ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتك إلى التعليم؟
الحروب والأزمات المتعاقبة في العالم العربيّ أعادت صياغة مفهومي للتعليم، لينتقل من كونه مجرّد مسار أكاديميّ تقليديّ إلى كونه فعل بقاء؛ فالتعليم اليوم القوّة الوحيدة التي لا تُهزم، والثابت الذي لا يزول، حتّى وإن تهاوت الجدران أو دُمّرت المدارس.
صوت العلم تجاوز حدود المباني، ليتحوّل إلى روح تسري في تفاصيل الحياة اليوميّة، تبعث الأمل في النفوس، وتمنح الإنسان القدرة على الاستمرار على الرغم من الركام.
لم يعد التعليم محصورًا في قاعة الدراسة، بل أصبح الهويّة التي نحملها في داخلنا، والنور الكامن الذي يضيء دروبنا حين تظلم الدنيا، مؤكّدًا أنّ العقل المستنير هو الحصن الذي لا يمكن هدمه.
ما الذي تتمنّين لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ لماذا؟
ما أتمنّى من صنّاع القرار إدراكه هو أنّ المعلّم اليوم لا يؤدّي مجرّد وظيفة، بل يعمل بضمير حيّ، ويبذل قصارى جهده ليكون مؤثّرًا حقيقيًّا في بناء جيلٍ واع؛ لذا فهو يحتاج إلى دعم يتجاوز التقدير الشكليّ، ليشمل منحه مساحة حرّة للتعبير واتّخاذ القرار، والمشاركة في رسم السياسات التربويّة.
الرفاه النفسيّ، والتعلّم الاجتماعيّ العاطفيّ ليس مجرّد رفاهيّة، بل المحرّكان الأساسيّان لخلق بيئة إيجابيّة محفّزة، في زمنٍ تزايدت فيه الأعباء والمتطلّبات الرقميّة والاجتماعيّة. لقد حان الوقت لتقدير قيمة وقت المعلّم، باستثماره في ما ينعكس إيجابًا على الطالب والميدان، والابتعاد عن الإجراءات الروتينيّة التي تستنزف طاقته من دون جدوى، ليبقى المعلّم منارة قادرة على العطاء المستدام.
هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟
لا يزال الكتاب المدرسيّ يشكّل ركيزة أساسيّة، ومنطلقًا منظّمًا للعمليّة التعليميّة في صفّيّ. إلّا أنّه لم يعد المصدر الوحيد أو المنفرد بالمعرفة؛ فنحن نعيش طفرة تعليميّة، جعلت من الوسائل الرقميّة، والأدوات التفاعليّة شركاء حقيقيّين في بناء وعي الطالب؛ حيث نعتمد على مجموعة متنوّعة من المصادر التي تربط التعلّم بالواقع الملموس، ما يخرج المعلومة من إطارها النظريّ الجامد إلى حيّز التطبيق.
هذه المصادر الإضافيّة، من مقاطع فيديو تعليميّة، ومنصّات تفاعليّة ومشاريع بحثيّة، تساعد في تعميق فهم الطالب، وتنمّي لديه مهارات النقد والتحليل، محوّلة دور الكتاب من "مخزن للمعلومات" إلى "مرجع موجّه"، يدعم رحلة استكشافيّة أوسع وأكثر حداثة.
هل سبق وفكّرت بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلك تبقين؟
على الرغم من التحدّيات والضغوط التي قد تفرضها مهنة التعليم أحيانًا، إلا أنّ فكرة الاستقالة لم تكن يومًا خيارًا حقيقيًّا بالنسبة إليّ؛ فما يدفعني إلى البقاء والاستمرار هو تلك القيمة المعنويّة العالية التي أجدها في صفّيّ.
أثمّن لحظاتي مع الطلّاب بشكل لا يوصف، وأعتبر نجاحاتهم الصغيرة، وابتساماتهم عند فهم معلومة جديدة مصدرًا قويًّا للطاقة، يمدّني بالعزيمة لمواجهة أيّ صعوبات. هذا الرابط الإنسانيّ والمهنيّ العميق، وصدق المشاعر في التعامل مع عقول تبني مستقبلها، هو ما يجدّد في داخلي حبّ ما أعمل، ويجعلني متمسّكة برسالتِي التربويّة، مؤمنة بأنّ الأثر الذي نتركه في نفوسهم، هو المكافأة الأجمل التي تفوق أيّ تعب.
ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟
في عصر الذكاء الاصطناعيّ، لم يعد التعليم مقتصرًا على تلقين المعلومات، بل بات يركّز على تمكين المتعلّم من أدوات التعامل مع تكنولوجيا المستقبل بذكاء وحذر. لذا، من الضروريّ تدريب الطلّاب على مهارات البحث المتقدّم، وكيفيّة استخلاص المعلومات بدقّة، مع التركيز بشكل محوريّ على السلامة الرقميّة لحماية خصوصيّتهم وتأمين تواجدهم عبر الإنترنت.
كما يجب تنمية مهارة التفكير النقديّ لتقييم المحتوى الذي يقدّمه الذكاء الاصطناعيّ، والتحقّق من مصداقيّته، بالإضافة إلى تعلّم كيفيّة الاستفادة القصوى من هذه التقنيّات بوصفها شريكًا إبداعيًّا، يساعد في حلّ المشكلات المعقّدة، وليس بوصفها بديلًا من العقل البشريّ. الهدف بناء جيل يمتلك "الذكاء الرقميّ" الذي يجمع بين الكفاءة التقنية والوعي الأخلاقيّ، ما يضمن استخدامًا آمنًا ومثمرًا للابتكارات الحديثة.
ما أهمّ استراتيجيّاتك في شدّ انتباه المتعلّمين؟
تعتمد استراتيجياتيّ في جذب انتباه المتعلّمين على تحويل الحصّة الدراسيّة من مجرّد طرح للمعلومات إلى تجربة حيّة ومثيرة، حيث أرتكز بشكل أساسيّ على التعلّم المبنيّ على الاستقصاء الذي يضع الطالب في دور الباحث والمكتشف، ممّا يثير فضوله، ويحفّزه على طرح التساؤلات والبحث عن الإجابات بنفسه.
كما أؤمن بقوّة القصّة أداةً سحريّة في التعليم؛ فاستخدام الأسلوب القصصيّ في عرض المفاهيم يساعدني في جذب الطلّاب عاطفيًّا وذهنيًّا، ويربط المادّة العلميّة بسياقات مشوّقة تجعل التركيز نابعًا من الرغبة في معرفة "ماذا سيحدث بعد؟" وهذا المزيج بين البحث النشط والسرد القصصيّ يضمن بقاء الطالب يقظًا ومتفاعلًا طوال وقت التعلّم.
هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟
في واقع الأمر، لا أعتقد أن تعبير "ضبط الصفّ" لا يزال مناسبًا في سياق التعليم الحديث؛ فهذا المصطلح يحمل في طيّاته عبئًا معنويًّا ثقيلًا يوحي بأنّ العمليّة التعليميّة صراع أو مهمّة شاقّة يجب السيطرة عليها منذ البداية.
بدل التركيز على "الضبط" الذي قد يوحي بالقيود، الأفضل أن نطمح دائمًا إلى خلق بيئة تعلّم إيجابيّة، قائمة على الاحترام المتبادل والمشاركة الفعّالة. فعندما يشعر الطالب بأنّه جزء من بيئة محفّزة وآمنة، يتحوّل النظام من "فرض خارجيّ" إلى "سلوك ذاتيّ" نابع من شغف التعلّم، ما يجعل إدارة الفصل انسيابيّة وممتعة، بدلًا من كونها عبئًا يرهق المعلّم والطالب على حدّ سواء.
ما الذي يجعلك تضحكين في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ لماذا؟
على الرغم من كثرة الضغوط والمسؤوليّات، إلا أنّ عفويّة الطلّاب تظلّ الصانع الأوّل للبهجة في يومي الدراسيّ؛ فمواقفهم غير المصطنعة، وتعليقاتهم البريئة تضفي لونًا من المرح والسعادة. ومن جانبي، أحبّ إضافة روح الفكاهة في تعاملي معهم، لأنّني أؤمن بأنّ الضحكة المشتركة تقصّر المسافات بين المعلّم وطالبه، وتجعل بيئة التعلّم أكثر مرونة وجاذبيّة. هذا المزيج بين عفويّة عقولهم، وميلي إلى نشر الإيجابيّة، هو "صمام الأمان" الذي يجدّد نشاطي ويحوّل التحدّيات اليوميّة إلى ذكريات ممتعة تستحقّ الابتسام.
أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأته في صفحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟
أعجبني مقال "ما الذي تستطيع الفنون تقديمه في حصّة اللغة العربيّة؟" للدكتور محمد تيسير الزعبي، المنشور في مجلّة منهجيّات؛ لما يحمله من رؤية عميقة تكسر الجمود التقليديّ في التعليم. أعجبني المقال لأنّه يعيد الاعتبار إلى جماليّات الفنّ أداةً تعليميّة وتواصليّة فعّالة، حيث يبرز دور المسرح في صقل مهارة التحدّث وبناء الثقة بالنفس، ويشرح كيف يمكن للتربية الفنيّة أن تكون مخرجًا ذكيًّا لعلاج تعثّر الطلبة في الكتابة بالقصّة المصوّرة.
تركيز المقال على أنّ الفن ليس مجرّد "نشاط ثانويّ" بل وسيلة لتهذيب السلوك، والحدّ من التنمّر، وبناء علاقة إيجابيّة وآمنة بين المعلّم والطالب، جعلني أدرك أنّ دمج الفنون في حصّة اللغة العربيّة، يحوّل التعلمّ إلى تجربة حيّة تربط الطالب بتراثه وتنمّي ذائقته الإنسانيّة، لتنتقل الغرفة الصفّيّة من مساحة للتلقين، إلى فضاء رحب للإبداع والتعبير.
إذا كتبتِ يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ لماذا؟
سأختار عنوان "فن المرونة.. حين تتساقط الأشياء". فهذا العنوان يلخّص جوهر تجربتي العميقة في ميدان التعليم والقيادة. اخترت "المرونة" تحديدًا لأنّها القوّة الخفيّة التي مكّنتني من الصمود، والتعامل مع التحدّيات المتسارعة؛ ففي التعليم لا تسير الأمور دائمًا وفق الخطط المرسومة. وكثيرًا ما تتساقط التوقّعات، أو تتصادم مع الواقع المعقّد.
سيكون الكتاب سردًا لكيفيّة تحويل تلك العقبات إلى فرص للنموّ، وكيف أنّ القائد التربويّ الناجح هو من يمتلك القدرة على الانحناء أمام العاصفة من دون أن ينكسر، ليعيد ترتيب الأوراق برؤية متجدّدة، مؤمنًا بأنّ أصعب المواقف هي التي تصقل مهاراتنا في الإدارة والاحتواء، وبناء الأجيال.



