تشرين مصاروة - أستاذة باحثة - فلسطين
تشرين مصاروة - أستاذة باحثة - فلسطين
Thu, 16 Jul 2026 - 15:35

ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتك إلى التعليم؟

لا يمكن أن تمرّ الحروب والأزمات المختلفة في العالم العربيّ، من دون أن تترك أثرًا عميقًا في نظرتي إلى التعليم؛ فقد صار التعليم بالنسبة إليّ فعل صمود يوميّ، يحمي هويّة الطلاب النفسيّة والإنسانيّة قبل أن يكون مجرّد وسيلة للحصول على شهادة. كلّما اشتدّت الحروب، ازداد إيماني بأنّ المدرسة قد تكون أحيانًا المساحة الوحيدة الآمنة التي تمنح الطفل معنى وأملًا في مستقبل مختلف.  

ما الذي تتمنّين لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ لماذا؟

أهمّ ما أتمنّى أن يعرفه صُنّاع القرار هو أنّ المعلّم اليوم يعمل تحت ضغطٍ يفوق طاقته، ومع ذلك ما يزال الحلقة الأضعف في سياسات التعليم، مع أنّه أساس جودة المنظومة كلّها. وأيّ إصلاح حقيقيّ للتعليم يبدأ من تحسين أوضاع المعلّمين مادّيًّا ومهنيًّا ونفسيًّا، لا من زيادة اللوائح والتعاميم.

هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟

نعم، ما زال الكتاب المدرسيّ في صفّيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم، لكنّه ليس الوحيد؛ أستخدمه إطارًا منظّمًا للأهداف والمحتوى، ثم أكمّله بأنشطة تفاعليّة، ووسائط رقميّة، ونصوص إضافيّة، بحيث يصبح دور الكتاب توجيه المسار العامّ للتعلّم، بينما تتكفّل المصادر الأخرى بتوضيح المفاهيم، وتنويع الخبرات، وربط ما يتعلّمه الطلبة بحياتهم الواقعيّة.

هل سبق وفكّرت بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلك تبقين؟

نعم، فكّرت بالاستقالة أكثر من مرّة، بخاصّةً في اللحظات التي يتراكم فيها الضغط الإداريّ، وضغط الحصص، وتوقّعات الأهل والمجتمع. في تلك الفترات أشعر أحيانًا أنّ الجهد المبذول لا يقابله تقدير كافٍ، ماديّ أو معنويّ، وأنّ المهنة تستنزف طاقتي النفسيّة.
ومع ذلك أبقى، لأنّني في كلّ مرة أدنو فيها من فكرة الاستقالة، يحدث ما يذكّرني لماذا بدأت: نظرة فهم في عيون طالب كان يجد صعوبة في التعلّم؛ رسالة امتنان بسيطة من أمّ؛ أو لحظة تقدّم حقيقيّ، أرى فيها أثر التدريس في شخصيّة أحد الطلبة. أبقى لأنّ علاقتي بطلّابي تتجاوز حدود الوظيفة؛ أشعر أنّ لي دورًا في تشكيل وعيهم وثقتهم بأنفسهم، وهذا المعنى يمنح المهنة قيمة تُخفّف ثقل الضغوط.

ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟

من أهمّ المهارات التي يجب أن يتقنها المتعلّم اليوم في عصر الذكاء الاصطناعيّ: القدرة على التمييز بين المعلومة الصحيحة والزائفة؛ ومهارة طرح الأسئلة العميقة، والتفكير النقديّ، والقدرة على استخدام الأدوات التكنولوجيّة من دون أن يفقد إنسانيّته وصوته الشخصيّ. أريد لطلّابي أن يستفيدوا من الذكاء الاصطناعيّ، لا أن يتحوّلوا إلى مستهلكين سلبيّين له.  

ما أهمّ استراتيجيّاتك في شدّ انتباه المتعلّمين؟

بما أنّني معلّمة تربية خاصّة للمرحلة الإعداديّة، فأهمّ استراتيجياتي في شدّ انتباه المتعلّمين هي:
•    أبدأ بمثير بسيط قريب من عالمهم: صورة أو موقف اجتماعيّ، أو سؤال عن تجربة عاشوها، ثمّ أربطه بهدوء بهدف الدرس، مع مراعاة الفروق الفرديّة في الفهم واللغة.
•    أجزّئ المهمّة التعليميّة إلى خطوات صغيرة وواضحة، مع تعليمات قصيرة مدعومة بصريًّا (بطاقة، رمزًا، كلمة على اللوح) حتّى لا يفقدوا التركيز، وسط تعقيد الشرح.
•    أستخدم الكثير من الوسائط: بطاقات وألوان ومجسّمات بسيطة، ومقاطع فيديو قصيرة، حتّى لا يبقى الانتباه معتمدًا على الشرح الشفهيّ فقط.
•    أتيح الحركة المنظّمة: وقوفًا لقراءة بطاقة، انتقالًا إلى محطّة عمل، أو كتابة كلمة على اللوح، لأنّ طلّاب التربية الخاصّة في المرحلة الإعداديّة، غالبًا ما يحتاجون إلى الحركة كي يحافظوا على الانتباه.
•    أستخدم التعزيز الفوريّ والمحدّد (كلمة تشجيع، إشارة إيجابيّة، نقطة في جدول تعزيز) عندما يلتزم الطالب أو يشارك، حتّى يرتبط الانتباه لديه بشعور بالنجاح والقبول.
•    أراعي أن تكون الأنشطة قصيرة ومتنوّعة، مع فترات انتقال واضحة بين نشاط وآخر، وأخبرهم دائمًا: "الآن سنفعل كذا وبعدها كذا"، ليشعروا بالأمان ويتوقّعوا ما سيحدث.
 

هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟

ما زلت أعتبر عبارة "ضبط الصفّ" غير كافية لوصف ما أطمح إليه؛ أفضّل أن أتكلّم عن "بناء بيئة صفّيّة آمنة ومحترمة". أريد أن يكون الهدوء في صفّي نابعًا من شعور الطلّاب بالاحترام والانتماء، لا من الخوف. وعندما أشعر أنّ الهدوء ناتج عن مشاركة حقيقيّة وليس عن قمع، أقول عندها إنّ أجواء الصفّ مناسبة.

 ما الذي يجعلك تضحكين في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ لماذا؟

ما يجعلني أضحك في المدرسة، على رغم كلّ الضغوط، هو المواقف العفويّة التي تحدث مع الطلّاب داخل الحصّة وخارجها، والمواقف بين الطاقم الرائع. كما تسعدني لحظات نجاح نشاط كنت متردّدة في تجريبه، فأرى تفاعلهم وفرحهم فأشعر أنّ الجهد لم يذهب هدرًا. هذه المواقف تبدو بسيطة، لكنّها تذكرني بأنّ المدرسة ليست فقط مكانًا للواجبات والضغوط، بل فضاء إنسانيّ مليء بالبساطة والضحك والتواصل الحقيقيّ.

أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأته في صفحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟

أكثر مقال تربويّ أعجبني كان مقال "أهمّيّة التطوير المهنيّ الذاتيّ للمعلّم وكيفيّة الارتقاء بأدائه" المنشور في منصّة منهجيّات، لأنّه يربط بين وعي المعلّم بذاته وممارساته داخل الصفّ، وبين قدرته على التأقلم مع تغيّرات الواقع التربويّ وتحسين المناخ العلائقيّ وتيسير تعلّم الطلبة. ويؤكّد على مسؤوليّة المعلّم في الاستمرار في التعلّم والانفتاح على تجارب الزملاء.
 

إذا كتبتِ يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ لماذا؟

إذا كتبتُ يومًا كتابًا عن تجربتي في التعليم، أتصوّر أنّ عنوانه سيكون: "بين قلق المراهقين وقلق المعلّمين: حكايات من صفوف الإعداديّة، أو "حين يستيقظ طلّاب التاسع في اللحظة الأخيرة". أشعر أن هذه العناوين تعبّر عن الجوّ الذي أعيش فيه يوميًّا: الكثير من الأسئلة والقلق والضحك، ومحاولات لا تنتهي لفهم هذا الجيل ومساندته.
وللعلم بدأت بكتابة كتاب بعنوان: مطر تشرين الثالث، لأهديه لنفسي بتخرّج باللقب الثالث.