منال تميم - معلّمة - قطر/ لبنان
منال تميم - معلّمة - قطر/ لبنان
Thu, 11 Jun 2026 - 13:44

ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتك إلى التعليم؟

غيّرت الحروب والأزمات المختلفة في العالم العربيّ نظرتي إلى التعليم من جذورها. ولم يكن هذا التحوّل نظريًّا فقط، بل نابعًا من تجربة شخصيّة عشتها منذ صغري؛ إذ عرفتُ الحرب عن قرب، وأعرف تمامًا ماذا يعني الخوف والفقد، وعدم اليقين في سنوات الطفولة الأولى. لذلك لم يعد التعليم بالنسبة إليّ مجرّد مهنة أمارسها كلّ صباح، ولا مسارًا أكاديميًّا نقيسه بالدرجات والنتائج، بل صار فعلًا إنسانيًّا أعيشه يوميًّا مع الأطفال، وأشعر بثقله ومسؤوليّته في كلّ لحظة.
في الصفّ، أرى في عيون المتعلّمين أسئلة لا تُطرح دائمًا بالكلمات: عن الخوف والفقد واللا يقين، وعن معنى أن يكبر الإنسان في عالمٍ مضطرب. هنا أدركت أنّ دوري لا يقتصر على شرح الدروس، بل أن أكون مساحة أمان، وصوت طمأنينة، وشريكة في الفهم والبحث عن المعنى.

تعلّمتُ من الأزمات أنّ المعرفة وحدها لا تحمي الأطفال، وأنّ القيم هي ما يحفظ إنسانيّتهم: أن يتعلّموا كيف يُصغون، وكيف يختلفون من دون عنف، وكيف يرون الآخر بوصفه إنسانًا لا تهديدًا. صرتُ أكثر حرصًا على تعليمهم التفكير النقديّ والحوار والتعاطف، لأنّي أؤمن أنّ هذه المهارات هي ما يمنع إعادة إنتاج الأزمات نفسها في المستقبل.
لم يعد هدفي الأوّل أن أُنجز المنهج في موعده، بل أن أُنجز الإنسان في داخله. أن أساعد المتعلّم على أن يفهم نفسه قبل أن يحفظ الدرس، وأن يثق بقدرته على التغيير مهما كان الواقع قاسيًا. هكذا أصبحت التربية بالنسبة إليّ رسالة حياة، وبناءً يوميًّا للأمل، في وجه عالمٍ يختبر إنسانيّتنا كلّ يوم.

 

ما الذي تتمنّين لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ لماذا؟

أتمنّى لو يعرف صنّاع القرار أنّ المعلّم اليوم لا يحمل المنهج فقط، بل يحمل معه أعباءً نفسيّة وإنسانيّة وتربويّة، تفوق ما يظهر في الخطط والوثائق الرسميّة.
أتمنّى لو يرون المعلّم لا بوصفه منفّذًا للسياسات، بل شريكًا حقيقيًّا في صناعة المستقبل، يعيش يوميًّا تفاصيل الصفّ، ويختبر أثر كلّ قرار في وجوه الأطفال قبل أن يظهر في التقارير. أتمنّى لو يعرفون أنّ المعلّم يعمل في مساحة مليئة بالتناقضات: بين متطلّبات المناهج، وضغوط التقييم، واحتياجات الطلبة المتنوّعة، وتوقّعات الأهالي، وفي كثير من الأحيان من دون دعمٍ كافٍ أو صوتٍ مسموع في دوائر القرار.
نحن لا نطلب امتيازات، بقدر ما نطلب ثقة، ومساحة للحوار، واعترافًا بأنّ جودة التعليم تبدأ من كرامة المعلّم واستقراره المهنيّ والنفسيّ. وأتمنّى، قبل كلّ شيء، أن يدرك صنّاع القرار أنّ أيّ إصلاح تعليميّ لا يُبنى مع المعلّمين محكوم عليه بالفشل. فالمعلّم هو من يترجم الرؤى إلى واقع، وهو من يرى أثر السياسات في الطفل الحقيقيّ، لا في النموذج النظريّ. لذلك، حين يُنصَت إلى صوت المعلّم، يصبح الإصلاح ممكنًا، ويغدو التعليم فعلًا جماعيًّا لا قرارًا أحاديًّا.

 

هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟

  لا، لم يعد الكتاب المدرسيّ في صفّي المصدر الأساسيّ للتعليم، وإن كان ما زال موردًا من موارد كثيرة أستعين بها في تخطيط التعلّم. في فلسفة البكالوريا الدوليّة، ينطلق التعلّم من الفكرة المركزيّة، والمفاهيم الكبرى، وأسئلة الاستقصاء، لا من تسلسل صفحات الكتاب. لذلك أتعامل مع الكتاب بوصفه أداة داعمة، لا إطارًا مُلزِمًا يحدّ تفكيري أو يقيّد مسار التعلّم.
في برنامج السنوات الابتدائيّة PYP نُصمّم التعلّم حول الاستقصاء القائم على المفاهيم، حيث يقود المتعلّم أسئلته، ونبني الفهم عبر التفاعل، والبحث، وربط التخصّصات، لا عبر تلقّي محتوى جاهز. هذا يعني أنّ مصادر التعلّم في صفّي متنوّعة: نصوص أصيلة، مصادر رقميّة، تجارب عمليّة، زيارات ميدانيّة، ومشاريع أدائيّة تُترجم الفهم إلى فعل.
دور المعلّم هنا ليس نقل المعرفة من الكتاب إلى الدفتر، بل تسهيل التعلّم، وبناء بيئة تسمح بالتساؤل، والتجريب، والتأمّل، وفق مبادئ التعلّم البنائيّ، وملامح المتعلّم في IB مثل التفكير، والانفتاح الذهنيّ، وتحمل المسؤوليّة. في هذا الفضاء، لا شيء يحدّ المعلّم: لا الكتاب، ولا الخطّة الجامدة، بل تحكمنا فقط نيّة التعلّم، وعمق الفكرة، وحاجات المتعلّمين.

 

هل سبق وفكّرتِ بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلك تبقى؟

لا، لم أفكّر يومًا بالاستقالة من المهنة، ليس لأنّ الطريق سهل، بل لأنّني ببساطة لا أرى نفسي خارج التعليم. أنا متيّمة بهذا العمل، وأشعر أنّه جزء من هويّتي قبل أن يكون وظيفة. ولو عاد الزمن إلى الوراء، لاخترت أن أكون مُعلّمة من جديد، وبالذات في قسم اللغة العربيّة، لأنّ علاقتي باللغة ليست علاقة مادّة  تُدرَّس، بل علاقة روح ومعنى وانتماء. ما يجعلني أبقى هو إيماني العميق بأنّ مهنة التعليم موهبة قبل أن تكون مهارة؛ موهبة نولد ببذرتها، ثم نطوّرها ونُمكّنها بالتعلّم والتجربة والتأمّل.
في الصفّ أشعر أنّني أضع هذه الموهبة في مكانها الصحيح: أفتح للمتعلّمين بابًا ليحبّوا اللغة، ويثقوا بها، ويشعروا أنّها جزء من قوّتهم وهويّتهم، لا عبء عليهم. أكثر ما يلامسني لحظة يكتشف فيها طفل قدرته على التعبير: عندما يكتب جملة أجمل ممّا كان يتوقّع، أو يقرأ بثقة بعد تردّد، أو يجد كلمة تصف شعوره بدقّة. هذه اللحظات الصغيرة هي التي تجعلني أعود كلّ يوم وأنا مقتنعة أنّ هذا العمل يستحقّ.
والسبب الأعمق أنّ التعليم يجعلني "متعلّمة مدى الحياة". أنا لا أعلّم فقط، أنا أتعلّم باستمرار: من أسئلة الأطفال، ومن اختلافاتهم، ومن حاجتهم إلى من يراهم ويؤمن بهم. كلّ عام دراسيّ يضيف إليّ طبقة جديدة من الفهم، ويجعلني أراجع طرقي، وأطوّر أدواتي، وأبحث عن معنى أعمق للتعلّم. لذلك أبقى، لأنّ التعليم بالنسبة إليّ ليس مهنة أؤدّيها، بل رسالة أعيشها، ومسار نموّ لا يتوقّف، وفرصة يوميّة لصناعة أثرٍ جميل في حياة إنسان صغير قد يغيّر العالم بطريقته.

ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعي؟
في عصر الذكاء الاصطناعيّ، لم يعد حفظ المعلومات أهمّ مهارة ندرّب المتعلّم عليها، لأنّ الوصول إلى المعرفة بات متاحًا بضغطة زرّ، بل أصبحت الأولويّة هي لبناء إنسان قادر على التفكير والاختيار، والحكم الأخلاقيّ، والتعلّم المستمرّ.
في مقدّمة هذه المهارات يأتي التفكير النقديّ: أن يتعلّم المتعلّم كيف يميّز بين المعلومة الصحيحة والمضلّلة، وكيف يسأل عن المصدر والغاية والتحيّز، لا أن يكتفي باستقبال الإجابات الجاهزة. تلي ذلك مهارة طرح الأسئلة العميقة، لأنّ جودة الأسئلة هي ما يوجّه استخدام الذكاء الاصطناعيّ، ويمنح المتعلّم القدرة على قيادة التعلّم بدل أن يُقاد به. كما تصبح مهارات ما وراء المعرفة أساسيّة: أن يعرف المتعلّم كيف يتعلّم، وكيف يراقب تفكيره، ويقيّم استراتيجيّاته، ويطوّرها. 
في فلسفة البكالوريا الدوليّة، ندرّب المتعلّم على الاستقلاليّة، والتنظيم الذاتيّ، وتحمل المسؤوليّة عن تعلّمه، وهي مهارات تحميه من التبعيّة العمياء للتكنولوجيا، إلى جانب ذلك، تبرز القيم الإنسانيّة بوصفها مهارات لا تقلّ أهمّيّة عن المهارات المعرفيّة: التعاطف والتعاون، والقدرة على الحوار، واحترام التنوّع؛ لأنّ الذكاء الاصطناعيّ مهما بلغ تطوّره لا يمتلك ضميرًا أخلاقيًّا، ولا حسًّا إنسانيًّا. هنا يصبح دور المدرسة أن تُنمّي الحكم الأخلاقيّ، واتّخاذ القرار المسؤول، وفهم أثر أفعالنا في الآخرين وفي العالم.
وأخيرًا، تبقّى مهارة التعلّم مدى الحياة هي الإطار الجامع لكلّ ما سبق: أن نُخرّج متعلّمًا مرنًا وفضوليًّا، قادرًا على التكيّف مع عالم يتغيّر أسرع من أيّ منهج. في هذا العصر، لا نُعدّ المتعلّم لوظيفة محدّدة، بل نُعدّه ليكون إنسانًا قادرًا على التعلّم المستمرّ، والتفكير الواعي، والعمل المسؤول في عالم تقوده التكنولوجيا ويحتاج فيه الإنسان إلى إنسانيّته أكثر من أيّ وقت مضى.

 

ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟

شدّ انتباه المتعلّمين بالنسبة إليّ لا يبدأ بالصوت المرتفع ولا بالأنشطة السريعة، بل يبدأ بالمعنى. أهمّ استراتيجيّة أعتمدها هي أن أجعل المتعلّم يشعر أنّ ما نتعلّمه يخصّه ويهمّه، وله علاقة بحياته وأسئلته وتجربتها. أبدأ غالبًا بسؤال محفّز أو موقف إشكاليّ يوقظ الفضول: صورة، جملة ناقصة، موقف من الواقع، أو تحدٍّ بسيط يدفعهم إلى التفكير قبل أن أقدّم أيّ شرح.
في الاستقصاء القائم على المفاهيم، الفضول \بوابة الانتباه الأولى، لذلك أحرص على أن يكون مدخل التعلّم سؤالًا لا إجابة، أعتمد كثيرًا على استراتيجيّات التفكير المرئيّ مثل  See–Think–Wonder، وI Used to Think… Now I Think، وChalk Ta  لأنها تنقل المتعلّم من التلقّي إلى المشاركة، وتجعل التفكير نفسه حدثًا مرئيًّا داخل الصفّ. حين يرى الطفل فكرته مكتوبة أو مرسومة أمامه، يشعر أنّه جزء من الدرس لا مجرّد متلقٍّ له. كما أحرص على تنويع أنماط التعلّم: عمل فرديّ، نقاش ثنائيّ، مجموعات صغيرة، حركة ولعب أدوار، لأنّ الانتباه لا يُحافَظ عليه بالطريقة نفسها طوال الوقت. 
في PYP، نؤمن بأنّ التعلّم النشط مفتاح التركيز الحقيقيّ. ولا أستطيع أن أفصل شدّ الانتباه عن العلاقة الإنسانيّة. المتعلّم ينتبه حين يشعر أنّ المعلّم يراه ويسمعه، ويقدّر صوته. لذلك أبني انتباهي على الثقة والاحترام، وروح الأمان في الصفّ، لأنّ الطفل الذي يشعر بالأمان هو طفل مستعدّ للانتباه والتعلّم.
باختصار، استراتيجيّتي الأساسيّة هي أن أحوّل الدرس من حدث أقدّمه إلى تجربة نعيشها معًا، حيث يصبح الفضول محرّك الانتباه، ويصبح المتعلّم شريكًا حقيقيًّا في بناء التعلّم.

 

هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟

أتمنّى لو لم نعد نستخدم تعبير "ضبط الصفّ"، بل لو استبدلناه بتعبير "إدارة الصفّ". فالفارق بين الكلمتين ليس لغويًّا فقط، بل فلسفيّ وتربويّ عميق. أنا لا أرى مهمّتي أن أضبط الصفّ بمعنى أن أقمع الأصوات، أو أفرض الصمت، أو أُخضع المتعلّمين للنظام بالقوّة، بل أن أُدير فضاءً حيًّا للتعلّم، يتيح التفكير والحوار والاختلاف، والنموّ في تجربتي، الصفّ الهادئ ليس بالضرورة صفّا ناجحًا. 
أحيانًا يكون الهدوء علامة خوف أو انسحاب أو تعلّم سطحيّ. أمّا الصفّ الناجح فهو صفّ مليء بالحياة: فيه همس المجموعات، ونقاش وتجريب، وحركة منظّمة، وأسئلة تُطرَح من دون تردّد. الضجيج هنا ليس فوضى، بل دليل انخراط، ودليل تعلّم. أركّز كثيرًا على عوالم المجموعات، لأنّ العمل التعاونيّ يعلّم الأطفال كيف يصغون، وكيف يختلفون باحترام، وكيف يبنون الفكرة معًا. 
في هذا السياق، تصبح إدارة الصفّ قائمة على بناء ثقافة، لا فرض قوانين: ثقافة الحوار والمسؤوليّة، والاحترام المتبادل. الأساس في ذلك هو الاتّفاقات الصفّيّة التي نبنيها معًا في بداية العام: لا أفرضها جاهزة، بل نناقشها، نصوغها، ونتّفق عليها عقدًا أخلاقيًّا بيني وبين المتعلّمين. 
هذه الاتّفاقات لا تنظّم السلوك فقط، بل تحمي حرّيّة التعبير، وتضمن أن يكون لكلّ صوت مكان، ضمن إطار من الاحترام والمسؤوليّة. لذلك، حين أفكّر في إدارة الصفّ، أفكّر في كيف أفتح الآفاق لا كيف أُغلقها؟ كيف أُنظّم الحرّيّة لا كيف أُلغِيها؟ وكيف أبني بيئة يتعلّم فيها الطفل أن يضبط نفسه بنفسه، لا أن يُضبَط من الخارج؟ هنا، تصبح إدارة الصفّ أحد أسس نجاح التعلّم الحقيقيّ، لا مجرّد وسيلة للسيطرة على السلوك.

 

ما الذي يجعلك تضحكين في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ لماذا؟

ما يجعلني أضحك في المدرسة على الرغم من الضغوط هو علاقتي اليوميّة مع الطلّاب. في زحمة المهام والتخطيط والتقييم، تبقى وجوههم وأصواتهم هي المساحة التي أستعيد فيها نفسي. أفرح حين يأتون ليخبروني عن تفصيل صغير في حياتهم، عن نجاح حقّقوه، أو خوف تجاوزوه، أو فكرة اكتشفوها فجأة. هذه الأخبار البسيطة هي ما يخفّف ثقل اليوم، ويعيد إلى عملي معناه الأوّل، أضحك حين أراهم يفرحون بإنجازاتهم، مهما كانت صغيرة، لأنّي أعيش هذا الفرح وكأنّه فرحي الشخصيّ.
أشعر أحيانًا أنّ علاقتي بهم تشبه علاقة الأمّ بأطفالها: أراقب خطواتهم الأولى في القراءة، ثمّ ثقتهم وهم يكتبون، ثمّ قدرتهم على التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم. أراهم يكبرون أمام عيني، لا في العمر فقط، بل في النضج والشجاعة والاستقلاليّة. وبما أنّني معهم في تفاصيل حياتهم اليوميّة، فأنا أتابع تغيّرهم، وألاحظ تطوّرهم، وأدرك أنّ هذا النموّ لا يُقاس بالعلامات فقط، بل بالثقة التي يكتسبونها، وباللغة التي يجدونها لأنفسهم، وبالقدرة على أن يكونوا أنفسهم داخل الصفّ؛ لهذا أضحك، لأنّني في كلّ يوم أرى أثر عملي حيًّا في إنسان صغير ينمو. هذا الإحساس هو ما يجعلني أتحمّل الضغوط، ويمنحني طاقة الاستمرار، ويذكّرني أنّ التعليم، في جوهره، علاقة حياة قبل أن يكون مهنة.

 

أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأتهِ في صفحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟ 

من أكثر المقالات التربويّة التي أثّرت بي تلك التي تتناول فكرة أنّ جوهر التعليم ليس في ما نُدرِّسه، بل في من نصنع. المقالات التي تربط بين الممارسة الصفّيّة وبناء الإنسان، لا بين الممارسة الصفّيّة ونتائج الامتحانات فقط، هي التي تترك في داخلي أثرًا طويل المدى.
أعجبني خصوصًا كلّ مقال يطرح سؤالًا صادقًا عن دور المعلّم: هل نحن ناقلو معرفة أم بُنَاة إنسان؟ هذه الكتابات جعلتني أراجع نفسي مرارًا، وأتأمّل في تفاصيل عملي اليوميّ: في الطريقة التي أطرح بها السؤال، وفي المساحة التي أتركها لصوت المتعلّم، وفي نوع القيم التي أبنيها من دون أن أصرّح بها، ما يجذبني في هذه المقالات أنّها لا تقدّم وصفّات جاهزة، بل تفتح مساحات تفكير. 
مقالات تتحدّث عن التعلّم العميق، وعن الاستقصاء القائم على المفاهيم، وعن دور العلاقة الإنسانيّة في التعلّم، وعن أنّ الصفّ ليس مكانًا لنقل المحتوى، بل فضاء لبناء الهويّة والمسؤوليّة، والقدرة على الاختيار.
أعجبني هذا النوع من الكتابة لأنّه يشبهني أنا المعلّمة: لا يبحث عن الحلّ السريع، بل عن المعنى العميق. ولأنّه يذكّرني دائمًا بأنّ أفضل مقال تربويّ هو ذاك الذي لا يجعلني أغيّر خطّة الدرس فقط، بل يجعلني أغيّر نظرتي إلى الطفل، وإلى نفسي، وإلى معنى أن أكون مربّية في زمن متغيّر.

 

إذا كتبتِ يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ لماذا؟

لو كتبتُ يومًا كتابًا عن تجربتي في التعليم، لاخترت له عنوانًا:
"حين يُصبح الصفّ بيتًا"
أختار هذا العنوان لأنّ الصفّ بالنسبة إليّ لم يكن يومًا غرفة دراسيّة فقط، بل كان دائمًا مساحة حياة تشبه البيت: فيها الأمان، والدفء، والاختلاف، والفرح، والتعب، والنموّ البطيء الذي لا يُقاس بالأرقام بل بالعلاقات. في هذا الصفّ، لا أستقبل متعلّمين فقط، بل أستقبل أطفالًا يحمل كلّ واحد منهم عالمه الخاص: مخاوفه، أحلامه، أسئلته، وقصّته الصغيرة التي تتشكّل كلّ يوم.
مع الوقت، يتحوّل الصفّ إلى بيتٍ ثانٍ، أرافق فيه هؤلاء الأطفال في تعلّمهم، وفي تعثّرهم، وفي لحظات اكتشافهم الأولى لأنفسهم وللعالم. أرى في عيونهم بداية اللغة، وبدايات الثقة، وبدايات القدرة على أن يقول الإنسان: “أنا أستطيع”. هنا أفهم أنّ دوري لا يقتصر على تقديم الدرس، بل على مرافقة النموّ الإنسانيّ بكلّ هشاشته وقوّته في آنٍ واحد.
هذا العنوان يعبّر عن قناعتي بأنّ التعلّم الحقيقيّ لا يحدث في بيئة باردة أو قائمة على الخوف، بل في فضاء يشعر فيه الطفل أنّه مرئيّ، ومسموع، ومقبول كما هو. حين يصبح الصفّ بيتًا، يجرؤ الطفل على السؤال، وعلى الخطأ، وعلى المحاولة من جديد. وحين يشعر بالأمان، يبدأ التعلّم العميق، وتبدأ الشخصيّة في التشكّل ببطء وثبات.
وأختاره لأنّه يلخّص علاقتي بالمهنة. أنا لا أدخل الصفّ لأقدّم محتوى فقط، بل لأبني علاقة، ولأخلق بيئة تشبه العائلة التربويّة الصغيرة، حيث نتعلّم كيف نعيش معًا قبل أن نتعلّم كيف ننجح، وكيف نحترم اختلافنا قبل أن ننافس على الدرجات، وكيف نكبر من دون أن نفقد إنسانيّتنا في الطريق.
لهذا، لو كتبتُ كتابًا يومًا، فسيكون عن الصفّ الذي يصير بيتًا حين نمنحه قلوبنا قبل عقولنا. عن المكان الذي نتعلّم فيه كيف نطمئنّ، وكيف نجرؤ على الحلم، وكيف نكبر ونحن نشعر أنّ لنا زاوية آمنة في هذا العالم المضطرب. سيكون عن تربية تُزرَع في الصمت، وعن تعليم يظلّ حيًّا في الأرواح طويلًا بعد أن تُغلَق الدفاتر، وعن أطفال يمضون في الحياة، وهم يحملون شيئًا من هذا الصفّ في داخلهم… كأنّه بيت أوّل علّمهم كيف يحبّون الحياة.