تعتمد الموادّ المدرّسَة في مؤسّسات الريادة قيد التجريب في المملكة المغربيّة، في مستوى الديداكتيك العامّ، على بناء خاصّ في ما يخصّ الحصّة الدراسيّة، يختلف اختلافًا جذريًّا عمّا كان يمارَس في المؤسّسات التعليميّة التي تعتمد على المنهاج العاديّ، والذي ما زال مُعتمدًا في المؤسّسات التعليميّة الإعداديّة. ومن هذا المنطلق، فإنّنا نروم في هذه المقالة تعريف القرّاء إلى البناء المعتمد في جميع الموادّ، وتقديم صورة مركّزة لأهمّ مراحل الحصّة، ومختلف الأنشطة التي تُقدّم في كلّ مرحلة.
الممارسات البيداغوجيّة الفضلى من المضامين إلى التعليم الصريح
تستند الممارسات البيداغوجيّة والديداكتيكيّة، في كلّ حصّة دراسيّة ضمن إعداديّات الريادة، إلى نموذج تربويّ قائم على الممارسات الفضلى. ونقصد بذلك أنّنا بصدد استقراء لجميع الممارسات الفضلى التي ترسّخت لدى المدرّسين في ممارساتهم الصفّيّة، ابتداء من أوّل نموذج بيداغوجيّ تعليميّ مرّ على المدرسة المغربيّة؛ أي منذ التدريس بالمضامين، ثمّ التدريس بالأهداف، ثمّ الانتقال إلى الكفايات، وبعدها بيداغوجيا الإدماج، وصولًا إلى التعليم الصريح الذي يشكّل عصب إعداديّات الريادة. بمعنى آخر، فإنّ التعليم الفعّال، كما يُسمّى أيضًا، تجميع لكلّ العناصر التي بدت للمختصّين في الحقل البيداغوجيّ والديداكتيكيّ ناجعة، وحقّقت نتائج إيجابيّة في وقتها. إذ لا يمكن أن نقول إنّ البيداغوجيّات التي تجاوزناها وانتقلنا بعدها إلى بيداغوجيّات جديدة، قد ضربنا عنها صفحًا، وأنّنا وصلنا إلى قطيعة إبستيمولوجيّة، وإنّما ما تزال رواسب تلك البيداغوجيّات تتسلّل إلى التي تليها، وهكذا، على أن تكون تلك العناصر التي تسرّبت ممارسات فضلى وفعّالة.
النموذج الديداكتيكيّ المتكامل: إطار مرن لبناء الحصّة الدراسيّة
انطلاقًا من هذا المبدأ، عمل المختصّون في الحقل التربويّ والديداكتيكيّ على تجميع الممارسات الفضلى، لبناء نموذج متكامل وفعّال، يتجاوز المزالق التي وقعت فيها البيداغوجيّات القديمة، ويستعيد في الوقت نفسه الممارسات الجيّدة التي أثبتت نجاحها في الحقل التعليميّ. وقد توصّل هؤلاء إلى صياغة بناء ديداكتيكيّ عامّ للحصّة الدراسيّة، يسمح بتنفيذ حصّة في أيّ مادّة من موادّ السلك الثانويّ الإعداديّ، ضمن إطار الديداكتيك العامّ. يقوم هذا النموذج على مراحل ثابتة وممارسات مقنّنة مؤطّرة بخلفيّات بيداغوجيّة وديداكتيكيّة، مع قدر كبير من المرونة يتيح تكييفه مع خصوصيّات الموادّ وطرائق تدريسها. وتشمل هذه المراحل: الافتتاح، والنمذجة، والممارسة الموجّهة، والممارسة المستقلّة، وأنشطة الاختتام.
-
1. افتتاح الحصّة
يُعدّ هذا النشاط تمهيدًا للحصّة الدراسيّة، ويُقدّم مرّة واحدة فقط، إذ لا يمكن أن يكون للحصّة أكثر من افتتاح واحد. وينبغي ألّا تتجاوز مدّة الافتتاح عشر دقائق، وألّا تقلّ عن خمس. ويتكوّن النشاط الافتتاحيّ من ثلاثة أجزاء: النشاط الاعتياديّ، وتنشيط المعارف السابقة، ثمّ التصريح بالأهداف. وتهدف هذه الأنشطة إلى شدّ انتباه المتعلّم وتشويقه إلى الدرس، كما تُسهم في خلق رابط عاطفيّ بين المعلّم والمتعلّم، وجعل استعداده نشطًا للدخول إلى تعلّمات جديدة.
- - النشاط الاعتياديّ
وهو نشاط يمكن وسمُه بأنّه غير رسميّ؛ أي إنّه خارج عن مضمون المادّة التعليميّة المقرّرة للحصّة، مع ضرورة أن يحمل بعدًا تربويًّا وتعليميًّا. وتختلف هذه الأنشطة الاعتياديّة باختلاف الموادّ، وسنّ المتعلّمين، وقدراتهم الإدراكيّة. وقد تكون حديثًا غير رسميّ حول قضيّة ما، أو لعبة كلمات متقاطعة، أو مقطعًا قصيرًا، أو طُرفة، أو تدريبًا على الحساب الذهنيّ. ويهدف هذا النشاط أساسًا إلى تذويب الجليد بين المتعلّم وما يحيط به، سواء تعلّق الأمر بالمعلّم، أو بزملائه، أو بالمادّة الدراسيّة نفسها.
- - تنشيط المعارف السابقة
لا شكّ أنّ كلّ درس جديد يحتاج إلى أن يستند إلى معارف سابقة، قد يكون المتعلّم قد اكتسبها في سنوات أو حصص سابقة، أو في موادّ أخرى. وقد يؤدّي العامل الزمنيّ إلى خفوت هذه المعارف أو نسيانها، ولذلك يُطالَب المعلّم بتحفيز المتعلّمين على تنشيط معارفهم السابقة واستحضارها، عن طريق طرح مجموعة من الأسئلة المتنوّعة.
- - التصريح بالأهداف
تُمثّل الحصّة الدراسيّة في إعداديّات الريادة هدفًا في حدّ ذاتها، ولا يتحقّق هذا الهدف إلّا بتجزئته إلى أهداف جزئيّة واضحة. ونظرًا إلى كون الحصّة الدراسيّة مبنيّة على التعليم الصريح، فإنّ تصريح المعلّم بالأهداف في افتتاح الحصّة يُعدّ أمرًا ضروريًّا، بل يشكّل ميثاقًا ديداكتيكيًّا يؤطّر مجموع الأنشطة المقدّمة فيها. وغالبًا ما تُصاغ هذه الأهداف على النحو الآتي: "في نهاية هذه الحصّة ستكونون قادرين على..."، أو "ستتمكّنون في نهاية هذه الحصّة من...".
-
2. النمذجة
تُعدّ النمذجة من أهمّ مراحل الحصّة الدراسيّة، ويُقصد بها أن ينجز المعلّم مهمّة مرتبطة بهدف مُحدّد سلفًا، سبق أن صرّح به في الافتتاح. ويبيّن المعلّم في هذه المرحلة الكيفيّة التي تُنجَز بها المهمّة، بينما يكون المتعلّم في موقع الملاحظ والمتتبّع من دون تدخّل. ويستوجب ذلك انتباهًا كبيرًا من المتعلّم، لأنّ المعلّم لا يُشركه في هذه المرحلة إطلاقًا. ويمكن تلخيص النمذجة في عبارة: "أنا أفعل"، والمتكلّم هنا هو المعلّم. تستغرق النمذجة نحو عشر دقائق تُوزّع على النمذجات بحسب أهمّيّتها، ويختلف عددها من حصّة إلى أخرى تبعًا لعدد الأهداف الجزئيّة المُصرّح بها في بداية الحصّة، ما يضمن مبدأ الملاءمة. ونقدّم مثالًا من مادّة اللغة العربيّة: إذا كان هدف درس اليوم التعرّف إلى طريقة صياغة اسم الفاعل من الفعل الثلاثيّ، فستُمارَس النمذجة على النحو الآتي:
- - سأبيّن لكم طريقة صياغة اسم الفاعل من الفعل الثلاثيّ، انتبهوا جيّدًا.
- - لآخذ الكلمة "كتب". سأتحقّق أوّلًا من نوع الكلمة: إنّها "فعل".
- - يسأل الأستاذ نفسه: كم عدد حروفها؟ إنّها ثلاثة أحرف أصليّة، إذن أنا أمام فعل ثلاثيّ.
- - ماذا تقول القاعدة؟ القاعدة تقول إنّ اسم الفاعل يُصاغ من الفعل الثلاثيّ على وزن "فاعل" مباشرة. والآن، سأقابل كلّ حرف من الفعل بالحرف الذي يناسبه في الميزان الصرفيّ للفعل: كَتَبَ/ فَعَلَ.
- - لديّ الكاف تقابلها الفاء، والتاء تقابلها العين، والباء تقابلها اللام. وعليه، إذا طبّقت قاعدة الصياغة على الميزان الصرفيّ، فإن فَعَلَ ستصير فاعِل، وكَتَبَ ستصير كاتِب، لأنّ الحرف الزائد هنا الألف.
- - إذاً، صُغتُ اسم الفاعل من هذا الفعل بطريقة مباشرة، بعد أن تحقّقت من نوع الكلمة، وحسبت عدد الأحرف، وتأكّدت من أنّها ثلاثة، ثمّ وضعت الفعل في قالب اسم الفاعل (فاعل).
-
3. الممارسة الموجّهة
تأتي هذه المرحلة بعد النمذجة مباشرة، وفيها يقدّم المعلّم مهمّة مشابهة للمهمّة التي أنجزها خلال النمذجة، مع توجيه المتعلّمين لإنجازها، وذلك بتحديد التعليمات الواجب اتّباعها، ومواكبة المتعلّمين أثناء التنفيذ. ويكون تدخّل المعلّم واضحًا في بداية هذه المرحلة، ثمّ ينسحب تدريجيًّا، لتتحوّل الممارسة الموجّهة إلى خطوة تمهّد لاستقلاليّة المتعلّم. ويمكن تلخيص هذه المرحلة في عبارة: "نحن نفعل". وقد تكون الممارسة الموجّهة ثنائيّة أو جماعيّة، وتتطلّب مهارة كبيرة في التنشيط وصياغة السؤال الديداكتيكيّ. وتستغرق نحو عشرين دقيقة، ويكون عدد الممارسات الموجّهة في الحصّة مساويًا لعدد النمذجات، مع التعامل معها بالطريقة نفسها في تقسيم الزمن المخصّص لكلّ نشاط.
سنقدّم مثالًا يوضّح هذه المرحلة بالاستناد إلى النمذجة السابقة: يُنبّه المعلّم المتعلّمين إلى أنّه سيشتغل معهم على مهمّة مشابهة، وهي صياغة اسم الفاعل من الفعل الثلاثيّ، وذلك بحسب المراحل الآتية:
- - لنشتغل على الكلمات الآتية: نَشَرَ/ بَلَغَ/ حَضَرَ، ولنصغ منها اسم الفاعل كما فعلت في السابق، مع الالتزام بالمراحل ذاتها:
- - لنلاحظ الكلمات ونحدّد نوعها وعدد أحرفها.
- - نستحضر قاعدة صياغة اسم الفاعل: ما مقابل كلّ حرف في الميزان الصرفيّ في الفعل نشر، ثمّ بلغ، ثمّ حضر؟
- - لنصغ الآن اسم الفاعل من الأفعال السابقة: ما الخطأ الذي وقع فيه زميلكم؟ ما المرحلة التي نسيها؟ لنذكّره بطريقة الصياغة. من يعيد المحاولة ويبيّن لنا الإجابة الصحيحة؟ ثمّ لنصحّح جميعًا ما تقدّم به أصدقاؤكم.
-
4. الممارسة المستقلّة
هي المرحلة التي تلي الممارسة الموجّهة، ويُكلّف فيها المتعلّم بإنجاز مهمّة مشابهة للمهمّتين السابقتين، ولكن بشكل فرديّ ومستقلّ، إذ لا يتدخّل المعلّم في هذه المرحلة، ليُتيح للمتعلّم إنجاز المهمّة في استقلاليّة تامّة. وتستغرق بين عشر دقائق وخمس عشرة دقيقة، ويمكن تلخيصها في المقولة: "أنت تفعل". ومع ذلك، يمكن للمعلّم التدخّل عند الضرورة القصوى، عندما يظهر أنّ المتعلّم غير قادر على التقدّم، ويكون تدخّله عندها محدودًا في الإشارة أو التلميح فقط.
ويمكن أن نقدّم نموذجًا للممارسة المستقلّة المرتبطة بالمثال السابق على النحو التالي:
- ستنجزون الآن مهمّة مشابهة لما رأيناه سابقًا، ولكن هذه المرّة بشكل فرديّ ومستقلّ.
- سأقدّم إليكم مجموعة من الكلمات، وأنتم تصوغون منها اسم الفاعل بطريقة مباشرة: نَظَرَ/ قالَ/ كتابٌ/ برزَ.
- أثناء إنجاز المتعلّمين للمهمّة بشكل فرديّ، ينبغي على المدرّس أن يتجوّل بين الصفوف، ويقدّم تغذية راجعة عند الحاجة القصوى. كما يمكنه أن يذكّر بالأخطاء التي يجب أن يتجنّبها المتعلّمون أثناء إنجازهم المهمّة.
-
5. اختتام الحصّة
هي المرحلة الأخيرة من الحصّة، وتستغرق نحو خمس دقائق، يُذكّر فيها المعلّم بأهداف الحصّة، ويستعرض أهمّ التعلّمات التي اكتسبها المتعلّمون، مع تلخيص لمضامينها. كما يتضمّن الاختتام جزءًا خاصًّا بالواجبات المنزليّة والتحضير القبليّ. وارتباطًا بالنموذج المقدّم، يمكن أن يطلب الأستاذ من المتعلّمين استحضار أهمّ أهداف الحصّة، والتعلّمات التي اكتسبوها، ومن ذلك:
- - تعرّفنا في هذه الحصّة إلى طريقة صياغة اسم الفاعل من الفعل الثلاثيّ.
- - تعلّمنا أنّ اسم الفاعل يُصاغ من الفعل الثلاثيّ بطريقة مباشرة على وزن فاعل.
- - من الأخطاء التي تعلّمنا تجنّبها، أنّه لا تمكن صياغة اسم الفاعل من الأسماء أو من الحروف.
- - ثمّ يقدّم الأستاذ للمتعلّمين تمارين منزليّة مرتبطة بالدرس، قد تكون مشابهة للمهامّ التي أنجزوها، أو مهامّ مركّبة.
***
وهكذا، يتّضح أنّ البنية الديداكتيكيّة المُعتمدة في إعداديّات الريادة، والجامعة بين أفضل الممارسات التربويّة، تهدف إلى تمكين المتعلّم وتحفيزه، مع الحفاظ على مرونة تتيح لها التكيّف مع مختلف التخصّصات. وهذا ما يضمن فعّاليّة العمليّة التعليميّة وتحقيق الأهداف المنشودة.
ونشير هنا إلى نقطة بالغة الأهمّيّة، تتعلّق بنجاح الحصّة الدراسيّة وفق هذا النمط البيداغوجيّ، إذ لا يتحقّق هذا النجاح إلّا بوجود نوع من التعاطف، بتوفير أجواء مشجّعة على التعلّم، وتعزيز السلوكيّات الإيجابيّة، والحفاظ على النظام. كما ينبغي أن تنبني جميع الممارسات على مبدأ التعليم الصريح، عن طريق تصريح المعلّم والمتعلّم بمنطق الاستدلال؛ أي الطريقة التي أُنجزت بها المهمّة، والمراحل التي اجتيزت، إلى جانب تقديم تغذية راجعة مستمرّة وبنّاءة. ويتعيّن على المعلّم أن يتحلّى بقدرة عالية على الملاحظة النشيطة، تظهر بالمتابعة الدائمة للمتعلّمين، وضمان مشاركتهم الفعّالة، والسعي لإشراك الجميع تقريبًا. كما ينبغي أن يكون إيقاع القسم متناغمًا، يحوّل الحصّة إلى ما يشبه معزوفة موسيقيّة، يكون فيها المعلّم قائد الأوركسترا، والمتعلّمون أفراد الجوقة، ولا سيّما خلال الممارسة الموجّهة الجماعيّة.




نشر في عدد (23) شتاء 2026