لم يعد التعليم في لبنان مجرّد عمليّة منظّمة داخل صفوف تقليديّة، بل أصبح محاولة يوميّة للبقاء. في ظلّ انقطاع الكهرباء، وضعف الإنترنت، والخوف الذي يرافق تفاصيل الحياة، لم يعد السؤال: "كيف نعلّم؟" بل "كيف نستمرّ في التعليم أصلًا؟". في هذا السياق، تتراجع النماذج الجاهزة، وتتقدّم محاولات فرديّة وجماعيّة يقودها المعلّمون، بحثًا عن طرق تُبقي التعلّم حيًّا، ولو في حدّه الأدنى.
لا يمكن قراءة هذا التحوّل بوصفه مجرّد تكيّفٍ ظرفيّ، بل باعتباره إعادةً لتشكيل فعل التعليم نفسه. فحين تغيب البنية المستقرّة، وتضعف المركزيّة، يُضطرّ المعلّم إلى التحرّر من القوالب الجاهزة، والاقتراب أكثر من واقع المتعلّمين. هنا، لا يعود المنهاج المرجعيّة الوحيدة، ويصبح السياق الاجتماعيّ والمعيشيّ جزءًا أساسيًّا من العمليّة التعليميّة، إن لم يكن مركزها.
في هذا الإطار، يظهر التعليم الشعبيّ بوصفه ممارسة حيّة، لا نظريّة. تعليم ينطلق من الناس، ومن خبراتهم، ويُبنى معهم، لا عليهم. لا يعود المعلّم المصدر الوحيد للمعرفة، بل يصبح شريكًا في إنتاجها، بينما يتحوّل المتعلّم من متلقٍّ إلى فاعل، يساهم في تشكيل مسار تعلّمه بحسب ما تتيحه الظروف، وما تفرضه الحاجة.
في التجربة اليوميّة، لا تتجلّى هذه الممارسات في الأدوات بحدّ ذاتها، بل في طريقة توظيفها، وعلاقتها بحياة المتعلّمين. ففي إحدى الممارسات، لم يُطلب من الطلّاب فقط فهم المفهوم، بل طُلب منهم ربطه بما يعيشونه يوميًّا، كأن يشرح الطالب الفكرة من خلال مثال من بيئته، أو من موقف مرّ به خلال الأزمة. هُنا، لم يعد التعلّم استجابة لمحتوى جاهز، بل أصبح محاولة لفهم الواقع عبر المعرفة.
وفي تجربة أخرى، تحوّل التواصل مع الأهل من مجرّد وسيلة متابعة إلى مساحة حوار حول ما يتعلّمه الطالب، حيث شارك بعض الأهل أمثلة من حياتهم العمليّة لدعم الفكرة المطروحة. هذا التداخل بين البيت والتعلّم لم يكن إجراءً تنظيميًا، بل أعاد ربط المعرفة بسياقها الاجتماعيّ، وجعل التعلّم أقرب إلى تجربة حيّة يعيشها الطالب داخل مجتمعه.
كما ظهرت ممارسات اعتمدت على العمل التشاركيّ بين الطلّاب، حتّى في أبسط صوره، حيث طُلب من كلّ طالب أن يضيف فكرة أو
مثالًا، ليُبنى المفهوم بشكل جماعيّ. في هذه الحالة، لم يعد المعلّم ناقلًا للمعرفة، بل منظّمًا لمسارها، بينما أصبح المتعلّم مساهمًا في تشكيلها، بحسب ما يملكه من خبرة وما يعيشه من ظروف.
وفي بعض السياقات، لم يكن الهدف إتمام الدرس كما هو مخطّط، بل إعادة صياغته بما يتناسب مع ما يمرّ به الطلّاب. فبدلًا من الالتزام الحرفيّ بالمحتوى، تمّ فتح مساحة للأسئلة التي يطرحها المتعلّمون حول واقعهم، ومحاولة فهمها باستخدام المفاهيم الدراسيّة. هنا، يصبح التعلّم أداة لقراءة الحياة، لا مجرّد مادة دراسيّة منفصلة عنها.
هذا النمط من الممارسة يعبّر عن جوهر التعليم الشعبيّ، حيث لا تُنقل المعرفة من أعلى إلى أسفل، بل تُبنى ضمن سياق تفاعليّ يرتبط بحياة المتعلّمين. يصبح التعلّم فعلًا اجتماعيًا يتقاطع فيه ما هو معرفيّ مع ما هو إنسانيّ، ويستعيد فيه المتعلّم دوره في طرح الأسئلة، لا الاكتفاء بتلقّي الإجابات.
في هذا السياق أيضًا، تبرز الأدوات الرقميّة بوصفها وسائل دعم تساعد المعلّم على الاستمرار، لا بدائل مكتملة عن العمليّة التعليميّة. لم يعد استخدامها ترفًا، بل استجابة لحاجة ملحّة، سواء في تبسيط المحتوى أو في إنتاج موادّ يمكن إعادة استخدامها. لكن هذه الأدوات، مهما تطوّرت، لا تُنتج تعليمًا شعبيًّا بحدّ ذاتها. ما يمنح التعليم هذا الطابع علاقته بالواقع وبالناس، وقدرته على تحويل المعرفة إلى أداة لفهم ما يحدث والتفاعل معه.
من هنا، يمكن القول إنّ ما نشهده اليوم ليس فقط أزمة تعليميّة، بل فرصة لإعادة التفكير في معنى التعليم ودوره. فالممارسات التي ظهرت تحت الضغط، والتي قد تبدو مؤقّتة، تحمل في طيّاتها إمكانيّة التحوّل إلى نماذج أكثر مرونة، وأكثر قربًا من المتعلّمين.
حين يُمنح المعلّم مساحة اتّخاذ القرار، وحين يُسمح للتعلّم بأن يتشكّل وفق الحاجة، لا وفق القوالب الجاهزة، يصبح التعليم أكثر إنسانيّة، وأكثر قدرة على الاستمرار.
في هذا المعنى، لا يعود التعليم الشعبيّ خيارًا بديلًا، بل يصبح ضرورة. ضرورة تفرضها الظروف، لكنّها تكشف في الوقت نفسه عن إمكانيّات كامنة في داخل الممارسة التربويّة نفسها. إمكانيّات تقوم على الثقة بالمعلّم وبالمتعلّم وبالمجتمع، وعلى الإيمان بأن التعلّم يمكن أن يحدث، حت~ى في أصعب الظروف، إذا ما أُعيد بناؤه من الداخل.
ربّما لا نملك اليوم الظروف المثاليّة للتعليم، لكنّنا نملك ما هو أكثر أهمّيّة: القدرة على إعادة اختراعه. وفي كلّ مرّة ينجح فيها معلّم في إيصال فكرة، على الرغم من كلّ ما يحدث، يولد شكل جديد من التعليم، تعليم يشبه الناس، وينطلق منهم، ويعود إليهم.



