مهارات النموّ الاجتماعيّ والعاطفيّ عند الأطفال
مهارات النموّ الاجتماعيّ والعاطفيّ عند الأطفال
روزان علي علّو | معلّمة صفّ روضة ثالثة في الأكاديميّة العربيّة الدوليّة - سوريّا/قطر

مَن منّا لا يدرك دور النموّ الاجتماعيّ والعاطفيّ وأهمّيّته، إذ أصبح يشغل حيّزًا بالغ الأهمّيّة، ولا سيّما في مرحلة الطفولة المبكرة. مَن منّا لا يقلق حيال الاقتحام الجنونيّ للتكنولوجيا في حياتنا وحياة أطفالنا، بعيدًا عن إيجابيّاتها وسلبيّاتها، والتي كانت من تحدّيات مهارات الأطفال الاجتماعيّة والعاطفيّة، وعدم قدرتهم على التعبير عن مشاعرهم تعبيرًا متوازنًا وصحيحًا، نتيجة عدم الوعي في استخدام التكنولوجيا. نحن، معلّمي رياض الأطفال، نجد أنفسنا أمام مجموعة من التساؤلات العميقة: كيف لنا أن نوازن بين تعلّم المهارات الاجتماعيّة والعاطفيّة التي باتت حاجة ملحّة، والمعايير الأكاديميّة التي ما زالت تشغل الحيّز الأكبر في كثير من المدارس، وفي عقليّة المعلّم نفسه؟ هل نحن، المعلّمين، نمتلك أساسًا المهارات الاجتماعيّة والعاطفيّة؟ ما دورنا في تطوير هذه المهارات عند الأطفال؟ وكيف يتمّ ذلك؟ هل ما زلنا في مرحلة قراءة النظريّات والدراسات والحديث عنها ومناقشتها، أم أنّنا في مرحلة التطبيق العمليّ داخل قاعاتنا الصفّيّة، وضمن خططنا الدراسيّة؟ 

يحاول هذا المقال الإجابة عن بعض هذه التساؤلات، بالتطرّق إلى كيفيّة تطوير مهارات الطلّاب الاجتماعيّة والعاطفيّة، وعرض تجربة حولها، تاركين بعضها الآخر من دون إجابة، لنفكِّر بها في مدارسنا ومجتمعاتنا العربيّة.

 

مفهوم النموّ الاجتماعيّ والعاطفيّ

يمكن تعريف النموّ الاجتماعيّ تعريفًا بسيطًا ومقتضبًا، بأنّه ملاحظة التطوّر الاجتماعيّ في قدرة الطفل على بناء علاقات مع أصدقائه، في الصفّ وخارجه، والاندماج مع المجموعات الطلّابيّة التي ننشئها عادةً في الصفّ، وملاحظة ردّة فعله عند حدوث أيّ نزاع بينه وأصدقائه، سواءً أكان نزاعًا لفظيًّا أم جسديًّا، والذي يكاد يكون عادةً يوميّةً في مسيرتنا التربويّة. أمّا النموّ العاطفيّ، فيتمثّل في رصد الطفل بالطريقة التي يعبِّر بها عن مشاعره، وكيفيّة تعامله معها بما يناسبها. من هنا، يكون لكلّ كلمة ولكلّ موقف ولكلّ شعور أثر في حياة الطفل، فهو كائن متكامل المشاعر، شأنه شأن الإنسان البالغ العاقل، ولكنّ الفرق أنّ الطفل بحاجة إلى تجارب وخبرات تخوّله التعبير عن مشاعره.

 

نشاطات تنمّي مهارات الأطفال الاجتماعيّة والعاطفيّة

ركن المشاعر

خصّصنا داخل القاعة الصفّيّة ركنًا للمشاعر، أغنينا القسم بصور وجوه تعبيريّة واضحة عن مشاعر مختلفة، كما علّقنا مرآة صغيرة. في بداية العام، كنّا نتطرّق إلى الموضوع يوميًّا في الحلقة الصباحيّة، ثمّ اكتفينا لاحقًا بالتذكير به عند الحاجة. هنا، في هذا الركن، تناقشنا طويلًا، عندما تنتابنا مشاعر ولا نستطيع الإفصاح عنها لأيّ سبب كان، نشير إلى الوجه التعبيريّ الذي نشعر به. من أهمّ الأمور وأكثرها حساسيّة هنا، عدم رفض هذه المشاعر، ولا سيّما عندما تكون سلبيّة، كالغضب أو الغيرة أو غيرهما.

نجلس في هذا الركن الذي يشبه بترتيبه ركنًا من أركان المنزل، يشير الطفل إلى الوجه الذي يعبِّر عن مشاعره، وقد يخبر بها معلّمته أو صديقه في الصفّ، ثمّ نبدأ بتمارين التنفّس العميقة. قد يستغرق الأمر دقائق، وقد نغسل وجهنا بماء بارد، إذ يخفّف غسل الوجه بالماء من حدّة التوتّر الذي نشعر به، فنسمح لهذه المشاعر بالمرور بهدوء، وبإمكان الطفل الانضمام إلى معلّمته وأصدقائه عندما يشعر أنّه جاهز.

ترجمة المشاعر باللغة

أودّ الإشارة هنا إلى أنّ عدم مقدرة الطفل على التعبير عن مشاعره تعبيرًا مناسبًا، يعود أحيانًا إلى فقر المخزون اللغويّ لديه. هذا ما دفعنا، أثناء نقاشنا عن المشاعر في الحلقة الصباحيّة، إلى أن نسمّي هذه المشاعر بشكل صريح، وضبطها بقوالب لفظيّة واضحة، وتكرارها يوميًّا، وذكر السبب الذي جعلنا نشعر بها، مثل: أنا سعيد لأنّ... أنا متحمِّس لأنّ... أنا غاضب لأنّ... أرى أنّ ترجمة هذه المشاعر ومساعدة الطفل على التعرّف إليها والتعبير عنها أمر لا يقع على عاتق المعلّم فحسب، بل على عاتق الأهل والمربّين الذين هُم على اتّصال مباشر مع الطفل أيضًا.

المعلّم قدوة طلّابه

في معظم الأحيان، عندما كنتُ أتحدّث عن التعبير عن المشاعر كنت أبدأ بنفسي أمامهم. وكمثال، أشارك القارئ تجربة لطيفة تركتْ أثرًا جميلًا: رغبتُ يومها بشرح مشاعر الشوق، فجلسنا كالعادة في الحلقة الصباحيّة، وأخبرتهم عن أختي التي سافرت بالفعل، فكانت مشاعري يومها حقيقيّة معهم. حدّثتهم عن مشاعري المختلطة بين حزن وشوق، وتوقّفنا عند كلمة شوق الناتجة عن عدم تمكّني من لقائها سنين طويلة، ولذلك سأشتاق إليها. عرّفنا المشاعر، فأسميناها وعرّفنا سببها، ثمّ طلبتُ إليهم مساعدتي للبحث عن حلول للتخفيف من هذه المشاعر. كنّا، أثناء رحلتنا التعليميّة، وفي وحدة "مَن نحن؟" تحديدًا، والتي كانت تتمحور حول الصداقة بكلّ أبعادها وتفاصيلها، وكيف يمكننا أن نحافظ على صداقاتنا؟ جاء الاقتراح الأوّل من طفلي أمير: "معلّمتي، ما رأيك أن تتواصلي معها عبر تطبيق إيمو؟" ثمّ طُرِح اقتراح آخر: "نكتب لها رسالة"، وغيرها من الاقتراحات كأن نرسم رسمة، أو نتواصل معها عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ... وعليه، بدأ بعض الأطفال يخبرني عن شوقه لغياب أحد أفراد العائلة كسفر الأمّ أو الأب، أو العاملة المساعدة في المنزل.

القصص

تعدّ القصص من السبل الرائعة التي تقدَّم بها المفاهيم والمعارف والمهارات، فضلًا عن دورها الكبير في تنمية الأطفال اجتماعيًّا وعاطفيًّا ولغويًّا. وفي ضوء ذلك، استثمرتُ القصص كثيرًا لتطوير المهارات الاجتماعيّة والعاطفيّة.

في العام الماضي، وبعد عودتنا من إجازة طويلة، لاحظتُ زيادة نسبة النزاعات بين الأطفال، فتوقّفنا قليلاً، وتركنا الخطّة جانبًا وقرأنا لهم قصّة سارة الشجاعة التي نصحتنا بها مشرفة الروضة. لم تكن قراءة القصّة عابرة، بل توقّفنا عند كلّ موقف وحلّلناه، ووضعنا قبّعة المشاعر الحمراء للتفكير في مشاعر شخصيّات القصّة، أي لو كنّا مكانها بمَ سنشعر؟ وكيف سنتصرّف؟ ما رأيكم بتصرّفها؟ لماذا؟ وما إلى ذلك من الأسئلة التي طُرِحت أثناء قراءة القصّة. أدّت قصّة سارة الشجاعة دورًا كبيرًا في تغيير مفهوم القوّة والضعف عند الأطفال، فالقويّ أصبح بالنسبة إلينا هو من لا يسمح لأحد بالتعدّي عليه لفظيًّا أو جسديًّا، ولكن من دون ردّ الأذى بأذى. لاحظتُ لاحقًا كيف أحبّ الأطفال شخصيّات القصّة وتفاعلوا مع شخصيّة سارة، وأخذوا يقولون لي: معلّمتي، اليوم تصرّفت مثل سارة الشجاعة. وبهذا أصبحت شخصيّة سارة حاضرة معهم في المواقف التي يمرّون فيها، للتعبير عن مشاعرهم تعبيرًا مناسبًا، والدفاع عن أنفسهم بطريقة صحيحة ومتوازنة. قصّة سارة مثال من بين العديد من القصص التي مرّت معنا خلال العام.

في ضوء ما سبق، من المهمّ جدًّا اختيار قصص فيها شخصيّات ومواقف وأحداث تمثّل أنموذجًا واضحًا للتعلّم الاجتماعيّ والعاطفيّ. لو رغبنا، مثلًا، في مناقشة مشاعر الخوف وكيفيّة التعامل معها، نختار قصّة تواجه هذه المشاعر مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة الأسئلة والمناقشات التي سنستخدمها، والحلول التي سنقترحها على شخصيّات القصّة، مع فسح المجال أمام الأطفال للحديث عن مخاوفهم، وعن مواقف مشابهة حصلت معهم.

مشاركة ولي الأمر أو المربِّي

من الضروريّ جدًّا وجود قنوات تواصل فعّالة بين المربّي والمعلّم، ولا سيّما في حال وجود اضطراب في مهارة معيّنة عند الطفل. لا يمكن أن تتحقّق النتائج المرجوّة بدون التعاون المشترك والمصداقيّة من الطرفين.

ربط المهارات بملامح المتعلّم

نحرص دائمًا في المدارس التي تتّبع برنامج البكالوريا الدوليّة على ربط أيّ موقف بملامح المتعلّم. لذلك، يعدّ استثمار المواقف العفويّة التي تحدث بين الأطفال، أو المواقف التي يخلقها المعلّم، لتطوير مهارات الأطفال الاجتماعيّة والعاطفيّة أمرًا بالغ الأهمّيّة. طبعتُ صور الأطفال وعلّقتها في الصفّ، ثمّ صرتُ أضع صورة الطفل بجانب الملمح الذي يناسب تصرّفه الإيجابيّ، مثل تعبيره عن مشاعره، أو استخدامه اللغة للتواصل، أو اهتمامه بمشاعره ومشاعر غيره.

 

تجربة فريدة في تنمية المهارات الاجتماعيّة والعاطفيّة

هناك الكثير من الحالات التي تمرّ معنا، ويكون من الصعب تأطير استراتيجيّات لها ضمن إطار معيّن، نظرًا لتفاصيلها الكثيرة.

في إحدى سنواتي التعليميّة، ومع بداية العام الدراسيّ، لاحظتُ طفلة في الصفّ تواجه صعوبة كبيرة في التعبير عن حاجاتها ورغباتها، وعجزًا ملحوظًا في التكيّف مع الحالات الشعوريّة، إذ ترفض تمامًا التحدّث أو المشاركة في الصفّ. بالإضافة إلى ذلك، تنتاب الطفلة حالات بكاء مفاجئ لأسباب غير واضحة، حتّى عندما كانت ترغب في الخروج من الصفّ، سواءً لشرب الماء أو قضاء حاجة أو جلب أيّ شيء من حقيبتها، كانت تستغلّ فرصة انشغالنا وتخرج بهدوء من دون الرغبة في التواصل مع المعلّمة. هنا، بدأت الرحلة بتفاصيلها الصغيرة، وكان منح الطفلة الأمان والقبول والحبّ غير المشروط عنوانًا لها. أرفض تمامًا أن يربط الطفل شعور الحبّ بإنجاز أمر، كأن يقال له: "سأحبك لو فعلت كذا، أو تصرّفت على هذا النحو". لذلك، عملتُ على إشعارها بأنّي وأصدقاءها نحبّها في جميع الأحوال، وذلك بإجراء نقاش معها في البداية، ثمّ عقد اتّفاق بسيط معها يقضي بضرورة النظر إلى المعلّمة فقط إذا أرادت الخروج من الصفّ، موضّحةً لها بأنّ أهمّيّة ذلك لا تكمن في الاستئذان بالخروج فحسب، بل كي لا نقلق عليها أيضًا. أحبّت طفلتي الفكرة وبدأت بتطبيقها، عندما كانت ترغب في الخروج تقف عند باب الصفّ وتنظر إليّ، فأكتفي بالردّ عليها بنظرة كي تذهب وتقضي حاجتها، أيًّا كانت. بدأت الطفلة تشعر بالثقة والأمان، مع اتّباع الاستراتيجيّات السابقة في الصفّ، ثمّ تطوّر الأمر عندما أصبحت تهمس في أذني لإخباري بشيء ما بكلمة واحدة، وفق اتّفاق بيننا أيضًا. مع الوقت، تناقشنا وأخبرتها بأنّ من يستطيع أن يعبِّر بكلمة بإمكانه التعبير بكلمتين أو ثلاث، أي بجملة بسيطة، وبدأنا نتمرّن معًا، وبمرور الوقت تحسّن الأمر، إذ لم يكن وليد لحظة.

وعليه، عند تطبيقنا أيّ استراتيجيّة، يحتاج إلى الوقت كلّ من المعلّمُ والطفلُ على حدّ سواء. كان التواصل مع الأمّ ملازمًا لنا منذ البداية، والتي كانت تطلعنا على كلّ شيء بالتفصيل، وبكلّ مصداقيّة، وشرحت لنا الأسباب من وجهة نظرها، لأنّ المشكلة التي لاحظناها في البداية لم تظهر فجأة. تطوّر الأمر لاحقًا إلى قراءة قصص بسيطة مع الطفلة (لا تتجاوز الجملة كلمتين أو ثلاث كلمات)، ولا سيّما أنّها بدأت تتطوّر أكاديميًّا، وهو ما كان عاملًا مشجِّعًا لها؛ تعاود الطفلة قراءة القصّة نفسها في المنزل مع الأمّ، وتأخذ وقتها، وعندما تشعر أنّها جاهزة، أخصِّص لها وقتًا تجلس فيه على كرسيّ المعلّمة وتلبس بطاقتي التعريفيّة، وكأنّها معلّمة صغيرة تقرأ قصّة بسيطة لأصدقائها. لم نكتف بالقصص، بل اتّفقت مع الأمّ إذا خرجت الطفلة مع العائلة إلى أيّ مكان محبَّب إليها، أن ترسمه في المنزل، وأن ترسم كذلك الأشخاص الذين رافقتهم، والنشاط الذي تفضّله هناك، ولا سيّما أنّها تميّزت برسوماتها الجميلة والمعبِّرة، وعندما تشعر أنّها جاهزة تجلس على كرسيّ المعلّمة وتشرح لنا عن يومها ومغامراتها هناك. أذكر مع نهاية العام، حدّثتنا عن عطلة نهاية الأسبوع عندما ذهبت إلى المجمّع التجاريّ بالقطار السريع، وكان ذلك بالنسبة إليها تجربة ومغامرة جميلة. في هذا اليوم، أهديتها بطاقتي التعريفيّة الخاصّة بالمدرسة، لأنّها أحبّت فكرة أن تكون معلّمة، لتخبر عنها أفراد عائلتها وأصدقائها وأقاربها، وتعيدها لي في نهاية الأسبوع.

مهما ضاقت بنا السبل، تبقى رابطة الحبّ التي يبنيها المعلّم مع أطفاله ومنحهم الأمان والقبول أساسَ التعلّم الاجتماعيّ والعاطفيّ. فضلًا عن عدم تسريع عجلة التعلّم أيًّا كان، وإلّا قد نصل إلى نتائج عكسيّة.

* * *

في الختام، أعتقد أنّ لإدارات المدارس دورًا كبيرًا في تطوير المهارات الاجتماعيّة والعاطفيّة عند الطفل، بتأمين ورش عمل ودورات تطوير مهنيّ، تدعم المعلّم في هذه الجوانب، على الصعيد الشخصيّ والمهنيّ. بالإضافة إلى ضرورة تخفيف المعايير الأكاديميّة التي تضغط المعلمّ والطفل في آن، ليصبح هذا النهج من التعلّم جزءًا من العمليّة التعليميّة.

وهنا نسأل: أين نحن من تطوير المهارات الاجتماعيّة والعاطفيّة في مدارسنا ومجتمعاتنا العربيّة؟ أرى أنّ الأمر نسبيّ ومتفاوت، فبعض المنظّمات التعليميّة تهتمّ بالتعلّم الاجتماعيّ والعاطفيّ، وتدمجه مع المناهج التعليميّة لتنمية الجوانب الإنسانيّة عند الطالب. في حين أنّ بعضها الآخر ما زال، للأسف، يعطي الأولويّة للمعايير الأكاديميّة، ويركِّز على مهارات القراءة والكتابة والحساب، ويحتفي بها، لتبقى المهارات الاجتماعيّة والعاطفيّة حلقة مفقودة في نهجها التعليميّ.