الإدارة الصفّيّة بين المثاليّة النظريّة والواقع التربويّ
الإدارة الصفّيّة بين المثاليّة النظريّة والواقع التربويّ
2026/01/04
مصطفى أمين | كاتب وشاعر واستاذ ثانوي لغة عربية وآدابها-لبنان

في سياق قضايا التعليم، تبرز "الإدارة الصفّيّة" إشكاليّةً محوريّة، تستوجب التوقّف عندها بجدّيّة. فليس كافيًا أن يكون المعلم متمكّنًا من مادّته علميًّا وأكاديميًّا؛ إذ لا بدّ من امتلاكه مهارات شخصيّة، وقدرات خاصّة على إدارة الصفّ، بما يشمل من تفاعلات تربويّة وسلوكيّة. غير أنّ ما يحدث في الواقع، هو أنّ الأدبيّات التربويّة كثيرًا ما تُحمّل الإدارة الصفّيّة ما لا تطيق، فتصبح عبئًا بدلًا من أن تكون حلًّا للأزمة التعليميّة.

ومن هنا، ننطلق في هذه المدوّنة من تجربة شخصيّة تستند إلى آراء ذاتيّة في المقام الأوّل. وما نراه صائبًا في هذا السياق، قد لا يكون كذلك في تجارب أخرى، والعكس صحيح. لذا، وجب التنويه بأنّ المدوّنة لا تُمثّل بالضرورة موقفًا عامًا أو طرحًا مؤسّسيًا، بل هي في جوهرها محاولة نقديّة موجَّهة تنطلق من اجتهاد شخصيّ، قد يصيب وقد يخطئ.

 

قرأتُ أكثر من كتاب في مجال الإدارة الصفّيّة، من منطلق سعيي لتطوير مهاراتي أستاذًا، ومن حرصي على الإلمام الأوسع والأدقّ بالمجال. إلّا أنّ خبرتي الميدانيّة في التعليم، جعلتني أستنتج أنّ الإدارة الصفّيّة - كما تُقدَّم نظريًّا - تصوّر المعلم وكأنّه كائن خياليّ، مثل شخصية "دراجون بول" أو "جونغار"؛ فهو ليس مجرّد مربٍّ أو معلّم، بل منقذ خارق، ومثاليّ، وبطل سينمائيّ أو كرتونيّ. يُطلب إليه القيام بأدوار كثيرة تتجاوز حدود قدراته ومهمّاته الأصليّة. وكأنّ المطلوب منه أن يكون أبًا، وأمًّا، ومعالجًا نفسيًّا، وموجّهًا أخلاقيًّا في آنٍ معًا.

تتناسى هذه التصوّرات التربويّة أنّ الدور الأبويّ لا يمكن أن يقوم به إلّا الأهل. فالتلميذ بطبيعته النفسيّة والاجتماعيّة، لا يتقبل أن يُربَّى على أيدي غير والديه، بل قد يتمرّد على أيّ محاولة من هذا النوع. ومن هنا، تكليف المعلّم بلعب دور المربّي الأسريّ، أو المعالج النفسيّ، أمر غير واقعيّ، بل هو تجاوز لوظيفته وحدود صلاحيّاته التربويّة. فالمعلّم، وفق موقعه الطبيعيّ، ينبغي أن يكون موجّهًا مادّته، ناقلًا معارفها، حارسًا قيمها وأخلاقيّاتها، لا أكثر ولا أقلّ.

 

أضف إلى ذلك أنّ الواقع الاجتماعيّ للتلاميذ لا يسمح للمعلّم بأن يتجاوز أدواره الأساسيّة، ولا سيّما في ظلّ ميل متزايد عند بعض التلاميذ نحو الانحراف السلوكيّ والتسيّب الأكاديميّ؛ وهي ظواهر قد تكون ناتجة، جزئيًّا على الأقلّ، عن مفاهيم التربية الحديثة، والتي قلّصت من سلطات المعلّم التقليديّة، وأعادت توزيعها بطريقة جعلتها "مرنة" أو "مائعة"، ما أدّى إلى تقوية موقع التلميذ والأهل، مقابل إضعاف هيبة المعلّم وسلطته التربويّة.

وهكذا، نجد أنفسنا أمام مشهد تربويّ مشوّه، يتقوّى فيه التلميذ على المعلّم، بدعم من مفاهيم التربية الحديثة، ومن بعض أولياء الأمور. بل وحتّى من إدارات مدرسية تطبّق السياسات الجديدة من دون تكييفها مع الواقع الشرقيّ. وهي مفاهيم قد تنجح نسبيًّا في مجتمعات غربيّة ذات بنًى تربويّة واجتماعيّة متماسكة، لكنّها لا تصلح بالصيغة نفسها في المجتمعات الشرقيّة ذات الخصوصيّة الثقافيّة والاجتماعيّة.

وأتذكّر، من تجربتي الشخصيّة (جيل Z)، أنّني نشأت وتعلّمت في ظلّ التعليم التقليديّ، حتّى المرحلة الجامعيّة، من دون أن أعاني أيّ مشكلات أكاديميّة أو سلوكيّة. بل على العكس، فقد اكتسبت عبر هذا النهج روح المسؤوليّة، والتعلّم الذاتيّ، وصياغة معايير شخصيّة للنجاح، ومواجهة التحدّيات بروح رياضيّة. أمّا اليوم، فأنا الأستاذ، أجد نفسي حائرًا في كيفيّة مطالبة تلميذ بالالتزام السلوكيّ أو الأكاديميّ، لأنّني أعلم أنّه سيتمرّد، مدعومًا بمفاهيم "الحقوق التربويّة" الحديثة التي تُغفل واجباته ومسؤوليّاته.

 

من أبرز إشكالات جيل A (الذي يمثّل جيل التقنيّة والرقمنة) أنّه يعتمد في سلوكه وتعلّمه على مبدأ السهولة والسرعة. وينزع بطبيعته إلى تفادي العقبات والتحدّيات، سواء كانت مفيدة أم غير ذلك. ومن هنا، يظهر نفوره من الانضباط والمسؤوليّة والدقّة، مقابل تفضيله لما هو مَرن وانسيابيّ وسريع، ولو كان ذلك على حساب العمق والصلابة التربويّة.

وبناء على هذا الواقع، حاولت بعض النظريّات والمناهج التربويّة الحديثة التكيّف مع متطلّبات هذا الجيل، متبنيّة شعار: "إن لم تأتوا أنتم إلى القيم والمعايير التربويّة، فإنّنا سنأتي إليكم"، وهو ما أدّى إلى ما يُعرف بـ"التربية السائلة"، وهي تربية مرنة متحوّلة، تتخلّى أحيانًا عن الثوابت لصالح استيعاب متغيّرات الواقع.

غير أنّ هذا التكيّف أفضى إلى اختلال في العمليّة التربويّة، حيث كان الأجدر أن تظلّ القيم والمبادئ التربويّة ثابتة، تمثّل المحور الذي يدور حوله الجيل، لا أن تتحوّل المبادئ نفسها لتدور حول الجيل.

وإذا نظرنا إلى جيل Z، نجد أنّ حاجته كانت تتمثّل في أن يُستمع إليه ويُفهم، وهي حاجة مشروعة تمكن تلبيتها ضمن إطار تربويّ آمن. أمّا جيل A، فإنّ حاجته بحسب المظاهر التربويّة الراهنة أصبحت تتّجه نحو الموافقة المطلقة، حتّى وإن خالفت هذه الموافقة المنطق أو المبادئ الأخلاقيّة، وهذا يتعذّر قبوله تربويًّا.

 

ومع ذلك، فقد وقعت المناهج التربويّة الحديثة في فخّ هذا التنازل، فأصبحت في بعض تجليّاتها تُسهم في تكريس النزعة الاستهلاكيّة السطحيّة، بدل أن تُربّي على المسؤوليّة والوعي النقديّ.

التربية الحديثة كما تُطرَح في الكثير من الأدبيّات ليست سوى إفراط في التنظير لما "يجب أن يكون"، لا لما "يمكن أن يكون". إنّها أقرب إلى الفلسفة منها إلى العلم، وتغلب عليها الطروحات المثاليّة والخياليّة، بدلًا من الواقعيّة. ومن هنا، فإنّ وصفها بـ"العلوم التربويّة" قد يكون لَغطًا؛ فهي في حقيقتها "فلسفات تربويّة"، تتأرجح بين ما نريده ونرغب به، وبين ما هو موجود بالفعل على أرض الواقع.

الضرورة تفرض علينا اليوم، أن نعيد صياغة منظومتنا التربويّة بما يتناسب مع واقعنا العربيّ، وقيمنا الاجتماعيّة، وأزماتنا التربويّة. يجب أن ننتقد الفلسفات التربويّة الغربيّة، لا من موقع الرفض المطلق، بل من موقع الفهم والتحليل والتقويم. ثمّ نُسقط ما نراه مناسبًا منها على واقعنا، ونعيد بناءه ضمن منظومة منسجمة مع الأخلاق والسياق الشرقيّ. ولهذا، فإنّنا اليوم في حاجة ملحة إلى "تربية على التربية"، أيّ إلى مراجعة نقديّة شاملة للمنظومة التربويّة نفسها، بغية استعادتها لوظيفتها التكوينيّة الرصينة.

كما يجب أن نعيد الاعتبار إلى الدور المحوريّ التقليديّ للمعلّم، بوصفه قائد العمليّة التربويّة ومركزها. فمن دون هذا الدور، لن يستقيم التعليم والتلميذ. وأخشى أن يكون الوقت قد حان للتساؤل الجادّ: ألا يُستوجب علينا أن نتخلّى عن مفاهيم التعليم الحديث، بعد أن اكتشفنا عجزها عن مواجهة التحدّيات الواقعيّة؟