ما يزال النزيف التعليميّ في غزّة مستمرًّا، من دون مؤشّرات واضحة على اقتراب نهايته. فالحرب لم تقتصر آثارها على تدمير المدارس وحرمان الأطفال من مقاعد الدراسة، بل خلقت أزمة تعليميّة ممتدّة عابرة للزمن، تتراكم آثارها سنة بعد سنة، حتّى باتت تهدّد مستقبل جيل بأكمله.
وحتّى تاريخ كتابة هذه السطور، فقد طلبة غزّة ما يقارب من ثلاث سنوات دراسيّة بسبب الحرب، وهو ما عمّق الفاقد التعليميّ، ووسّع الفجوة بين ما ينبغي أن يتعلّمه الطلبة وما يمتلكونه فعليًّا من معارف ومهارات. وتشير دراسة صادرة عن جامعة كامبردج إلى أنّ الفاقد التعليميّ قد يصل إلى خمس سنوات، إذا أُضيفت آثار جائحة كوفيد-19 إلى سنوات الحرب وتعطّل التعليم.
وعند مقارنة العمر الزمنيّ للطلبة بعمرهم التعليميّ، تتلاشى مؤشّرات التعادل تمامًا، لتظهر فجوة آخذة في الاتّساع؛ إذ يتقدّم العمر الزمنيّ على العمر التعليميّ لدى معظم طلبة غزّة، في مشهد يعكس أزمة لا تتعلّق بتعطّل الدراسة فحسب، بل بتآكل الحقّ في التعلّم نفسه.
أخطر ما يمكن أن نرتكبه بوصفنا منظومة تربويّة ترسم السياسات، وتحدّد التوجهات هو أن نستمرّ في التعامل مع الطوارئ في غزّة بوصفها حدثًا عابرًا. فكلّ المؤشّرات تؤكّد أنّها تحوّلت إلى سياقٍ ممتدّ، يعيد تشكيل حياة الأطفال وتعليمهم ومستقبلهم. ومن هنا، السؤال لم يعد كيف نعبر هذه الأزمة، بل كيف نبني منظومة تعليميّة قادرة على الحياة داخل واقع أصبحت فيه الطوارئ هي القاعدة، لا الاستثناء.
وأمام هذا الواقع: المسار لم يعد كيف نستجيب للأزمة، بل كيف نعيد بناء التعليم في ظلّ أزمة قد تصبح واقعًا طويل الأمد. فهل سنبقى منشغلين بمواجهة العاصفة كلّما هبّت، أم آن الأوان لتغيير "الطقس" ذاته، وإعادة تصميم منظومة تعليميّة أكثر مرونة وعدالة وقدرة على الصمود؟
وستقودنا السطور القادمة لقراءة الواقع بعين المتألّم لا بعين صانع القرار، عبر الإجابة عن تساؤلات حائرة:
كيف بات واقع التعليم وهو في عين عاصفة الإبادة؟
أصبح التعليم في غزّة يواجه أزمة عابرة للزمن والأجيال، وأصبح يقف في قلب عاصفة تهدّد وظيفته الأساسيّة بوصفه مساحة لبناء الإنسان وصناعة المستقبل. فالأزمة لم تطل المباني والمناهج فقط، بل امتدّت إلى علاقة الأجيال بالتعلّم، وإلى قدرة المؤسّسات التعليميّة على أداء دورها في منح المعرفة والأمل والاستقرار.
ومع ذلك، بقي التعليم فعل صمود ومحاولة مستمرّة لحماية حقّ الأطفال والشباب في التعلّم. لكنّ السؤال الأعمق اليوم ليس فقط: كيف نعيد ما دُمّر؟ بل هو: كيف نعيد تصوّر تعليم قادر على الصمود؟ وتحويل الأزمة من لحظة فقد، إلى نقطة انطلاق نحو نموذج أكثر مرونة وإنسانيّة.
مرجعيّات متعدّدة وغياب للسياسات الموحّدة
ما زالت المنظومة التعليميّة تدفع ثمن سنوات من الانقسام السياسيّ، الذي جعل تعدّد المرجعيّات التعليميّة حاضرًا في صناعة القرارات ورسم السياسات، وأدّى إلى تباين في الأولويّات والرؤى وآليّات العمل. وقد انعكس ذلك على قدرة النظام التعليميّ على بناء استراتيجيّة موحّدة، قادرة على الاستجابة للتحدّيات المتراكمة، وتحقيق تحوّل نوعيّ ومستدام.
تعدّد المرجعيّات بحدّ ذاته ليس المشكلة، فتنوّع الشركاء والخبرات يمكن أن يكون عنصر قوّة، لكنّ غياب الإطار الجامع الذي ينسّق الأدوار، ويحدّد اتجاهاتها، جعل الجهود في كثير من الأحيان أقرب إلى الاستجابة للظروف الطارئة، من بناء مشروع تعليميّ وطنيّ طويل الأمد.
لماذا لم تعد الحلول التقليديّة كافية؟
كشفت سياقات الإبادة التعليميّة في غزّة، هشاشة الهياكل المؤسّسيّة في المنظومة التعليميّة، وأظهرت أنّ الأزمة لم تكن في نقص الموارد فقط، بل في محدوديّة قدرة النظام على التكيّف والصمود. فقد بات واضحًا أنّ مواجهة التحدّيات الراهنة تتطلّب الانتقال من إدارة الأزمات، إلى بناء منظومة تعليميّة أكثر مرونة، قادرة على حماية الحقّ في التعليم، والاستجابة إلى متطلّبات المستقبل، والانتقال من منظومة تعمل بمنطق الاستجابة الطارئة، إلى منظومة تمتلك رؤية استباقيّة قادرة على حماية الحقّ في التعليم مهما كانت الظروف.
العاصفة مستمرّة: تحدّيات قائمة ومتزايدة في غزّة!
تواجه المنظومة التعليميّة في غزّة تحدّيات غير مسبوقة، تجاوزت حدود الأزمة التقليديّة، إلى تهديد استمراريّة التعليم وجودته، فما تزال التحدّيات قائمة ومنها: استهداف البنية التعليميّة؛ النزوح وانقطاع التعليم؛ الآثار النفسيّة؛ فجوات التعّلم؛ غياب الموارد؛ ضعف في السياسات؛ هشاشة رفاه المعلّمين؛ ضبابيّة القرارات والتعليمات.
بعد ثلاث سنوات من الإبادة التعليميّة: استجابة متواضعة وفجوة متّسِعة في الوصول والشمول.
بعد ثلاث سنوات من الإبادة، ما زالت الاستجابة التعليميّة متواضعة أمام حجم الفجوة المتراكمة، فيما بقي الوصول إلى التعليم وشموليته هشّين، متأثرين بتدمير البنية التعليميّة، واضطراب البيئة الآمنة للتعلّم، وتراجع قدرة المؤسّسات على ضمان استمراريّة التعليم بجودة وعدالة. ويكشف ذلك أنّ التحدّي لم يعد فقط في استعادة ما فُقد، بل في إعادة بناء منظومة أكثر قدرة على الصمود والاستجابة.
كما إنّ الفئات الأكثر هشاشة، ومن بينهم الأطفال ذوو الإعاقة بمختلف تصنيفاتها، والأيتام، والأطفال من الأسر الفقيرة، وكذلك القاطنون في مناطق التماس الأمنيّ، ما زالوا يواجهون تحدّيات تحدّ من فرص وصولهم واندماجهم في التعليم. وترتبط هذه التحدّيات بعوائق في البيئة المادّيّة والمؤسّسيّة، إلى جانب ضغوط أولويّات الحياة التي تؤثّر في قدرة الأسر والمجتمع على ضمان شمولهم التعليميّ.
واقع الاستجابة لتهدئة العاصفة
على الرغم من الاستجابة التعليمّية الطارئة لتهدئة العاصفة، ما زالت تلك الاستجابة متواضعة وهشّة في كثير من الأحيان، فحجم الإبادة أكبر بكثير من منظومة تعليميّة محلّيّة ضعيفة، ومحدودة الموارد والإمكانيّات. وعلى الرغم من أهمّيّة هذه الاستجابة، فإنّها تكشف عن مواطن ضعف بنيويّة تحدّ من قدرتها على الصمود؛ أبرزها تدنّي أجور العاملين في المساحات التعليميّة، وطابع بعض الاستجابات الموسميّ والمرتبط بالمشاريع، وارتهان استمراريّتها للتمويل الخارجيّ. كما إنّ تحوّل بعض المساحات التعليميّة إلى علاقات زبائنيّة يهدّد بإضعاف الرؤية الحقوقيّة إلى التعليم باعتباره حقًّا أساسيًّا ومستدامًا.
ماذا جرى لمواجهة العاصفة؟ استجابة بأشكال مختلفة.. ولكنّها جريئة
ظهرت استجابات تعليميّة متعدّدة، على رغم محدوديّة الإمكانيّات، للحفاظ على استمرار التعلّم، من أبرزها: التعليم في مراكز الإيواء، والتعليم عن بُعد والتعليم المرن، وبرامج الدعم النفسيّ والاجتماعيّ، إضافة إلى جهود المعلّمين والمتطوّعين، وأولياء الأمور، والمبادرات المجتمعيّة، والتعليم الشعبيّ.
ما الذي يجب أن يتغيّر في الطقس المؤسّسيّ للمنظومة التعليميّة في فلسطين؟
مواجهة الإبادة التعليميّة لا تتطلّب فقط تعزيز الاستجابات الطارئة، بل تستدعي تغييرًا مؤسّسيًّا أعمق، يعيد بناء منظومة التعليم على أسس أكثر صمودًا وعدالة واستدامة، وذلك بالآتي:
• وضع استراتيجيّة وطنيّة للتعافي التعليميّ تتجاوز الحلول المؤقّتة.
• تعزيز قيادة التعليم، وتنسيق الجهود بين المؤسّسات الحكوميّة، والمنظّمات المحليّة والدوليّة.
• تحسين أوضاع العاملين في التعليم عبر توفير أجور عادلة، ودعم مهنيّ ونفسيّ مستمرّ.
• بناء نموذج تعليميّ مرن قادر على العمل في ظروف الطوارئ.
• ضمان التعليم الشامل والعادل عبر إزالة العوائق أمام الأطفال الأكثر هشاشة.
• الانتقال من التمويل القائم على المشاريع إلى تمويل مستدام.
• تعزيز جودة التعليم، ومعالجة الفاقد التعليميّ بخطط تعويضيّة ودعم أكاديميّ ونفسيّ.
• إعادة تعريف دور المجتمع في التعليم.
ما الذي يجب أن يتغيّر؟ نحو تحوّل مؤسّسيّ في المنظومة التعليميّة
يتطلّب الخروج من الأزمة مراجعة شاملة للمستوى الفنيّ والإجرائيّ في التعليم، تشمل:
• تطوير المناهج وأساليب التدريس والتقييم، بما يتناسب مع الواقع المتغيّر واحتياجات الطلبة.
• إعادة تعريف فلسفة التعليم وأولويّاته، من التركيز على استمراريّة الخدمة فقط، إلى بناء إنسان قادر على التفكير والتكيّف والابتكار في ظلّ الأزمات.
• بناء نظام وطنيّ متكامل للمعلومات والبيانات التعليميّة، يعتمد على جمع البيانات وتحليلها وتحديثها بشكل مستمرّ حول أعداد الطلبة، والفاقد التعليميّ، واحتياجات المدارس.
• تحديث السياسات والقرارات التعليميّة والانتقال من عقليّة تعليم اليوم بدل الاعتماد على نماذج الأمس.
• تعزيز دور الجهات الإشرافيّة المتنوّعة وتطوير آليّات الحوكمة والمتابعة.
• تحقيق العدالة في توزيع الموارد التعليميّة وضمان وصولها إلى الفئات والمناطق الأكثر احتياجًا.
• مأسسة التعليم الشعبيّ، والمبادرات المجتمعيّة ضمن إطار داعم للمنظومة الرسميّة.
• توسيع الشراكات المجتمعيّة باعتبار التعليم مسؤوليّة مشتركة بين مختلف الفاعلين.
• إعادة النظر في مخرجات الجامعات باعتبارها مدخلات أساسيّة للمنظومة التعليميّة.
• بناء نظام وطنيّ لرصد المخاطر التعليميّة والاستجابة المبكرة، يعتمد على البيانات والمؤشّرات لاتّخاذ قرارات قبل تفاقم الأزمات.
• إلغاء الاتّصالات الهرميّة والتوجّه نحو الاتّصال الأفقيّ.
• منح الميدان بقياداته التعليميّة فرص صناعة القرار وليس احتكاره من الإدارات العليا.
بين طقس متقلّب وعاصفة مدمّرة.. من أين نبدأ الآن؟
ما بين طقسٍ مؤسّسيّ متقلّب، وعواصف مدمّرة تعصف بالعمليّة التعليميّة، لم يعد السؤال: كيف نُبقي التعليم قائمًا فقط في غزّة؟ بل السؤال: كيف نمنع تكرار الانهيار أصلًا. فمواجهة الواقع الطارئ ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، لكنّها وحدها لا تكفي لصناعة مستقبل تعليميّ مستقرّ.
ما يجب البدء به فورًا هو الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل المؤسّسيّ الواعي؛ من إدارة الأزمات إلى بناء نظام قادر على التنبؤ والاستعداد والتكيّف. يبدأ ذلك من إعادة ترتيب الأولويّات على المستوى الوطنيّ، وتوحيد الجهود والقرارات التعليميّة، وتبنّي سياسات عادلة في توزيع الموارد، وصولًا إلى تمكين المعلّم، وإعادة الاعتبار له بوصفه حجر الأساس في أيّ إصلاح.
التحدّي اليوم لا يكمن فقط في مواجهة العاصفة، بل في تغيير الطقس الذي يسمح لها بالعودة كلّ مرّة. فإمّا أن نكتفي بترميم ما تهدّمه الأزمات، أو نبدأ فعليًّا ببناء منظومة تعليميّة قادرة على الصمود قبل أن تهبّ العاصفة التالية.



