العدل والمساواة التربويّة: هل يكفي أن يتقدّم الجميع للامتحان نفسه؟
العدل والمساواة التربويّة: هل يكفي أن يتقدّم الجميع للامتحان نفسه؟
Tue, 23 Jun 2026 - 13:06
أسماء رمضان مصطفى | مُعلّمة لُغة إنجليزيّة- فلسطين

أعلنت وزارة التربية والتعليم الفلسطينيّة أنّ نحو 37,698 طالبًا وطالبة من قطاع غزّة، سيتقدّمون إلى امتحانات الثانويّة العامّة للعام الحاليّ، إضافة إلى 1,941 طالبًا من أبناء القطاع الموجودين خارج فلسطين؛ من بينهم 1,559 طالبًا في جمهوريّة مصر العربيّة. وذلك في ظلّ ظروف استثنائيّة فرضتها تداعيات الحرب المستمرّة على قطاع غزّة (وزارة التربية والتعليم الفلسطينيّة، 2026).

ويأتي انعقاد الامتحانات هذا العام كما سابقه، في ظلّ ظروف استثنائيّة فرضتها الحرب المستمرّة، وما خلّفته من دمار واسع طال مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك قطاع التعليم. علاوة على ذلك، لم يبدأ الفاقد التعليميّ لدى طلبة الثانويّة العامّة في غزّة مع الحرب الأخيرة فقط، بل تراكم عبر سنوات متتالية من الاضطراب التعليميّ؛ إذ حُرم الطلبة من التعليم الوجاهيّ المنتظم لمدّة ثلاثة أعوام متتالية، سبقتها فترة عامين خلال جائحة كورونا شهدت بدورها انقطاعًا واسعًا عن التعليم الحضوريّ، ما أدّى إلى فجوات معرفيّة ومهاريّة عميقة أثّرت في مسيرتهم التعليميّة واستعدادهم للمرحلة الثانويّة العامّة.

قد تبدو هذه الأرقام للوهلة الأولى مؤشّرًا إلى نجاح النظام التعليميّ الفلسطينيّ، في الحفاظ على استمراريّة العمليّة التعليميّة على رغم التحدّيات الهائلة التي تواجه طلبة غزّة. كما قد يرى البعض أنّ جلوس جميع الطلبة الفلسطينيّين لامتحان الثانويّة العامّة نفسه يمثّل صورة من صور المساواة التعليميّة، حيث يخضع الجميع للامتحان ذاته، ويحصلون على الشهادة نفسها وفق المعايير الرسميّة نفسها. 
وفي الوقت الذي واصل آلاف الطلبة في المحافظات الأخرى تعليمهم ضمن بيئات مدرسيّة مستقرّة نسبيًّا، واجه طلبة غزّة ظروفًا تعليميّة استثنائيّة اتّسمت بتدمير المدارس، والنزوح المتكرّر، والانقطاع الطويل عن التعليم، إلى جانب أعباء نفسيّة واجتماعيّة عميقة أثّرت في قدرتهم على التعلّم والاستعداد الأكاديميّ  .(UNICEF, 2024)

غير أنّ التأمّل العميق في واقع تجربة طلبة غزّة يقودنا إلى سؤال أكثر أهمّية: هل تعني المساواة في انعقاد الامتحان لطلبة الوطن، في الوقت ذاته، تحقيق العدالة التربويّة؟
في الأدبيّات التربويّة الحديثة، يُفرَّق بين مفهومي المساواة والعدل أو الإنصاف التربويّ. تُعرَف المساواة التربويّة (Educational Equality) بأنّها توفير الفرص والموارد التعليميّة نفسها لجميع المتعلّمين بغضّ النظر عن خلفيّاتهم الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة أو الجغرافيّة، بحيث يُعامل جميع الطلبة وفق المعايير والإجراءات ذاتها داخل النظام التعليميّ (OECD, 2018).

إلّا أنّ جون رولز يميّز بين المساواة الشكليّة وتكافؤ الفرص الحقيقيّ، حيث يرى أنّ العدالة لا تتحقّق بمجرّد تطبيق قواعد موحّدة على الجميع، بل تتطلّب مراعاة الفوارق في الظروف التي ينطلق منها الأفراد. ففي كتابه "نظريّة في العدالة" (Theory of Justice)، يوضّح رولز أنّ النظام العادل هو الذي يضمّن تكافؤ الفرص الحقيقيّة، وليس فقط تكافؤ الفرص الشكليّة، وأنّه قد يكون من الضروريّ تقديم دعم أو معاملة مختلفة للفئات الأكثر تضرّرًا لضمان وصولهم إلى فرص عادلة .(Rawls, 1971) 

ويتكامل هذا التصوّر مع مدخل القدرات الذي طوّرته الفيلسوفة المعاصرة مارثا نوسباوم، والذي ينظر إلى العدالة من زاوية أعمق من مجرّد توفير الموارد أو تطبيق الإجراءات نفسها على الجميع. 
وفقًا لنوسباوم، لا يكفي أن يحصل الأفراد على الفرص بشكل شكليّ، بل يجب النظر إلى قدرتهم الفعليّة على تحويل هذه الفرص إلى إمكانات حقيقيّة تمكّنهم من تحقيق حياة كريمة، وتطوير قدراتهم الإنسانيّة.(Nussbaum, 2011) 
وفي سياق غزّة التعليميّ، يعني ذلك أنّ تقديم الامتحان نفسه لجميع الطلبة في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة، وفقًا للمعايير نفسها، لا يضمن بالضرورة عدالة النتائج أو تكافؤ الفرص، ما لم يمتلك الطلبة الظروف والقدرات الفعليّة التي تمكّنهم من الاستعداد والتعلّم والاستفادة من هذه الفرصة. ومن هذا المنطلق، لا يواجه طلبة غزّة تحدّي الوصول إلى الامتحان وحده، بل يواجهون تفاوتًا عميقًا في القدرة على الاستعداد له نتيجة سنوات من الفاقد التعليميّ، والآثار النفسيّة والاجتماعيّة الناتجة عن التعرّض المستمرّ إلى العنف والنزوح، كالخوف والقلق، وأعراض الصدمة، وفقدان الشعور بالأمان. بالإضافة إلى فقدان الطلبة بيئات التعلّم المستقرّة؛ الأمر الذي يجعل العدالة التربويّة مرتبطة بتوفير الشروط التي تعيد بناء قدرة الطلبة على التعلّم، وليس الاكتفاء بتوحيد المتطلبات الأكاديميّة .(UNICEF, 2024) 

في ضوء ذلك، تكشف تجربة طلبة الثانويّة العامّة في غزّة للعام الثالث على التوالي، عن إشكاليّات جوهريّة تتعلّق بالعدالة التربويّة وتكافؤ الفرص. فعلى الرغم من خضوع جميع الطلبة في داخل غزّة وخارجها للامتحان نفسه، فإنّ اختلاف الظروف التعليميّة والمعيشيّة التي سبقت الامتحان يجعل الحديث عن تكافؤ الفرص أكثر تعقيدًا. فقد واجه طلبة غزّة سنوات متراكمة من الفاقد التعليميّ نتيجة جائحة كورونا والحرب، وما رافقهما من انقطاع عن التعليم، ونزوح متكرّر، وتدمير للمدارس، فضلًا عن الآثار النفسيّة والاجتماعيّة التي أثّرت في قدرتهم على التعلّم، والاستعداد الأكاديميّ.

وفي إطار البحث عن حلول عمليّة تعزّز العدالة التربويّة، أقترح على وزارة التربية والتعليم الفلسطينيّة تبنّي خطّة خاصّة بطلبة غزّة تنطلق من مسؤوليّتها التربويّة والإنسانيّة تجاههم. ويمكن أن تشمل هذه الخطّة إنشاء مراكز تعليميّة منظّمة تشرف عليها الوزارة بشكل مباشر، وتوفير معلّمين أكفاء لتدريس المباحث الأساسيّة طوال العام الدراسيّ، مع تقديم حوافز ماليّة مناسبة للمعلّمين المبادرين والعاملين في هذه البرامج. 
كما يتطلّب الأمر توفير بيئات آمنة ومجهّزة لعقد الامتحانات، تتوافر فيها مستلزمات الطلبة الأساسيّة من أوراق وأقلام وخدمات إنترنت مستقرّة وعالية الجودة بالتعاون مع شركة الاتّصالات الفلسطينيّة، إلى جانب إعادة تفعيل لجان التصحيح والإشراف التربويّ بما يضمن نزاهة العمليّة التعليميّة وجودتها.
ونظرًا إلى الظروف الاستثنائيّة التي يعيشها القطاع، قد تقتضي العدالة التربويّة أيضًا تخصيص ترتيبات زمنيّة أكثر مرونة لطلبة غزّة عند التقدّم إلى الامتحانات، بما يراعي واقعهم الإنسانيّ والتعليميّ، ويمنحهم فرصة أكثر إنصافًا لإظهار قدراتهم الحقيقيّة.

***
أعتقد أنّه لا يكفي تطبيق المعايير والإجراءات نفسها على جميع الطلبة لتحقيق العدالة، بل تنبغي مراعاة الفوارق في الظروف والفرص المتاحة لهم. أمّا السؤال الحقيقيّ الذي ينبغي أن نطرحه، فهو ليس: هل تقدّم الجميع للامتحان نفسه؟ بل: هل أتيحت للجميع الفرصة نفسها للتعلّم والاستعداد وتحقيق أحلامهم؟
فبين المساواة الشكليّة والعدل التربويّ مسافة كبيرة، وهذه المسافة تظهر بوضوح في واقع طلبة غزّة الذين يخوضون امتحاناتهم اليوم، حاملين على أكتافهم أعباء حرب كاملة، بينما يحملون في الوقت ذاته أملًا لا يزال يقاوم من أجل مستقبل أفضل.


المراجع:
وزارة التربية والتعليم الفلسطينيّة. (2026). إحصاءات طلبة الثانويّة العامّة الفلسطينيين للعام الدراسيّ 2025/2026. رام الله: وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينيّة.
UNICEF. (2024). Education under attack in Gaza: The impact of the conflict on children’s right to education. United Nations Children’s Fund.
Organisation for Economic Co-operation and Development. (2018). Equity in Education: Breaking Down Barriers to Social Mobility. Paris: OECD Publishing.
Rawls, J. (1971). A Theory of Justice. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Nussbaum, M. C. (2011). Creating Capabilities: The Human Development Approach. Cambridge, MA: Harvard University Press.
UNICEF. (2024). The State of Palestine: Humanitarian Situation Reports. United Nations Children’s Fund.