: "اختر شيئًا واحدًا تودّ تغييره في تعليم اليوم". وجاءت الإجابات نتيجة تراكم خبرة، وصرخة إحباط، ورؤية ولدت من لمسة الواقع اليوميّ. تسعى هذه المقالة لقراءة مطالبهم، وتُظهر أولويّات من يعملون في الميدان، وتفتح باب نقاش أوسع لأوّل مدخل حقيقيّ لأيّ تغيير تعليميّ يُراد له أن يكون ذا معنى. 

المناهج المدرسيّة وحدود التعلّم المُمَنهَج 

لا تزال المناهج في الوطن العربيّ تُقيَّد بالمناهج المدرسيّة، كما لو أنّها المحرّك الوحيد للمعرفة، وكأنّ التعلّم لا يحدث إلّا بمباركة صفحات مطبوعة سلفًا، لا تتغيّر ولا تتنفّس. وهو ما يرسل إلى النفس رسالة مفادها أنّ المعرفة جامدة، والعقل وعاء يُملأ، والمعلّم مجرّد ساعٍ ينقل الحمولة من الغلاف إلى الذاكرة. تقول نادين شعّار: "المناهج التقليديّة لا تراعي الفروقات الفرديّة، ولا تحفّز المعلّمين على الإبداع". ففي ظلّ هذا الارتهان، تضيق المسافة الفاصلة بين المتعلّمين، وتُقصى أنماط الفهم المتعدّدة، ويتحوّل المنهج، ببطء، من عتبة نحو العالم إلى قفص يحدّ من الطيران. 

يزداد الأمر سوءًا حين نتأمّل طبيعة ما يُقدَّم بين الغلافَين، إذ ترى فداء فاتوني أنّ كثيرًا من المناهج الدراسيّة تُقحم المتعلّم في معرفة باهتة، كأنّها صور مُطفأة الألوان، لا تستدعي الدهشة ولا تُشعل الأسئلة؛ إذ تُعرَض المفهومات مبتورة عن سياقها الإنسانيّ، ومكرَّرة، ومثقلة بتفاصيل لا تفتح أفقًا بقدر ما تُرهق الذهن. وتتوالى الدروس في ممرّ مظلم، لا تُرى له نهاية واضحة، فيجد الطالب نفسه يعبُر من دون أن يدري إلى أين يصل، ويحمل أثقالًا من التعريفات والتواريخ والأرقام، لكنّه لا يحمل قصّة متّصلة توضّح له معنى. فيقول وسيم جمعان: "إنّ كتب الدراسات الاجتماعيّة تحتوي على محتوى محشوّ بالدروس المتكرّرة التي عفا عنها الزمن". 

وحين يُرسَم المنهج على هيئة موضوعات مغلقة محسومة سلفًا، يُصادَر حقّ الحياة في أن تُدخل على التعلّم تغيّراتها، ويُقصى دور المتعلّم في ربط المنهج بخبرته، ويُقيّد المعلّم حين يُمنَع من أن يُعدّل الخطّة لتوائم هواء الصفّ اليوميّ. لذلك، يدعو أنس شمّوط إلى دعم تطوير المناهج بالتزامن مع تطوير الجانبَين النظريّ والعمليّ. 

وتتضاعف المعاناة مع كثرة المناهج المنفصلة التي تُلقى على ظهر المتعلّم، فتُثقل حقيبته مادّيًّا، وتُثقل رأسه معرفيًّا. فكثير منها يُعيد إنتاج ما بلغه الزمن من التقادم، أو يُكدّس دروسًا متشابهة، تهتمّ بالمفهومات المجرّدة بمعزل عن المهارات. فتقول أسماء عبد القادر: "تحدّ المناهج الدراسيّة من قدرات المعلّم والطالب، إذ يمكن لكليهما تحقيق أهداف المنهج والمرحلة التعليميّة من خلال أيّ موضوع"، وتغفل كلّ ما جاءت به البيداغوجيّات الحديثة من دعوة إلى التفكير النقديّ، وحلّ المشكلات، والتعلّم القائم على الفهم لا على التلقين والحفظ. أمام ما نراه اليوم، يظهر كثير من دعوات التغيير، فقد أشارت سارة حسينو إلى ضرورة التطوير الجذريّ الذي يُعيد تعريف دور المنهج من كتاب يُستهلَك، إلى إطار مرن يُفسح للحياة أن تدخل الصفّ، ويُعيد إلى المعلّم والمتعلّم صفتهما شريكين في صناعة معنى لا ينضب. 

مستقبل يُحسَم بورقة امتحان 

تحتلّ الامتحانات والعلامات، في بنية المنظومة التعليميّة، موقعًا مركزيًّا يكاد يكون مطلقًا، حتّى تحوّلت من أداة لقياس التعلّم إلى غاية تُعبَد في ذاتها. تُختزَل رحلة المتعلّم الطويلة، بما تحمله من محاولات وتقدّم وتعثّر ونموّ بطيء، في رقم واحد يُسجّل في ورقة امتحان، كأنّ المعرفة والمهارة والفهم يمكن احتواؤها في لحظة عابرة من الاختبار. تقول سوسن المراعبة : "أؤمن أنّ العلامة التي ينالها المتعلّم في امتحان معيّن، لا تقيّم ما حصّله من معارف ومهارات". 

تتعمّق المِحنة حين يُحصر التقييم في الجانب المعرفيّ وحده، وتُهمَل الجوانب المهاريّة والأدائيّة والسلوكيّة، وهي في صميم أيّ تعلّم ذي معنى. فلا يُختتم التعلّم في نهاية الفصل، ولا يتجلّى في ورقة واحدة، ولكنّه يتشكّل تدريجيًّا داخل الحصّة، بالتفاعل والمحاولة والتطبيق والتغذية الراجعة التي تُنير الطريق. ويرى حرايز رابح ضرورة إعادة تعريف التقويم، بجعله عمليّة مصاحبة للتعلّم، ممتدّة على مدار العام، تُراكم شواهد الأداء، وتبني صورة أشمل وأكثر دقّة عن تقدّم المتعلّم، بحيث يصبح التقييم فعل دعم وتوجيه. 

كما تمتدّ تداعيات هذا النمط لتُشكّل نظرة المجتمع بأسره إلى الطالب، إذ تُختزَل قيمته في العلامة التي يحملها على شهادة ورقيّة. ويصبح الطالب أسير توقّعات الآخرين، محكومًا بصورة نمطيّة تصنعها العلامات. يقول عبد الرحمن الشولي: "المزعج نظرة الأهل والمعلّمين إليه من خلال علاماته التي نالها، ولا تمثّل قيمته، ولا مستوى ذكائه، ولا براعة سلوكه، ولا عمق تفكيره". 

ويصل هذا الاختزال إلى ذروته في الامتحانات المصيريّة، وعلى رأسها امتحانات الثانويّة العامّة التي تحسم مستقبل الطالب الأكاديميّ والمهنيّ في كثير من السياقات. تُختصَر سنوات من التعلّم في مجموع درجات، ويُفصَّل على أساسه المسار الجامعيّ، من دون اعتبار كافٍ لميول الطالب أو شغفه أو ظروفه النفسيّة والاجتماعيّة، أو حتّى لما قد يمرّ فيه من أزمات في أيّام الامتحان نفسها. تقول روزان علّو: "ما أتمنّى إلغاءه، امتحانات الثانويّة العامّة في معظم المؤسّسات التعليميّة. لو كان باستطاعتي لقمت بتغيير هذه البرمجة التي، مع الأسف، ترعرعنا عليها حول أنّ مصير مستقبلنا وتخصّصنا الجامعيّ، قائمان على مجموع درجاتنا في الثانويّة العامّة". 

المدرسة خارج العصر الرقميّ 

لم تعد طرائق التدريس التقليديّة قادرة على مواكبة التحوّلات المتسارعة التي يشهدها العالم، ولا على الاستجابة لطبيعة المتعلّم، في عصر أصبح فيه الوصول إلى المعلومة متاحًا بضغطة زرّ. ففي ظلّ الإنترنت ومصادر المعرفة المفتوحة، لم يعد دور المدرسة مقتصرًا على نقل المعرفة، ولم يعد المعلّم المصدر الأوحد للمعلومة. وترى مها أبو منشار أنّ الطالب بات قادرًا على الاستغناء عن المعلّم، وأصبحت المدرسة تحصيل حاصل في حياته. 

وعليه، تظهر الحاجة إلى إعادة النظر في أدوات التعلّم نفسها، بما في ذلك البنية المادّيّة للمدرسة. فالحقيبة المدرسيّة المثقلة بالكتب، لا تعكس طبيعة المعرفة في العصر الرقميّ، ولا تستجيب لاحتياجات التعلّم الحديثة. وتشير د. لبنى صقر إلى أنّ ضرورة التفكير في استبدالها بأجهزة الحاسوب أو أدوات رقميّة مرنة، لا يمثّل ترفًا تقنيًّا، بقدر ما يعكس تحوّلًا في فهمنا لكيفيّة التعلّم، ولمصادر المعرفة، ولعلاقة الطالب بالمحتوى التعليميّ. 

ويتجاوز توظيف التكنولوجيا مجرّد رقمنة المحتوى أو استخدام الشاشات، ليشمل إدخال تقنيّات تفاعليّة تعيد تعريف التعلّم بوصفه تجربة حيّة. ويوصي د. أحمد الدقس باستخدام التكنولوجيا ثلاثيّة الأبعاد، والروبوتات التعليميّة التفاعليّة، والبيئات الافتراضيّة، كونها تتيح طرائق عرض مبتكرة، وتخلق مساحات للتجريب والمحاكاة والتفاعل، يصعب تحقيقها بالوسائل التقليديّة. 

كما تكمن القيمة الحقيقيّة للتكنولوجيا في العمليّة التعليميّة، في توظيفها بوصفها وسيلة لتمكين المتعلّم. ويتيح إدماج الوسائل الرقميّة ضمن المراحل التعليميّة المختلفة وبصورة تدريجيّة، بناء علاقة واعية للطالب مع التكنولوجيا، تتجاوز الاستهلاك، وتمتدّ إلى الاستخدام النقديّ والتجريب وتطويع الأدوات، لإنتاج حلول مبتكرة لمشكلات حقيقيّة. ويشير محمّد لعمري إليها بأنّها تشكّل جزءًا أصيلًا من الحياة اليوميّة للطلّاب، ودمجها في العمليّة التعليميّة يصبح مدخلًا لتوسيع آفاقهم، وربط المدرسة بعالمهم، وتحويل التعلّم من فعل معزول إلى ممارسة حيّة متّصلة بالواقع. 

التعليم كما نحتاج إلى أن نراه 

ما نحتاج إلى تغييره في التعليم قد لا يكون مجرّد أداة، أو طريقة تدريس، أو نظام تقييم، ولا حتّى دمج أحدث التقنيّات. ما نحتاج إليه تغيير طريقة تفكيرنا حول التعليم ذاته، ورؤيتنا إليه، ودورنا فيه بوصفنا معلّمين وأولياء أمور ومجتمعًا بأكمله. لذا، ينبغي أن يُفهم التعليم على أنّه رحلة مستمرّة تبني مهارات الإنسان، وتغذّي فكره، وتطلق قدراته، وتمكّنه من التفاعل مع العالم بوعي ومسؤوليّة. 

إذا لم نُعِد التفكير في الهدف الحقيقيّ من التعليم، فإنّ كلّ التطويرات التي نجريها ستظلّ ناقصة، ولن تصل إلى النتائج المرجوّة. فلا يكفي تحديث المناهج، أو استبدال الاختبارات التقليديّة، أو إدخال التكنولوجيا الحديثة، إذا ظلّت نظرتنا إلى الطالب تختزله في متلقٍّ سلبيّ، أو اعتبار التعليم مجرّد مرحلة عبور لتحقيق شهادات. يبدأ التغيير الحقيقيّ عندما نؤمن أنّ كلّ متعلّم فريد، وله طريقته في التعلّم، وأنّ نجاحه يُقاس بما يعرفه وبتفكيره وبما يستطيع أن يصنعه، وبمدى تحمّله للمسؤوليّة تجاه نفسه ومجتمعه. 

إعادة التفكير في التعليم تعني فتح المجال لممارسات تربويّة أكثر مرونة وشمولًا، تستجيب لاحتياجات الإنسان الكامل، لا للطالب المجرّد من شخصيّته وتجاربه. تعني تمكين المعلّم من أن يكون ميسّرًا ومستشارًا، وأن تصبح المدرسة فضاءً يتعلّم فيه الجميع، طالبًا ومعلّمًا ومجتمعًا. لذا، يصبح سؤال حول الشيء الذي تودّ تغييره في التعليم، نقطة انطلاق لمراجعة أعمق وأكثر شموليّة، وللتحوّل الجذريّ الذي يأخذ بعين الاعتبار الإنسان بكلّ أبعاده، ويعيد بناء منظومة التعليم على أسس جديدة، تضمن أن يصبح التعلّم تجربة ذات معنى.