إعادة التفكير في التعليم باستثمار مواقف الحياة اليوميّة
إعادة التفكير في التعليم باستثمار مواقف الحياة اليوميّة

أصداء الدردشة قراءات في سؤال من أسئلة قسم الدردشة في منهجيّات، تختار فيها هيئة التحرير سؤالًا من نسخة من نسخ الدردشة في المجلّة، بناءً على ارتباط السؤال بملفّ العدد، أو بأهمّيّة الموضوع أو راهنيّته المستجدّة، حيث تُدرَس إجابات مجموعة من المعلّمين، ويُجمع بينها باستنتاجات أو خلاصات منها. في كلّ عدد من منهجيّات صدى جديد من أصوات معلّمينا ومعلّماتنا.

****

يحمل التعليم اليوم وجهين، وجه يتقدّم بخطى التطوير والتحديث، وآخر يتخبّط في فضاء مجردّ بعيد عن دقّات الحياة اليوميّة. فيعيش المتعلّم تجارب غنيّة خارج أسوار المدرسة، بينما قد يتلقّى داخلها محتوى في صيغ تفتقر إلى الحسّ بالواقع. تتّسع بين الوجهين فجوة تُضعف أثر التعلّم في تشكيل الفهم العميق. وفي ظلّ هذا التباعد، أضحت إعادة النظر في مصادر المعرفة أمرًا ضروريًّا؛ إذ لا تكفي الكتب والمقرّرات وحدها، بل صار يجب أن تمتدّ المعرفة إلى مواقف الحياة اليوميّة وخبراتها وأسئلتها الكامنة.

لذا، توجّهنا بسؤال مباشر إلى معلّمين ومربّين يعرفون الميدان عن كثب في دردشة سنة 2022: "كيف يُمكننا توظيف تفاصيل الحياة اليوميّة في التعليم؟" فكانت إجاباتهم نافذة على رؤى عمليّة وتأمّلات نابعة من خبرة حيّة، تكشف عن سعي حقيقيّ لإعادة التعلّم إلى سياقاته الطبيعيّة، وجعل المعرفة قريبة الملمس من حياة المتعلّمين. تسعى هذه المقالة لقراءة هذه الأصوات، واستخلاص ملامح توجّه تربويّ يُذيب الحدود بين التعليم والحياة، ويمنح التعلّم معنى يتخطّى أسوار الصفّ.

 

البيئة المحيطة بوصفها مصدرًا للمعرفة

يرتبط دمج البيئة المحيطة في العمليّة التعليميّة بحياة المتعلّمين وسياقاتهم الواقعيّة. فحين تُستثمر عناصر البيئة المحلّيّة، بما تحمله من ثقافة وعادات وموارد، وحتّى تحديّات يوميّة، يتحوّل التعلّم من محتوى منفصل إلى تجربة معيشة تُبنى على ما هو مألوف وقريب. تقول فداء فاتوني: "أحاول كلّ يوم دمج جميع الأحداث، أدمج المسلسلات والأغاني ونشرات الأخبار، وأبحث عن مادّة مرئيّة أو مسموعة من أيّ مجال لدمجها في الحصة". ويمكن للشارع والبيت والمجتمع، بل وحتّى الفضاء الرقميّ، أن تصبح جميعها امتدادات طبيعيّة للصفّ، تُثري الفهم وتمنحه عمقًا ومعنى.

يتجاوز دمج تفاصيل الحياة اليوميّة في المنهج إضافة أمثلة عابرة، ليصل إلى إعادة صياغة المحتوى نفسه بحيث ينطلق من سياقات قريبة من المتعلّمين. تقول كريمة زاهي: "إنّ توظيف تفاصيل الحياة اليوميّة في التعليم يبدأ من بناء المنهاج، فلا بدّ من وجود تقارب بين ما يتعلّمه التلميذ وحياته اليوميّة". فحين تُبنى الدروس حول مواقف مألوفة، أو قضايا يعيشها الطلّاب فعلًا، يصبح المفهوم جزءًا من تجربة مفهومة لا مادّة منفصلة. وترى أمنية خليل إمكانيّة ربط المواضيع التعليميّة بواقع الطلّاب، من مشاهدة أمثلة حيّة، سواء بواسطة الزيارات التعليميّة، أو مشاهدة الفيديوهات، أو استضافة متحدّثات أو متحدّثين من المجتمع المحلّيّ. ويرى أنس شمّوط ضرورة توظيف مواقع التواصل الاجتماعيّ في إنشاء بيئة تعلّم افتراضيّة هادفة وجامعة لجميع الطلّاب معًا، بهدف تعزيز التواصل معهم في أيّ مكان وزمان.

 

تحويل المشكلات اليوميّة إلى فرص للتعلّم

يُعدّ التعلّم القائم على المشكلات الواقعيّة من أقوى المداخل التربويّة قدرة على ربط المعرفة بالحياة اليوميّة، إذ ينطلق من مواقف حقيقيّة يواجهها المتعلّم في بيئته، بدل الاكتفاء بمحتوى نظريّ مجرّد. في هذا النموذج، تتحوّل المعرفة من غاية في ذاتها إلى أداة لفهم الواقع والتعامل معه. يُقدَّم إلى المتعلّمين موقف أو مشكلة قريبة من خبراتهم، ويُطلب إليهم تحليلها، والبحث عن أسبابها، واقتراح حلول عمليّة لها. يؤكّد علي عزّ الدين على ضرورة الاستناد إلى القضايا التي تعرض في الأخبار اليوميّة المحلّيّة والعالميّة، بوصفها مصدرًا حيًّا من الواقع يُدرّس ويُفكّر فيه ويُبحث عن حلول مختلفة له.

تقول د. لبنى صقر: "علينا تقديم المشكلات ومشاركتها مع طلّابنا من خلال تقديم الدعم الاجتماعيّ لهم، القائم على التحفيز والتشجيع والمكافأة وإظهار الرضا عن سلوكيّاتهم، وربطها بالتجربة والاستفادة منها لمعالجة المشكلات الطارئة التي تواجههم". وتؤكّد نادين شعّار على ضرورة ربط الحياة اليوميّة وتوظيفها في رحلة التعليم والتعلّم، عن طريق تصميم المشروعات القائمة على المشكلات وإشراك المتعلّمين في إيجاد حلول، بالاستعانة بأهلهم والخبراء من المجتمع المحلّيّ والعالميّ.

 

التعلّم بواسطة التساؤل والفعل

ينطلق التعلّم بواسطة التساؤل والفعل من فكرة أنّ المعرفة تترسّخ حين يُفكّر فيها المتعلّم ويستخدمها. يصبح السؤال المفتوح أداة أساسيّة داخل الصفّ، لتحفيز التفكير، وتوسيع زوايا النظر، ودعوة الطلّاب إلى التعبير والمناقشة. ترى نسمة عبد المجيد أنّ الأمر يقع على عاتق المعلّم، فيضع أسئلة مفتوحة للطالب أثناء التخطيط للدروس، فيساعده في التفكير ومشاركة الأفكار وإيجاد الحلول للكثير من القضايا، ليصل بذلك إلى الفعل الذي يساعد في حلّ هذه القضيّة.

ومع تتابع الأسئلة، يتدرّب المتعلّم على بناء رأيه، والاستماع إلى غيره، وربط الأفكار ببعضها. تقول أروى الربضي: "يمكن تضمين تفاصيل الحياة اليوميّة بأسئلة تستدعي البحث والتساؤل لإثارة الفضول لدى الطلبة، وجعلها أساسًا لقياس المعرفة السابقة لديهم والبناء عليها، وتوظيفها في المهامّ المفتوحة التي تُعطى لهم تطبيقًا على تعلّم ما". وهذا يعني أنّ القيمة الحقيقيّة تتجلّى حين يمتدّ الأمر إلى محاولة تطبيق ما تمّ التوصّل إليه في مواقف عمليّة، مهما كانت بسيطة. يؤكّد عبد الرحمن الشولي على تلك القيمة، فيقول: "لا بدّ من نقل التعلّم من مرحلة التنظير السلبيّ إلى مرحلة التطبيق وتأدية الأدوار الاجتماعيّة الواقعيّة وفق نشاطات مهاراتيّة". وبذلك يتحوّل التعلّم إلى مسار يبدأ بالتساؤل، ويمرّ بالتفكير الجماعيّ، وينتهي بالفعل، فيكتسب المتعلّم خبرة تتجاوز الفهم، لتشمل القدرة على المبادرة والتأثير.

 

تتعدّد هذه الآراء في تفاصيلها، لكنّها تلتقي عند نقطة واحدة، الرغبة في جعل التعلّم أقرب إلى الحياة وأكثر التصاقًا بتجارب المتعلّمين اليوميّة. أعاد السؤال المطروح في بداية هذه المقالة فتح مساحة للتأمّل في الكيفيّة التي يمكن بها تحويل ما هو عابر ومألوف، إلى مدخل حقيقيّ للفهم والتفكير والتعلّم، من دون أن يفقد التعليم عمقه أو نظامه، ومن دون أن تنفصل المعرفة عن سياقها الإنسانيّ.

ومع التنوّع في المقترحات، لا يبدو أنّ هناك شكلًا واحدًا كافيًا للإجابة، بقدر ما تتشكّل ملامح طرائق متعدّدة، تتقاطع أحيانًا وتفترق أحيانًا أخرى، لكنّها جميعًا تدفع باتّجاه إعادة النظر في حدود الصفّ، وحدود المعرفة نفسها. فكلّ محاولة للاقتراب من الحياة اليوميّة داخل التعليم، هي في جوهرها محاولة لإعادة تعريف معنى التعلّم بوصفه تجربة ممتدّة، تتشكّل في الموقف، وتُبنى في التفاعل، وتكتمل في الأثر الذي تتركه في وعي المتعلّم وسلوكه.

يبقى السؤال مفتوحًا على احتمالات أكثر ممّا يقدّم من إجابات، في دعوة مستمرّة إلى التفكير في التعليم بوصفه كيانًا حيًّا يتشكّل مع الزمن، ويتغيّر مع الناس، ويكتسب معناه من قدرته على الإصغاء للحياة، لا الابتعاد عنها. وربّما يكون جوهر هذه الرؤى كلّها أنّها لا تدّعي الوصول إلى نموذج نهائيّ، بقدر ما تترك مساحة دائمة للتجريب، وإعادة النظر، والاقتراب من سؤال التعليم من جديد في كلّ مرّة.