جمانة خروفة حزبون- مستشارة ومحاضرة تربويّة - فلسطين
جمانة خروفة حزبون- مستشارة ومحاضرة تربويّة - فلسطين
Thu, 25 Jun 2026 - 14:13

ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتك إلى التعليم؟

عمليّة التعلّم والتعليم في عدد كبير من دول العالم العربيّ كانت تعاني الكثير، قبل مرورها بالحروب والأزمات الكثيرة. الأمر الذي زاد الموضع خطورةً بعدها، فالإشكاليّات التربويّة والأكاديميّة تفاقمت وزادت حدّتها، مع ما خلقته هذه الحروب والأزمات من معضلات تربويّة. 

اليوم نحن بحاجة إلى وقفة جدّيّة تتكامل فيها الجهود من مختلف الجهات ذات الصلة؛ لإعادة تقييم العمليّة التعلّميّة التربويّة من حيث غاياتها الكبرى وأهدافها التربويّة التعليميّة، والمواطن التي تحتاج إلى تعديل فيها وفق أولويّاتها.  

نحتاج إلى إعادة النظر بمناهجنا وتعديلها، بما يتوافق مع الآثار التي تركتها هذه الأزمات على الطلبة، من حيث حاجاتهم المعرفيّة والذهنيّة والاجتماعيّة والانفعاليّة. نحتاج إلى أن تعمل هذه المناهج، في مختلف المراحل التعليميّة، على إعادة ترميم الجوانب الشخصيّة المختلفة للطلبة، وبناء معرفتهم العلميّة بالشكل المناسب؛ بحيث تكوّن معرفة ذات معنى قابلة للتطبيق وظيفيًّا بالحياة اليوميّة، فنساند الطلبة في تعلّمهم كأفراد منتجين فاعلين بتعلّمهم.

 

للأسف الشديد نحن اليوم نرى انتقال الطالبة/ الطالب من صفّ لآخر، ومن مرحلة تعليميّة لأخرى، كمجرّد فعل زمنيّ، وليس نتيجة لمروره بمختلف أشكال التعلّم والتعليم اللازمة، لتحقيق المعرفة المطلوبة. نحتاج إلى إعادة النظر بالمناهج، حتّى لا تصبح الدرجات العلميّة التي يحملها الفرد عبارة عن حبر على ورق، يتجلّى ضعفها، وعدم جدواها بالحياة العمليّة لاحقًا.
يلي ذلك العمل على النهوض بأساليب التعلّم والتعليم المتّبعة بكلّ مرحلة عمريّة، بما يتناسب مع الخصائص النمائيّة للطلبة بكلّ مرحلّة وآلية تعلّمهم خلالها.

ومن أبرز الأساليب إعادة التعلّم إلى شكله الممارس بمرور المتعلّمين بالخبرات الفعليّة التطبيقيّة، بتوظيف الموادّ التربويّة المتنوّعة، وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا بالتعليم التي أصبحت هوسًا يطاردنا، نتيجة للأزمات التي مرّرنا فيها، فتوظيفها يجب أن يتمّ بما يتناسب مع طبيعة التعلّم وآليّاته بكلّ مرحلة، ووفق معايير وشروط محدّدة ومدروسة، تجعل الطالب متعلّمًا نشطًا وليس متلقّيًا آليًّا لها. 
كما نحتاج إلى إعادة ترميم واقع البيئة التعلّميّة بالمدارس من حيث تحدّياتها وحاجاتها الملحّة، حتّى تتناسب مع المناهج المطروحة، وأساليب تطبيقها.  ومن القضايا المحوريّة الأخرى التي تحتاج إلى تقويم، تأهيل المربّيين معرفيًّا وتربويّة، بخاصّة الخريجون الجُدد، وما يحتاجون إليه من تدريب خلال الخدمة، إلى جانب منحهم كامل حقوقهم لكي يؤدّوا واجباتهم على أكمل وجه. والجدير بالذكر أنّ لكلّ دولة خصوصيّتها وحاجاتها بكلّ بُعد من الأبعاد السابقة الذكر، نتيجةً للأزمات التي مرّت فيها.  

 

ما الذي تتمنّين لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ لماذا؟

من أبرز التحدّيات التي يعانيها قطاع التعليم في عدد من الدول العربيّة، وعلى وجه التحديد في فلسطين: أنّ المربّين لا يستوفون أبسط حقوقهم المشروعة والتي من أهمّها الحصول على الرواتب الشهريّة في وقتها، وأن تتناسب هذه الرواتب مع الدرجة العلميّة، وعدد سنوات الخبرة.

وكذلك عدم الحصول على التدريب والتمكين المهنيّ خلال الخدمة، والتقويم العادل للأداء بتوظيف آليّات مضبوطة لذلك (الإشراف التربويّ المناسب)، وما يترتب عليه من ترقيّة، أو مكافآت معنويّة ومادّيّة متناسبة مع الجهود والمبادرات الفرديّة والجماعيّة، أو تقديم خطّة علاجيّة للتطوير المهنيّ للمربّي بناءً عليه، إلى جانب عدم توفّر ظروف بيئة عمل مناسبة داخل المدارس ...إلخ.  

كلّ ذلك ينعكس بشكل سلبيّ على مكانة مهنّة التعليم بالمجتمع،  وحصولها على الاحترام والتقدير اللازم على مستوى القطاع التعليميّ والمجتمع ككلّ. إلى جانب كلّ ما سبق، تعاني برامج إعداد المربّيين في معظم الجامعات والكلّيّات، ضعفًا يتمثّل بالتركيز على الجانب النظريّ فيها، وقلّة المساقات العمليّة التي تسهم في رفع كفاءة الطلبة (مربِّيات/ مربّي المستقبل) المهنيّة والتطبيقيّة داخل البيئة التعليميّة. كما إنّ عددًا كبيرًا من المساقات التربويّة في هذه البرامج، تُسند إلى محاضرين ليسوا ذوي اختصاص فيها، مما يزيد من الأثر السلبيّ في الطلبة. 

هنا تقع مسؤوليّة كبيرة على صنّاع القرار، لاتّخاذ الإجراءات اللازمة على مختلف المستويات للنهوض بواقع المربّين في القطاع التعليميّ، الذي يترتّب عليه لاحقًا النهوض بالنظام التعليميّ ككلّ في الدولة. 


هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟

نعم، فالكتاب هو المصدر الأساسيّ للتعلّم في مختلف المساقات الجامعيّة التي أقوم بتدريسها. حيث يتّخذ هذا الكتاب أشكالًا مختلفة ومتنوّعة على مستوى التعليم الجامعيّ، مثل المحتوى النظريّ للمساق الذي يتمثّل بمرجع أو أكثر. وكذلك قراءات مساندة متنوّعة مرتبطة بمحتواه، من مراجع مساندة ومن مقالات منشورة بمجلّات محكّمة.
أعتمد في محاضرتي على الأساس النظريّ في بناء أنشطة تفاعليّة يقوم بها الطلبة داخل المحاضرة، وأخرى تُنفّذ في المدارس تحت إشرافي ومتابعتي، فيكون المتعلّم نشطًا في تعلّمه: يتعلّم بالممارسة. فالكتاب يشكّل أحد مكوّنات المنهاج سواء كان على مستوى التعليم المدرسيّ أو الجامعيّ، وتظهر كفاءة المعلّم في قدرته على التخطيط لأنشطة تعلّميّة يمرّ فيها الطلبة لاكتساب المعرفة النظريّة، بحيث تكون معرفة ذات معنى وقابلة للنقل من سياق إلى آخر. 


هل سبق وفكّرتِ بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلك تبقى؟

نعم، تواجهنا هذه الرغبة أحيانًا عندما نعمل في ظروف عمل لا تتفّق مع قناعاتنا التربويّة. وعندما نشعر بفرض قيود علينا، تحول دون تقديمنا كلّ ما نستطيع إلى الطلبة، أو عندما تكون بيئة العمل غير منصفة وغير متلائمة مع متطلّبات دورنا التربويّ. 
من أبرز الأسباب التي جعلتني أبقى شغفي بالتعليم، وإيماني بأهمّيّة دوري وقدرتي على التغيير التربويّ،  بالمساهمة الفعّالة بإعداد مربّيات ومربّين، لديهم القدرة على إحداث التطوير في النظام التربويّ ككلّ.
والسبب الأسمى هو المسؤولية التربويّة والضمير المهنيّ، الذي يحتّم علينا البقاء والمواجهة ومحاولة تقريب وجهات النظر،  وخلق التغيير نحو الأفضل قدر المستطاع. 


ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟

من وجهة نظري الشخصيّة، الذكاء الاصطناعيّ يُمثّل تحدّيًا كبيرًا، وفي كثير من الأحيان يصبح معيقًا للتعلّم، خصوصًا في المراحل العمريّة الدنيا، إذا لم يُوظّف وفق أسس ومعايير متّفق عليها تربويًّا وعالميًّا؛ حيث تؤكّد نتائج الأبحاث التربويّة مؤخّرًا أنّ آثاره السلبيّة في تطوّر الفرد وتعلّمه تفوق بكثير آثاره الإيجابيّة.  لهذا أعتقد أنّنا بحاجة ماسّة إلى التركيز على مهارات التعلّم النشط التفاعليّ، محورًا للعمليّة التعلّميّة في العصر الحاليّ. ويكون ذلك بتدريب المربّيات/ المربّين على آليّة التخطيط المنهجيّ للخبرات والأنشطة التعليميّة التعلّميّة. 
يلي ذلك تدريبهم على مهارات اختيار البرامج الإلكترونيّة المناسبة بديلًا من التعلّم النشط، في حال تعذّر تطبيقه، أو في الحالات التي توفّر فيها برامج الذكاء الاصطناعيّ خبرة أعمق وأوضح للطلبة بما يتناسب ومرحلتهم العمريّة، ومتطلّباتها النمائيّة والتربويّة. مع التركيز الأكبر على اعتمادها جزءًا مكملًا للخبرات التطبيقيّة التفاعليّة، وليس بديلًا منها.

 

ما أهمّ استراتيجيّاتك في شدّ انتباه المتعلّمين؟

من أهمّ استراتيجيّات شدّ انتباه المتعلّمين، جعلُ التعلّم ممتعًا ومثيرًا لهم، بما يدفعهم إلى البحث والتحرّي للحصول على المعرفة. وهذا النوع من التعلّم يتطلّب تدريبًا مسبقًا للمربّيات والمربّين، كما يتطلّب تدريب الطلبة على مهارات التعلّم النشط والتعلّم الذاتي؛ أي كيف يكون الطالب باحثًا ومتعلّمًا مستمرًا. وهذا أمر في غاية الصعوبة؛ لأنّ تحويل محتوى المنهاج من مادّة علميّة نظريّة إلى خبرات تفاعليّة يتطلّب توفّر مهارات وكفاءات مهنيّة عليا لدى المربّي. فمتى أخذ التعلّم هذا الشكل، يتحقّق شدّ انتباه الطلبة تلقائيًّا.

إلى جانب ذلك، تحتاج المربّيات/ المربّين إلى توظيف استراتيجيّات التعلّم التعاونيّ، والتعلّم في مجموعات صغيرة، والتعلّم الفرديّ، وغيرها، مع مراعاة مبدأ الفروق الفرديّة في كلّ منها، وتكافؤ الفرص لجميع الطلبة في التعلّم على اختلاف قدراتهم وإمكاناتهم، والتنوّع في أساليب وأشكال الخبرات التعلّميّة؛ الأمر الذي يخلق دائمًا الشغف لدى الطلبة، ويكسر الرتابة والروتين المُحبِطَين لهم.

 

هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟

بالنسبة إليّ، أرى دائمًا أنّ مصطلح "إدارة التعلّم الفعّالة" مصطلح أنسب من تعبير "ضبط الصفّ"، وذلك لسببين: الأوّل أنّ كفاءة المربيّة/ المربّي بإدارة التعلّم تُحقّق مبدأ الانضباط فيه. والوقت ذاته، يوحي مصطلح "ضبط الصفّ" بنوع من فرض السلطة والسيادة من قبل المربّي على الطلبة، وهذا يتنافى مع مبدأ تربويّ هامّ يتمثّل بأهمّيّة امتلاك المتعلّم مهارات ضبط الذات خلال عمليّة التعلّم. هذه المهارة التي نسعى لتحقيقها عند الطالب بخلق بيئة تعلّمية مناسبة، وببناء نظام من القوانين السلوكيّة والتربويّة مع الطلبة من بداية العام الدراسيّ. الأمر الذي يسهم بتنظيم هذه العمليّة، وإدارة السلوك وتعديله إذا لزم الأمر، ما يحقّق تحقيق إدارة فعّالة للتعلّم فيها.
أمّا السبب الثاني فيتمثّل بكون التعلّم لا يحدث فقط داخل حجرة الصفّ، وإنّما قد يحدث في أماكن متنوّعة داخل المدرسة أو خارجها، مثل الفعاليات والخبرات الميدانيّة، أو خبرات التعلّم عن بُعد وغيرها. لذا استخدام مصطلح "إدارة التعلّم الفعّالة" يبقى أنسب تربويًّا من مصطلح "ضبط الصفّ".


ما الذي يجعلك تضحك في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ لماذا؟

من أكثر الأمور التي تفرحني في المحاضرات الجامعيّة، النقاشات التي تأخذ طابع إثارة الأسئلة والعصف الذهنيّ حول المحتوى المطروح، وما يتضمّنه من أمثلة تطبيقيّة. هذا الجوّ التعلّميّ الذي قد يأخذ شكل مجموعة كلّيّة أو مجموعات صغيرة أو غيرها، يخلق جوًّا من الألفة مع الاحترام. وهنا تُطرح أحيانًا أفكار أو أمثلة أو خبرات من الطفولة قد تكون مضحكة ولطيفة، وتخلق جوًّا من الأمان لتبادل الخبرات والتأمّلات الذاتيّة.

 

 أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأته في صفحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟ 

من المقالات الهامّة والتطبيقيّة التي استذكرتها في سياق الإجابة على الأسئلة السابقة، مقال تربويّ بعنوان "إيقاف وقت استخدام الشاشات للعب والتواصل ورعاية نموّ طفلك الرضيع"، وذلك لأنّه يطرح موضوعًا في غاية الأهمّيّة، ويترك أثرًا كبيرًا في تطوّر ونموّ الطفل؛ إذ يؤكّد على أنّ استخدام الأجهزة الذكيّة وتعرّض الطفل إلى الشاشات بمختلف أشكالها، ولا سيّما في السنوات الأولى من عمره، أمرٌ في غاية الخطورة على نموّه وتعلّمه. يعالج المقال هذه المعضلة التربويّة، ويحاول تقديم بدائل لاستخدام الشاشات المكثّف في حياة أطفالنا، الأمر الذي يتطلّب إعطاء الوقت والجهد من مقدّمي الرعاية لتطوير أنشطة بديلة تُنفّذ مع الطفل.


 إذا كتبت يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ لماذا؟ 

على الأغلب سيكون بعنوان "كيف نجعل التعلّم ممتعًا للطلبة والمربّين"، لأنّني أعتقد أنّنا في العصر الحاليّ، ومع كلّ التحدّيات التي تواجه عمليّة التربية والتعليم، بخاصّة في معظم الدول العربيّة، فقد طلبتنا الشغف بالتعلّم والرغبة فيه، كما فقد المربّي الدافعيّة الداخليّة إليه، وكلّ أشكال الإبداع والابتكار فيه.
جعل التعلّم ممتعًا، أمر ينسجم مع كلّ التوجهات الحديثة للنهوض بعمليّة التعلّم والتعليم، كما أشرت في إجابات الأسئلة السابقة. عندها يكون الطالب متعلّمًا نشطًا وباحثًا مستكشفًا، يكتسب المعرفة ذاتيًّا، بالمرور في خبرات تفاعليّة تطبيقيّة، يكون هو مركزها والمربّي مساندًا له خلال هذه العمليّة.