العلاقة بين المعلّم والمتعلّم، أيّ روابطٍ نريدها؟
العلاقة بين المعلّم والمتعلّم، أيّ روابطٍ نريدها؟
2026/01/04
عبد الجبّار جاوي | أستاذ التعليم الابتدائيّ - الجزائر دردشة

 فـي إحدى مدارس بلدنا الجزائر الحبيبة، أبدأ كلّ يوم مهمّتي، أنا الحامل رسالة تعليميّة هادفة. أدخلُ الصفَّ بأملٍ يحدوني لإنجاح العمليّة التلقينيّة لتلاميذي. أحاورهم قبل بداية الدرس، أسأل عن أحوالهم وأحوال أسرهم. أحاول أن أربطَ معهم تلك العلاقة أو الرابطة الأبويّة المحبَّة لأبنائها. أقدّر ظروفهم، وأثمّن مجهوداتهم السابقة والآنية. أحفّزهم وأشجّعهم، أُعلّمهم وأتعلّم مِنهم. أحثّهم وأوجّههم، وأعتبرهم جوهر العمليّة التعليميّة وأساسها.

 وخلافًا لهذا كلّه، قد تُصادفنا عوائق تحول دون قيامنا بمهامنا التعليميّة على أكمل وجه، نظرًا إلى قصور طريقة تواصلنا مع التلاميذ وضعفها. من هنا، راودنا تساؤل حول هذا الضعف، انطلاقًا من عجزنا، مربِّين ومهتمِّين بالشأن التربويّ، عن إيجاد تلك الحلقة المفقودة بيننا وبين تلاميذنا.

 

لماذا عجزنا بوصفنا مربّين، عن إيجاد تلك العلاقة أو الرابطة، والتي من المفترض توفّرها مع تلاميذنا؟

 قد يأخذنا هذا التساؤل وباختصار، إلى عدّ الكثير من الأسباب المسهِمة في هذا العجز. نذكر منها:

  • - ضُعف في الوسائل التلقينِيّة، وطريقة توظيفها داخل الصف، ما قد يؤثّر على العلاقة بين المعلّم والمتعلّم.
  • - عنصر زرع الثقة الذي قد يكون الحلقة المفقودة بين المعلّم والمتعلّم وأهل المتعلّم.
  • - لا وجود لشراكة بين المعلّم وأهل المتعلّم، بمعنى فقدان الشراكة التواصليّة بين المعلّم والأهل.
  • - انعدام وسائل التشجيع والتحفيز داخل الصف.
  • - فقدان بوصلة فهم المعلّم لتلميذه، داخليًّا وخارجيًّا كما يجب، وانعدام التقرّب منه.
  • - عدم مراعاة الفوارق والاختلافات الفرديّة الموجودة بين المتعلّمين.

 

كيف نبني عـلاقة بين المعلّم والمتعلّم؟ وما الاحتياجات العاطفيّة التي يحتاج إليها المتعلّم داخل الصفّ؟

 المعروف أنّ بناء علاقة وطيدة بين المعلّم والمتعلّم مرتبط بمدى توفّر ظروف وأجواء صفّيّة مريحة، انطلاقًا من روح المحبّة الموجودة بين المعلّم والمتعلّم. وكذا التواضع والاحترام المتبادل والطاعة المبنيّة على قاعدة المعلّم القُدوة، والتي تقودنا إلى منحًى مؤسّساتيّ تعلُّميّ مُتطوّر؛ بل وتتعدّاه إلى البيئة الخارجيّة، والتي قد تسهم في هذا التطوّر. وتبعًا لهذا كلّه، هناك احتياجات عاطفيّة تتداخل بين المعلّم والمتعلّم، ويحتاج إليها هذا الأخير بصفة أكبر داخل الصفّ. نُورِد أهمّها على النحو الآتي:

1- الاحتياجات التواصليّة أو التواصل: حيث يحاول المعلّم أو المربّي إبراز موضوع إيجابيّ للمتعلّمين، وإشعارهم أنّهم جزء من العمليّة التعليميّة، وأنّه يريد التعرّف إليهم بقدر أكبر، والاهتمام بهم، ودعم ابتكاراتهم ونجاحاتهم، والعمل معهم كفريق متعاون واحد.

2- التقدير والاعتراف: وذلك باحترام إنجازات وابتكارات المتعلّمين، وتثمين مجهوداتهم والاهتمام بمشاعرهم، بحيث يشعرون بأنّهم جزء فعّال من العمليّة داخل القسم.

3- زرع الثقة: وهو جزء مهمّ يجب تداوله بين المعلّم والمتعلّم، والاستفادة الرجعيّة بين المُلقِّن – المعلّم، والملقَّن – المتعلّم، بالوسائل المختلفة والمتوفّرة. وهذا بغرض المعرفة والتعلُّم.

4- التحدّي والإرادة: حيث يشعر المتعلّم بأنّه قادر على المضيّ قدمًا في التطوّر والتعلّم، وتمييز المدركات الصفّية والملاحظة الثاقبة، ومتابعة المعلّم ذهنيًّا وحضوريًّا.

5- الراحة النفسيّة والأمان وسِعة التقبُّل: حيث يحتاج المتعلّم إلى الشعور بالعاطفة والأمان، والتجاوب مع معلمة درجة القبول والتقبُّل، والارتياح المادّيّ بحيث يهيّئ له الجوّ الدّراسي المريح داخل الصف. فبغياب الأمان وسعة التقبّل، ستغيب لا محالة، فرص التعلّم والانتباه.

6- الاندماج والمشاركة: بحيث نجعل طريقة العمل بين المتعلّمين داخل الصف الثمرة الهادفة لعمليّة التعلّم والابتكار، داخل الصفّ وخارجه.

7- الشراكة: والهادفة إلى زيادة فرص التداخل الإيجابيّ بين المعلّم والمتعلّم، ما يطوّر فُرص النجاح في العمليّة التلقينيّة والتواصل. ويزيد من عوامل الارتقاء والاستكشاف والاختراع، وإبراز نقاط القوّة لدى المتعلّم.

 

معًا لبناء علاقة شراكة ثلاثيّة بين المعلّم والمتعلّم والأهل

 تنطلق الرابطة التشاركيّة بين المعلّم والمتعلّم والأهل، اعتبارًا من الكيان الاجتماعيّ العاطفيّ الحامل لعمليّة التواصل بين المعلّم والمتعلّم. وكذا انطلاقًا من نواة الأهل التي تُعتبر الحلقة الواصلة بينهما، لكونها تُعبّر عن البيئة الخارجيّة للمتعلّم؛ ففُقدان أيّ حلقة من الحلقات الثلاث يُخلّ بالعلاقة التواصليّة، ويُفقد العمليّة التعليميّة الصحيحة مسارها. لذا، وجب على أطراف المعادلة التعليميّة ضخّ تلك الرّوح التعاونية، كلًّا حسبَ مسؤوليّاته: فالمعلّم يجب أن يُعطي العمليّة التعليميّة والتلقينيّة الأهمّيّة الكبرى بتبسيط عمليّة التلقين، وطرح الأسئلة والتجاوب مع المتعلّم؛ وهذا الأخير يجب أن يُصغي بتلك الروح المرحة التي تسوقُها أخلاق الإنصات إلى المعلّم، وبذل الجهد في استثمار المعلومات والمواد الملقّنة من طرف المعلّم، بمذاكرتها خارج الصف؛ والأهل بتهيئة البيئة الهادفة لفتح أحضان تعليميّة وجوّ تعليميّ لابنهِم بالحرص على إشراكه معهم في العمليّة.

 وختامًا، علاقة المعلّم بالمتعلّم داخل الصفّ تشبه علاقة الأب بابنه داخل البيت. علاقة يجب أن تسودها المحبّة والعاطفة والتوجيه والإرشاد والتحذير الإيجابيّ. علاقة لا تكتمل إلّا بتوفّر هذه الأجواء، وإشراك الأهل في العمليّة التعليميّة منظومةً ومنهجًا. وعلينا أن نُقرّ بأنّ مسار التواصل الصحيح يبدأ من المعلّم، فهو رأس العمليّة وعمودها، وينتهي عند المتعلّم الذي هو شريان العمليّة كلّها.