القيم في المدرسة: من الخطاب الأخلاقيّ إلى السلوك اليوميّ
القيم في المدرسة: من الخطاب الأخلاقيّ إلى السلوك اليوميّ
Sun, 12 Jul 2026 - 14:05
محمود عيسى | خبير وباحث تربويّ - لبنان

لم تعُد أزمة القيم في المدرسة المعاصرة ناتجة عن غياب الخطاب الأخلاقيّ، بل عن اتّساع الفجوة بين ما تُعلنه المناهج من قيم نبيلة، وبين ما يعيشه المتعلّم فعليًّا في حياته المدرسيّة اليوميّة؛ فمفردات مثل الاحترام والعدالة والمسؤوليّة، تحضر بوضوح في النصوص التربويّة، غير أنّها كثيرًا ما تبقى حبيسة الورق، إذا لم تجد طريقها إلى الممارسة.

من هنا يبرز سؤالٌ محوريّ: هل تُبنى القيم بالتلقين أم بالممارسة؟ وهل تكفي حصص التربية الأخلاقيّة إذا كانت تفاصيل الحياة المدرسيّة اليوميّة تُناقضها؟ ينطلق هذا المقال من فرضيّة مفادها أنّ السلوك اليوميّ داخل المدرسة، ولا سيّما سلوك المعلّم، هو الحامل الحقيقيّ للقيم، وأنّ المعلّم يؤدّي دورًا حاسمًا في تحويل القيم من خطابٍ مُعلَن إلى سلوكٍ مُعاش.

السلوك اليوميّ للمعلّم بين بناء القيم وهدمها

لا تُبنى القيم عبر الشعارات ولا عبر الدروس النظريّة المعزولة عن الواقع، بل تتشكَّل بممارساتٍ يوميّة متكرّرة يعيشها المتعلّم داخل الصفّ وخارجه. فالمعلّم بحكم حضوره الدائم وتفاعله المباشر، يُنشئ مناخًا قيميًّا قد يدعم القيم أو يُقوِّضها تدريجيًّا.
من السلوكيّات التي تُسهم في تعزيز القيم:
•    العدل في التعامل والتقييم، حيث يختبر المتعلّم العدالة بوصفها واقعًا ملموسًا.
•    احترام إنسانيّة المتعلّم عبر الإصغاء وتقبّل الاختلاف.
•    التعامل التربويّ مع الخطأ بوصفه فرصة للتعلّم لا مصدرًا للإحراج.
•    اللغة التربويّة الإيجابيّة التي تبني الثقة والانتماء.
•    الالتزام والانضباط الذاتيّ الذي يُجسِّد قيم الصدق والمسؤوليّة.
في المقابل، قد تؤدّي ممارساتٌ شائعة، وإن صدرت بحسن نيّة، إلى هدم القيم، مثل: التمييز غير المقصود بين المتعلّمين، أو السخرية من الأخطاء، أو التناقض بين القول والفعل، أو الانفعال الزائد، أو تجاهل البعد الإنسانيّ للمتعلّم. وتكمن خطورة هذه السلوكياّت في تكرارها اليوميّ، حيث تتحوّل إلى رسائل قِيَميّة سلبيّة تُعيد تشكيل وعي المتعلّم وسلوكه على المدى البعيد.

المعلّم نموذج قيميّ حيّ

لا يقتصر دور المعلّم القيميّ على ما يُدرّسه من مفاهيم أخلاقيّة، بل يتجلّى أساسًا في ما يُجسّده بسلوكه الحيّ. فالمتعلّم يرى في المعلّم مرجعيّة إنسانيّة، تُعيد تعريف معنى العدالة والاحترام والانضباط والمسؤوليّة في الواقع اليوميّ.

ويُعدّ الاتّساق القيميّ جوهر هذا الدور؛ إذ يفقد الخطاب الأخلاقيّ أثره حين يتناقض مع الممارسة، بينما تكتسب القيم مصداقيّتها حين يراها المتعلّم مُتجسّدة في سلوك المعلّم. كما إنّ القدوة الصامتة غالبًا ما تكون أعمق أثرًا من التوجيه المباشر، لأنّ المتعلّم يتعلّم عن طريقة إدارة الخلاف، والتعامل مع الضغط، واحترام النظام.

غير أنّ هذا الدور يحمّل المعلّم مسؤوليّة أخلاقيّة مضاعفة، إذ إنّ أيّ خلل في السلوك لا يبقى أثره فرديًّا، بل ينعكس على ثقافة الصفّ والمناخ المدرسيّ بأكمله. ومن هنا، تصبح التربية على القيم ممارسة يوميّة واعية، تتطلّب من المعلّم مراجعة مستمرّة لسلوكه، وإدراكًا بأنّ حضوره الإنسانيّ هو أحد أقوى أدوات التربية.


***

تُظهر هذه القراءة أنّ التربية على القيم لا يمكن أن تُختزل في المناهج المكتوبة وحدها، كما لا يجوز تحميل المعلّم مسؤوليّةً منفردة بمعزل عن الإطار المؤسّسيّ والمنهجيّ. فالقيم تُبنى في مساحة تكامليّة تلتقي فيها الرؤية المنهجيّة الواضحة مع الممارسة التربويّة اليوميّة. وإذا كانت المناهج مسؤولة عن تحديد القيم وصياغتها في أهدافٍ ومضامين، فإنّ المعلّم هو الجسر الذي ينقلها من حيّز النصّ إلى حيّز السلوك.
المدرسة التي تنجح في مواءمة القيم المعلنة مع السلوك اليوميّ، تُنشئ متعلّمين قادرين على تحويل القيم إلى خياراتٍ حياتيّة واعية. ومن هنا، فإنّ تعزيز القيم يتطلّب استثمارًا متوازيًا في تطوير المناهج القِيَميّة، وفي تمكين المعلّم بوصفه نموذجًا إنسانيًّا حيًّا، لأنّ القيم لا تُغرس بالكلمات وحدها، بل تُبنى في السلوك اليوميّ بالنموذج الصادق.