من الاستخدام إلى الوعي النقديّ: نحو صياغة تربية رقميّة إنسانيّة في زمن الذكاء الاصطناعيّ
من الاستخدام إلى الوعي النقديّ: نحو صياغة تربية رقميّة إنسانيّة في زمن الذكاء الاصطناعيّ
أريج مواسي | أكاديميّة وباحثة وكاتبة - فلسطين

دخول أدوات الذكاء الاصطناعيّ في عالم التربية ومساحات التعلّم ليس بالأمر الجديد، فقد ظهرت هذه الأدوات بنماذج مختلفة سابقًا، على رأسها ما يُعرف بـ tutoring systems (أنظمة التدريس)، وكذلك أدوات لإدارة الصفّ وتفاعلاته، وتقييم الطلّاب وتحليل البيانات. لكن في السنوات الثلاث الماضية، وتحديدًا منذ ظهور أدوات متاحة للتفاعل بشكل مباشر مع الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ (Generative AI)، أصبح الحديث عن الذكاء الاصطناعيّ في التربية واستخداماته للتعلّم أمرًا حتميًّا. بل إنّ فهم آليّة عمل هذه الأدوات لم يعد يقتصر على العاملين والعاملات في القطاعات التكنولوجيّة. هذه التطوّرات حملت معها احتياجات جديدة، وأسئلة تربويّة عميقة حول معنى التعلّم في هذا العصر، ودور المعلّمين والطلّاب، والمهارات والمعرفة العميقة التي يتوجّب على الطلّاب والمعلّمين اكتسابها للتفاعل مع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعيّ. بالإضافة إلى ذلك، تُلحّ السياسات الاقتصاديّة والقطاعات التكنولوجيّة على ضرورة إعادة النظر في دور التربية، وأهدافها في إعداد الأجيال القادمة، لمواكبة التطوّرات التكنولوجيّة المتسارعة.

وبحسب اليونسكو، فإنّه "حتّى العام 2022، طوّرت 7 دول حول العالم فقط مناهج أو نماذج عمل لتدريب المعلّمين على استخدام الذكاء الاصطناعيّ". هذا الواقع يدعو إلى التساؤل: كيف لنا في العالم العربيّ أن نعمل على تطوير هذه المناهج، وبناء آليّات عمل مستدامة تراعي هذه التطوّرات، في الوقت الذي نُربّي فيه جيلًا يمتلك الوعي الاجتماعيّ والثقافيّ والسياسيّ والاقتصاديّ لتبعات استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعيّ؟ وكيف يمكننا، وسط هذا الزخم السريع لوجود أدوات الذكاء الاصطناعيّ في الحيّز التربويّ، أن نُواكب التغيّر، من دون أن نفقد البوصلة التربويّة والأخلاقيّة والإنسانيّة لتفاعلاتنا في الحيّز التربويّ، سواء كنّا مربّين أم طلّابًا أم أهالي؟ تتطلّب الإجابة على هذه الأسئلة رؤية تعاونيّة بين قطاعات متعدّدة داخل المجتمعات، وتستدعي مشاركة فعّالة يُدمج فيها العمل التربويّ مع البحث الأكاديميّ والصناعات والسياسات المحلّيّة والدوليّة، كلّ ذلك من أجل تعزيز الوعي المجتمعيّ، وإشراك المعلّمين والطلّاب في تطوير المناهج وتصميم الأدوات التكنولوجيّة؛ لا الاكتفاء بتزويدهم بها بطريقة هرميّة، أو تأهيلهم لاستخدامها فقط باستخدام برامج التأهيل. يساعد العمل التشاركيّ في تطوير منهجيّة مرنة تستجيب لتغيّرات التربية والتعليم، وتركّز على تمكين المعلّمين والطلّاب بالمهارات اللازمة للتعامل مع التطوّرات التكنولوجيّة المتسارعة.

في سنة 2024، أصدرت اليونسكو تقريرًا توضّح فيه ما يُعرف بإطار عمل Artificial Intelligence Literacy (التثقيف للذكاء الاصطناعيّ)، وهو إطار يركّز على الكفاءات المتعلّقة بالذكاء الاصطناعيّ التي ينبغي على المعلّمين والطلّاب إتقانها، ليكونوا قادرين على التعامل الواعي معه. ويقوم هذا الإطار على أربعة جوانب رئيسة:

1. الجانب الإنسانيّ للتفاعل مع التكنولوجيا: ويؤكّد على فاعليّة المستخدم ومسؤوليّته المجتمعيّة تجاه تبعات استخدام الذكاء الاصطناعيّ. كما تتوجّه التربية هنا إلى تمكين الطلّاب من التفكير في توظيف الذكاء الاصطناعيّ لخدمة أهداف اجتماعيّة.

2. الجانب الأخلاقيّ: ويشمل فهم المبادئ الأخلاقيّة المرتبطة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعيّ والسياسات التي تنظّمها، وما يترتّب عليها من آثار في الأفراد والمجتمعات. ويتركّز هذا الجانب على مبادئ عدم الإضرار والشفافيّة والعدالة والاستدامة.

3. فهم الجوانب التقنيّة لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعيّ: ويتناول تعرّف الطلّاب إلى آليّة عمل الذكاء الاصطناعيّ والخوارزميّات، ومعالجة البيانات، وكيفيّة توظيف هذه التقنيّات في سياقات متنوّعة لحلّ المشكلات.

4. تطوير مهارات تصميم أنظمة ذكاء اصطناعيّ وبرمجتها: ويشمل تنمية مهارات الطلّاب في تصميم نماذج الذكاء الاصطناعيّ وتجربتها وتحسينها، إلى جانب تعزيز الإبداع في استخدام هذه الأدوات للتعبير، أو لمعالجة مشكلات ذات أثر مجتمعيّ.

 

في حين تُشكّل هذه المحاور الأربعة نقطة انطلاق مهمّة للتعامل مع احتياجات القراءة والكتابة في العصر الرقميّ ومتغيّراته، ولتوصيف ماهيّة "المثقّف الرقميّ" في ظلّ تطوّرات الذكاء الاصطناعيّ، يبقى من الضروريّ النظر إلى هذه التعريفات برؤية بنّاءة، ولا سيّما في ما يتعلّق بالسياقات المحلّيّة وتعقيداتها، ومعنى التثقيف الرقميّ (literacy) ذاته. فاعتماد معايير ثابتة لـ "المثقّف الرقميّ" قد يتجاهل الممارسات التكنولوجيّة اليوميّة للمستخدمين من جهة، وقد يُغفل التحدّيات التي يواجهونها من جهة أخرى. بناءً على ذلك، سأطرح هنا أربع نقاط يُمكن أن يُسهم تناولها في بناء استراتيجيّات تربويّة للتثقيف حول الذكاء الاصطناعيّ (AI Literacy)، بما يضيف إلى هذه المحاور الأربعة السابقة.

 

1. حين يتعلّق الأمر بالسياقات المحلّيّة واحتياجاتها، فإنّ علينا في بناء الخطط التربويّة أن نعي واقع المجتمعات، وبُناها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة. ففي الجانب التقنيّ والتكنولوجيّ، قد لا توفّر بعض السياقات المحلّيّة بنية تحتيّة ملائمة للتفاعل مع أدوات الذكاء الاصطناعيّ في التربية، إذ ما تزال هناك فجوات حقيقيّة في جودة الإنترنت وتوفّر الأدوات التكنولوجيّة في مناطق جغرافيّة مختلفة. أمّا في الجانب الأخلاقيّ، فالتركيز على مبادئ عامّة لأخلاقيّات العالم الرقميّ من دون ربطها بالسياق المحلّيّ، قد يؤدّي إلى إعفاء الشركات من المساءلة على المدى البعيد (مثلًا: "ما دمتُ أتّبع نقاط الأخلاقيّات بحسب سياسة معيّنة، فأنا أخلاقيّ"). وقد يتجاهل في الوقت ذاته تبعات التكنولوجيا السلبيّة على مجتمعات مهمّشة اقتصاديًّا وتاريخيًّا، حيث قد تظهر انحيازات خوارزميّة وانتهاكات لحقوق الإنسان (Benjamin, 2019; Noble, 2018). إضافة إلى آثارها في الأيدي العاملة وفي المناخ، نظرًا إلى الكمّ الهائل من الطاقة الذي تستهلكه نماذج الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ أثناء تدريبها وتشغيلها. التطرّق إلى هذا المحور في التثقيف التكنولوجيّ ضرورة أخلاقيّة، من شأنها تمكين الطلّاب من بناء وعي نقديّ بأثر التكنولوجيا في مجتمعاتهم والعالم.
 

2. بالنسبة إلى التفاعل الإنسانيّ مع التكنولوجيا وربطها بالعمل المجتمعيّ، علينا أن ندرك أنّ ما يُسمّى بـ"فاعليّة المستخدم" (agency)، ليس أمرًا يمتلك المستخدم السيطرة عليه دائمًا، فهو رهين سياسات الشركات التكنولوجيّة، ومسؤوليّتها في حماية خصوصيّة المستخدم وتوفير الشفافيّة في آليّات عملها، وفي طريقة تعاملها مع الكمّ الكبير من البيانات التي يزوّدها بها المستخدم. وبناءً على ذلك، ينبغي للتثقيف الرقميّ أن يشمل وعيًا واسعًا، يتعرّف به الطلّاب والمعلّمون إلى الجهات الفاعلة داخل المنظومة التكنولوجيّة (ecosystem)، وأن يدركوا متى وكيف يمكنهم استخدام الأدوات التكنولوجيّة استخدامًا فعّالًا وواعيًا.
 

3. بين السياق والإجراءات والتصميم: يقترح Aguilera وآخرون (2020) ثلاث زوايا لفهم علاقتنا بالتكنولوجيا: أوّلًا، فهم السياق الذي تُستخدم فيه التكنولوجيا، سواء كان سياقًا موضعيًّا ومحلّيًّا، أم اجتماعيًّا وثقافيًّا أوسع. ثانيًا، فهم آليّة عمل الخوارزميّات والإجراءات التي تنظّم تفاعل الإنسان مع الأدوات التكنولوجيّة وتقيّده، إلى جانب الوعي بالإمكانات التي تتيحها هذه الأدوات للإبداع والتعبير. وثالثًا، فهم جانب التصميم، أي الجانب البصريّ وتصميم الواجهات وتصميم التفاعل وتجربة المستخدم، لما له من دور في تشكيل أنماط التفاعل مع التكنولوجيا وتحفيزها. ويُسهم هذا التوجّه في توسيع مفهوم التثقيف الرقميّ، بحيث لا يقتصر على المهارات التقنيّة فقط، بل يشمل تفكيرًا نقديًّا في العوامل التي تُكوّن تفاعلنا مع الأدوات الرقميّة ومشاعرنا حولها وتوجّهه. تدعونا هذه المحاور الثلاثة إلى إدراك التكنولوجيا بوصفها ظاهرة اجتماعيّة – ثقافيّة، لا مجرّد أدوات محايدة، بل أدوات نُضفي عليها المعنى بتفاعلاتنا معها في سياق محدّد، بحسب ما تتيحه أو تقيّده من إمكانيّات.
 

4. التواصل مع الذكاء الاصطناعيّ بواسطة المشاعر والتجارب الإنسانيّة: إنّ السؤال حول "ما معنى أن نكون بشرًا اليوم في ظلّ التفاعل المُستمرّ مع أدوات الذكاء الاصطناعيّ؟" سؤال جوهريّ يثير تساؤلات تتجاوز البعد التقنيّ إلى أبعاد إنسانيّة واجتماعيّة وثقافيّة ونفسيّة. فالإنسان لا يتفاعل مع التكنولوجيا تفاعلًا محايدًا، بل يحمل في تفاعلاته مشاعر مُركّبة وتجارب مُتشعّبة ومُوزّعة، تتشكّل وتُبنى داخل سياقات ثقافيّة واجتماعيّة مُتداخلة. وحتّى مجرّد التوجّه لطلب المساعدة من أدوات الذكاء الاصطناعيّ، يحمل في طيّاته دلالات نفسيّة وثقافيّة.

على سبيل المثال، تحمل اللغات واللهجات المحلّيّة مشاعر ومعاني غنيّة، فكيف يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ أن تفهم هذا التنوّع اللغويّ والثقافيّ أو تصنّفه؟ ما الافتراضات المُضمّنة في تصميمها؟ وهل تُعيد هذه الأدوات، سواء في النصوص أو الصور التي تُنتجها، إنتاج تصنيفات عنصريّة؟

 

في المقابل، تُطرح إشكاليّة الاعتماديّة المتزايدة على هذه الأدوات، وما إذا كانت تُشكّل خرقًا للخصوصيّة ولتفاعلاتنا البشريّة في تفاصيل حياتنا اليوميّة، خصوصًا وأنّها غالبًا ما تُصمّم بطريقة تعزّز تعلّق المستخدم بها، وتُعزّز مدّة التفاعل معها، وتعزل التفاعل عن سياقات وتجارب ومشاعر مُركّبة، يعيشها المستخدم خارج نطاق التفاعل المحدّد. وبالتالي، هناك حاجة ملحّة لفهم كيف تُحاكى المشاعر الإنسانيّة والتصرّفات اليوميّة ضمن هذه النماذج الرقميّة، وكيف تؤثّر تلك المحاكاة في إدراكنا لذواتنا وللآخرين، وفي طبيعة تواصلنا البشريّ. إذ إنّ تطوّر هذه الأدوات المستمرّ، يجعل من السؤال حول قدرتها على تحليل التعقيدات العاطفيّة والمعرفيّة للتجربة البشريّة واستيعابها، داخل سياقاتها، سؤالًا لا يمكن تجاهله. وبالتالي، فالتثقيف الرقميّ بجوهره، عليه أيضًا أن يشير إلى هذه الجوانب التي تعرّف الطلّاب والمعلّمين إلى الفروقات بين الإنسان والآلة، من حيث التعلّم والتفاعل والتواصل، ومحدوديّات التكنولوجيا في محاكاة الطابع الإنسانيّ والتعاطفيّ للعلاقات وإمكانيّاتها.

 

***

في الخاتمة، نحن أمام واقع جديد وسريع التطوّر، بشكل لم نشهد له مثيلًا في السنوات الأخيرة. هذه التحوّلات المتسارعة لتوسيع إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعيّ، تدعونا إلى إعادة التفكير في دور المعلّم؛ بحيث لا يقتصر على نقل المحتوى، بل يتّجه نحو التعاون مع الطلّاب، وتطوير مهاراته في تصميم بيئات تعلّم تتلاءم مع هذه التغيّرات. بيئات لا تتركّز في المضمون والمنهاج فحسب، بل تقوم على الحوار، والبناء المشترك، والإبداع والابتكار، والتفاعل بين المتعلّمين وبينهم وبين الأدوات الرقميّة. نحن أمام فرص تعلّم عظيمة، إذا ما تعلّمنا كيف نصمّم للتعلّم التفاعليّ، مع مراعاة جوانب التثقيف الرقميّ المتعدّدة كما ذُكر أعلاه، سواء للمعلّمين أو للطلّاب أو للأهالي.

ولتحقيق ذلك، فإنّ الانفتاح على تطوير سياسات تربويّة جديدة، ضرورة في مختلف المجتمعات وبيئات العمل التي تُعنى بالتربية والتعليم. أن نكون بشرًا مع الذكاء الاصطناعيّ، يعني أيضًا أن يكون لنا دور فاعل في بناء النظام البيئيّ (ecosystem) والبنية التكنولوجيّة (infrastructure)، والتي تمكّن الطلّاب والمعلّمين من التعلّم والنموّ والإبداع مع هذه الأدوات.

 

المراجع

- Aguilera, E., Stewart, O. G., Mawasi, A., & Cortés, L. E. P. (2020). Seeing beyond the screen: A multidimensional framework for understanding digital-age literacies. In Handbook of research on integrating digital technology with literacy pedagogies (pp. 1-31). igi Global.

- Benjamin, R. (2019). Race after technology: Abolitionist tools for the new Jim code. Polity Press.

- Miao, F., & Cukurova, M. (2024). AI competency framework for teachers. UNESCO.

- Noble, S. U. (2018). Algorithms of oppression: How search engines reinforce racism. New York university press.

- UNESCO. (2025). What you need to know about UNESCO’s new AI competency frameworks for students and teachers.