ثقافة الدرجات: ماذا فعلت بالتعلّم؟
ثقافة الدرجات: ماذا فعلت بالتعلّم؟
Sun, 12 Jul 2026 - 09:51
هاني عبد الحميد حمدونة | معلّم في وزارة التربية والتعليم العالي ومحاضرًا في جامعة الأقصى - فلسطين

لم تعد الدرجات مجرّد أداة لقياس التحصيل، بل تحوّلت تدريجيًّا إلى غاية في حدّ ذاتها، حتّى باتت تختزل معنى التعلّم في رقم يُدوّن، أو ترتيب يُعلَن، أو شهادة تُعلّق. وفي ظلّ هيمنة هذه الثقافة، يبرز سؤال تربوي ملحّ: ماذا فعلت ثقافة الدرجات بجوهر التعلّم؟
حين تصبح الدرجة هي الهدف، يتغيّر سلوك المتعلّم جذريًّا، فبدل أن يسأل: ماذا تعلّمت؟ يبدأ بالسؤال: كم حصّلت؟ وبدل أن يبحث عن الفهم، ينشغل بتوقّع الأسئلة، وحفظ الإجابات النموذجيّة، وتجنّب الخطأ. وهكذا، يتحوّل التعلّم من رحلة استكشاف إلى عمليّة حسابيّة، تُقاس بالنجاح أو الإخفاق، لا بالنموّ أو الفهم.

ولا يقتصر أثر ثقافة الدرجات على المتعلّمين وحدهم، بل يمتدّ إلى المعلّمين أيضًا. إذ يجد كثير منهم أنفسهم، عن قصد أو اضطرار، أسرى لمنظومة تقويم تفرض عليهم التركيز على ما يُقاس، لا على ما يُنمّي؛ فيُعاد تشكيل الدروس لتخدم الاختبار، وتُختزل الأنشطة في ما يضمن رفع المتوسّطات، حتّى لو كان ذلك على حساب التفكير العميق أو الإبداع. ومع الوقت، يصبح المعلّم جزءًا من منظومة تُكافئ الامتثال أكثر من كونها تُكافئ التجديد.

أمّا على المستوى النفسيّ، فتترك الدرجات أثرًا بالغًا في علاقة المتعلّم بذاته، فالنجاح المتكرّر قد يصنع ثقة هشّة مرتبطة بالنتيجة لا بالجهد، بينما يُنتج الإخفاق شعورًا مبكرًا بالعجز أو الدونيّة. وفي الحالتين، يُقاس الطالب بقيمة خارجيّة، لا بقدرته على التعلّم أو التطوّر، وهنا تفقد المدرسة أحد أدوارها الأساسيّة: أن تكون مساحة آمنة للتجربة والخطأ.

وتزداد خطورة ثقافة الدرجات حين تتحوّل إلى معيار اجتماعيّ للحكم على الأفراد. فالأسرة تنتظر الأرقام، والمؤسّسة تصنّف، والمجتمع يربط التفوّق بالقيمة. وفي هذا السياق، يُهمَّش كثير من أشكال الذكاء والمهارات التي لا تُقاس بسهولة، مثل: التفكير النقديّ، والقدرة على التواصل، والمرونة وحلّ المشكلات، وكأنّ ما لا يُمنح درجة لا يستحقّ الاعتراف.

غير أنّ النقد لا يعني الدعوة إلى إلغاء التقويم، بل إلى إعادة النظر في فلسفته. فالتقويم في جوهره، وسيلة لتحسين التعلّم لا للحكم عليه. وعندما يُوظَّف بوصفه أداة تشخيص وبناء، لا أداة تصنيف وإقصاء، يمكن أن يستعيد دوره التربويّ الحقيقيّ، فالتغذية الراجعة، والتقويم التكوينيّ، وتنوّع أدوات التقييم، كلّها بدائل تسهم في إعادة التوازن بين القياس والتعلّم.

التحدّي الحقيقيّ لا يكمن في الدرجة ذاتها، بل في الثقافة التي أحاطت بها. ثقافة اختزلت التعلّم في نتيجة، وأغفلت العمليّة، ورفعت الرقم فوق المعنى، وإعادة الاعتبار للتعلّم تتطلّب شجاعة تربويّة لمساءلة هذه الثقافة، وإعادة توجيه البوصلة نحو ما يبقى أثره طويلًا: الفهم والقدرة على التفكير، والرغبة في التعلّم المستمرّ.

في النهاية، قد تُنسى الدرجات مع مرور الوقت، لكن ما يتعلّمه الإنسان فعلًا هو ما يصنع حضوره في الحياة. والسؤال الذي يستحقّ أن يُطرح ليس: كم حصّلنا؟ بل: ماذا تعلّمنا، وكيف غيّرنا التعلّم؟