بين وهج الشاشة ونبض الورق: أبناؤنا على المفترقِ
بين وهج الشاشة ونبض الورق: أبناؤنا على المفترقِ
Sun, 19 Jul 2026 - 10:13
نادية ضيف الله العقايلة | معلّمة لغة عربيّة- الإمارات العربيّة المتّحدة

مع كلّ صباح أخطو فيه داخل صفّي، تستقبلني وجوه مضيئة، لا بشمس الحماسة وحدها، بل بوهج شاشات الحاسوب التي غدت تسبقني إلى عيونهم. أمدّ يدي بكتاب يحمل عبق الورق ووقاره، بينما تمتدّ أيديهم إلى أجهزة ذات لوحات مفاتيح تختزن عوالم افتراضيّة. هنا، في هذه المسافة الضيّقة بين جلال الصفحة وسطوع الشاشة، يستوقفني حالُ طلبتي؛ إذ يعيشون حالة من الضياع الذي يمزج بين الجمال والألم. ضياع بين واقع تقنيّ يتسارع بجنون، ونفوس ما زالت تنشد الطمأنينة والانتماء.

فرض العصر الرقميّ سُلطانه، وأصبح الذكاء الاصطناعيّ بيئة بديلة تعيد تشكيل طرائق التعلّم والتفكير. وامتلك الطالب اليوم العالم بضغطة زرّ على جهازه؛ يترجمُ ويحلّ أصعب المشكلات في لحظات، ويكتب أطول المقالات. 
لم يعد العلم حبيس الرفوف، بل امتدّ ليسكن تلك الأجهزة التي ترافقهم أينما حلّوا، وهي لعمري نعمة كبرى إن عرفنا كيف نروّضها ونسبر أغوارها. 

هذا العالم الرقميّ يفتح أمام أبنائنا آفاقًا رحبة؛ فهو ييسّر الفهم عبر وسائط تفاعليّة، ويجسّد المفاهيمَ المجرّدة، ويمنحهم فضاءً للتعلّم الذاتيّ الذي يحترمُ سرعة كلّ طالب. لمست بنفسي كيف كسر هذا العالم حاجز الخجل لدى البعض، وكيف أعاد بناء الثقة في نفوس متعثّرة وجدَت في المنصّات التعليميّة ملاذًا ورفيقًا.

غير أنَّ للصورة وجهًا آخر، لا يمكن أن يغيب عن عين كلّ معلّم ومربّي. فهذا الزخم المعلوماتيُّ الهائل، أربك عقولًا لم تكتسب بعد مهارة الغربلة والتمييز. صار بعض الطلبة أسرى للسرّعة، يفضّلون الإجابة الجاهزة على لذّة البحث، ويستسهلون النسخ بدلًا من مشقّة التفكير. تراجعت هيبةُ القلم والورق، وضَعُفت القدرة على التركيز الممتدّ، ولم يعد للصمت التأمّليّ في حضرة النصوص الأدبيّة مكانًا، أو حتّى أدنى حضور.

ولأنّني معلّمة للغة قائمة على الخيال والإبداع، معلّمة لغة عربيّة، يؤلمني أن أرى طلبتي يحفظون قواعد البلاغة حفظًا، لكنّهم يقفون عاجزين عن تذوّق صورة شعريّة من دون استشارة حاسوبيّة. يؤلمني أن تنحصر العلاقة بالنصّ في البحث عن "الإجابةِ الصحيحة"، عوضًا عن الانخراط في أسئلة الوجدان والمشاعر: "بمَ أشعر؟ وماذا أفهم؟ وأين أختلف؟"

ومع ذلك، لسنا هنا لنحارب التكنولوجيا بوصفها عدوًّا، بل لنقودها بوصفها قوّة. المشكلة ليست في أجهزة الحاسوب ولا في الذكاء الاصطناعيّ، بل في غياب "البوصلة". مسؤوليّتنا تكمن في تعليم أبنائنا كيف يسألون قبل أن يبحثوا، وكيف يفكّرون قبل أن ينسخوا. علينا أن نغرس فيهم أنّ التقنيّة أداة تعين العقل، لا بديل يحلّ محلّه.
في حصصي، أسعى جاهدةً للمصالحة بين الورق والشاشة. أسمحُ لهم بالبحث بحواسيبهم، ثمّ أطالبهم بصياغة فهمهم بأقلامهم الخاصّة. أناقشهم في أمانة الكلمة، وأذكّرهم بأنّ التطوّر لا يسقطُ القيم. أبناؤنا يحتاجون اليوم إلى جذور راسخة تحميهم من رياح التشتّت، وإذا منحناهم الوعي بجانب المهارة، سيعبرون هذا المفترق بسلام.

مهما تقدّمنا سيبقى الكتاب نبضًا للحياة، ولا نستطيع أن ننكر أنّ الشاشة باتت نافذة على العالم. وهنا علينا مدّ يد العون لطلبتنا وهم يقفون في المفترق، لا ليختاروا أحدهما، بل ليتقنوا الجمع بينهما. وحين يتعلّمون كيف يقودون هذه التقنيّة، عندها فقط يتحوّل التشتّت إلى طاقة وإبداع ، والتطوّر إلى نهضة حقيقيّة قادرة على مواجهة التحدّيات.