في الإبادة، كيف أعاد المجتمع إنتاج التعليم والمعنى خارج أيّ بنية مؤسّسيّة؟
في الإبادة، كيف أعاد المجتمع إنتاج التعليم والمعنى خارج أيّ بنية مؤسّسيّة؟
أحمد عاشور | باحث ومحاضر في جامعة تور – فرنسا / فلسطين

يتتبّع المقال التجربة اليوميّة للأطفال والمعلّمين والمبادرين والفنّانين في الحرب، بالاستعانة بإطار نظريّ يبدأ من جاك رانسيير إلى غاستون باشلار. يحاول هذا النصّ قراءة تلك اللحظة بوصفها قطيعة معرفيّة؛ لحظة يتراجع فيها خطاب المؤسّسة لصالح معرفة تولد من الألم ومن الخيال الشعبيّ، لصالح إرادة البقاء.

كم تبدو الكتابة عن غزّة صعبة، وإلى أيّ مدى يبدو المخيال العامّ عاجزًا عن تخيّل ما مرّت به هذه المدينة عبر قرون من الزمن، وإلى أيّ مدى ندرك دورها ووجودها في تاريخنا الشخصيّ والعامّ، بوصفها مدينة لا نبالغ عند الحديث عن رمزيّتها وأسطورتها في الوجود، والاستمرار في خلق المعنى وتقديمه بطريقة لم تكن يومًا طريقة عاديّة. وكم كانت غزّة وحدها حين قدّمت مقابل حبّة الزيتون جلدها، وإن قيل لها إنّها ستموت، تبقى تفكّر ماذا ستفعل في ما تبقّى من الوقت، وكأنّ محمود درويش كان شاعرها وكانت قصيدته حين كتب لكلّ فلسطين.

هي مدينة أحبّت حزنها القصائد وقلّدتها الأساطير. كانت سعيدة مثل سيزيف وهي تحمل المعاني مثل صخرة لتصعد بها الجبل، فتسقط منها الصخرة قبيل القمّة، فتعود وتكرّر ذلك بلا نهاية. وقد يبدو حديث ألبرت كامو عبثيًّا (1991)، مثل عبث العالم الذي كتب عنه، حين قال إنّ "علينا أن نتخيّل سيزيف سعيدًا". فعلى الرغم من كلّ هذا البؤس وهذا الثقل والإحباط من عدم الوصول، ظلّ سيزيف يحاول، وبقي سعيدًا في داخله، لأنّه لم يختر الانتحار حين أدرك عبث العالم وغياب المعنى الذي يريده، ولم يقبل العالم كما هو ولم تُغره فكرة القبول، بل اختار المحاولة والتمرّد. وكانت هذه طريقته للتغلّب على عدم وجود معنى لحياته، وعلى التمرّد لمواجهة عبثيّة الحياة.

وقد تشبه غزّة المتنبّي الذي قابل قطّاع الطرق في نهاية رحلته، فاختار المواجهة ولم يجد سلواه في الهرب، فيفقد المعنى الذي عاش لأجله وعبّر عنه في قصيدته "وا حرّ قلباه". 

 

سؤال المعنى سؤال ذلك الطفل في غزّة، عندما يواجه السؤال رقم واحد كلّ يوم: هل أصحو وأنا لم أنم أصلًا؟

هل أواصل البحث وأنا لم أتناول فطوري؟ هل أقف في طابور الماء لأعود إلى عائلتي بإنجاز يهوّن عطشهم؟ لكنّ الطابور طويل جدًّا... وأنا منهك، والطابور طويل والأرض مبلولة، وأنا فقدت حذائي، وبالأمس كانت الرمال حارة جدًّا. هل جرّب أحد غيري الوقوف على رمال الصيف من دون حذاء؟ 

هل أفعل كلّ ذلك بينما أريد أن أكون الآن في غرفتي في بيتي، وكلّ ما عليّ أن أواجهه غضب أمّي عليّ وعلى إخوتي لأنّنا لم نرتّب غرفتنا؟ أين أمي؟ وماذا حلّ بإخوتي؟ لماذا لا أراهم؟ ولمن سأعود بالماء إن أنا أيضًا احترقت حين تشعل الطائرات الخيام، وإن ابتلعتني هذه الرمال!

ولأنّ أهمّ ما في التعلّم يتمثّل في قدرة الطفل على السؤال، فكيف تبدو قدرة هذا الطفل، وكيف تبدو الأسئلة هنا؟ 

حوّلت الإبادة غزّة إلى مساحة تعلّم، ليس تعلّمًا تحرّريًّا، ولا تشاركيًّا، ولا علاجيًّا، وليس نفسيًّا اجتماعيًّا، وليس تعلّمًا عن طريق اللعب. ولأنّ التعريف الجديد لا يحمل اسمًا بعد، إلّا أنّ أقرب الأنماط لذلك كان نموذج جاك رانسييه في كتابه المعلّم الجاهل (1987). ففي القرن التاسع عشر، غادر المعلّم جوزيف جاكوتو إلى هولندا ليعلّم طلّابًا لا يتحدّث لغتهم ولا يتحدّثون لغته. وفي مهمّة بدت مستحيلة، نجح في تدريس الأدب والقانون من دون وجود لغة مشتركة مع طلّابه، ليكتشف أنّه قادر على أداء هذا الدور، وليجد طلّابه بعد وقت قصير قد أتقنوا اللغة الفرنسيّة كتابةً. وقد حدث ذلك بعد أن أشار إليه حدسه باستخدام كتاب ثنائيّ اللغة، وأن يمنح الطلّاب وقتهم ومساحتهم، وأن يكتفي بتحرير إرادة التعلّم لديهم فقط، من دون أيّ شرح منه ومن دون أن يفسّر حرفًا واحدًا. وكان الكتاب الذي استخدمه حينها كتاب Télémaque ثنائيّ اللغة.

 

هل يمكن القول إنّ هذا ما حدث في غزّة أثناء الحرب؟ 

أعتقد أنّ المعلّم في غزّة أثناء الحرب وفي المبادرات، كان قريبًا من هذا النموذج، لأنّه لم يكن بحاجة كبيرة إلى الشرح والحديث. كانت الأسئلة أكبر من أيّ إجابات، والتعلّم احتاج فقط إلى إرادة المتعلّمين، وإيمان المعلّم بقدراتهم المتساوية وبشراكتهم في رحلة التعلّم. كانت الأمثلة قادمة من واقع أساسه المعاناة، وجوهره التمرّد عليها. 

فأمثلة الرياضيّات جاءت من مشاركة الأطفال في أعمال بيع وشراء في الأسواق العامّة الجديدة، وفي المفترقات بين تجمّعات الخيام. تعلّموا الحساب باستخدام عملات غير مكتملة العناصر، وحسابات ربح وخسارة في ظلّ تقلّب الأسعار في اليوم الواحد أكثر من مرّة، وبعضهم تعلّمه عندما باع ما تبقّى من مقتنياته الشخصيّة، ليوفّر ثمن وجبة طعام واحدة في اليوم تتكوّن من المعلّبات.

وتعلّموا جغرافيا جديدة كانت تمرّ عبر رحلات النزوح، جرّبوا الفصول من دون أدوات مساعدة تخفّف حرارة الشمس العموديّة على رأس الخيمة متهالكة القماش، وفي غياب أيّ موادّ تصلح للتدفئة فتقي من البرد، وجميعهم انتظروا الربيع ليجدوا بعض التوازن. تعلّموا الجغرافيا ودروس التاريخ من أعلام الدول التي رؤوها في مسيرات التضامن، وتعلّموا دروس التاريخ حين سألوا عن كلّ الأعلام والوجوه التي يعرفوها وغابت عنهم، تعلّموا دروس التاريخ حين رؤوا أسماء الحكومات التي تزوّد الطائرات بالقنابل التي تقتلهم.

مبدأ جاك رانسييه (1987) يقول إنّ الذكاءات متساوية، وأنّه لا يوجد داعٍ لأن يمارس أحد الشرح فيحوّل العمليّة إلى مُلقٍ ومتلقٍّ، ويخلق شكلًا من أشكال السلطة في عمليّة التعليم. وعلى الرغم من أنّ هذا النموذج يبدو طرحًا نظريًّا، فقد ترجمه المبادرون والمبادرات عمليًّا على الأرض؛ فمجالس التعلّم لم تكن بالضرورة يقودها معلّم، وبالتأكيد لم تحدث في مدرسة بعد أن دُمّرت المدارس أو حُوّلت إلى ملاجئ. كما لم تعتمد على منهاج أو وزارة أو مؤسّسة، ولم تهتمّ بالشهادات أو بترفيع الفصول، لأنّ الزمن قد ارتُكبت في حقّه إبادة من نوع آخر، فسقطت حسابات الزمن العاديّة، وأصبح الجميع مطالبين بالبدء من جديد، وعدم التفكير في ما مرّ من أعمارهم وما حقّقوه بعد أن ضاع.

 

كان هذا التعليم في فحواه رمزًا لقدرة المجتمع وقدرة الأهالي على خلق البيئة الممكنة، أيًّا كانت الإمكانات. ففي معظم المبادرات كان طريق الوصول إلى مكان لقاء الأطفال يمرّ من أماكن النوم أو بجانبها، وبين أدوات الطبخ ورائحة الطعام. وقد شكّل كلّ تجمّع للنازحين لجنة من المبادرين، للمساعدة في توفير سبل العيش أو سبل البقاء، وكان في كلّ من هذه اللجان بالضرورة من تطوّع أو بادر لترتيب مساحات خاصّة بالتعليم، وتشجيع المبادرات داخل هذه التجمّعات. وقد شملت هذه المبادرات مبادرات للكتابة، وأخرى للدعم النفسيّ عن طريق الحديث وخوض الآلام معًا ومشاركتها، ومبادرات للموسيقى والغناء الشعبيّ وغيرها.

لم يكن المجتمع بحاجة إلى مؤسّسة لتنظيم أموره، فالمجتمع الفلسطينيّ في غزّة يتّسم بكثرة المتطوّعين والمبادرين، وتسوده مبادئ الهمّة والهبّة الدائمة، من دون الحاجة إلى إطار أو بنية تنظّم هذا العمل أو تقوده. وربّما توجد في غزّة تاريخيًّا فجوة كبيرة بين المؤسّسة والمبادرة التي يخوضها الشارع؛ فالشارع والمبادر في غزّة لم يحظيا بحقوق متساوية أو بامتيازات مؤسّساتيّة، سياسيًّا أو ثقافيًّا، على المستوى المحلّيّ، ولذلك كانت هناك دائمًا إشكاليّات كان سببها الظاهر سياسيًّا. ومن المهمّ، في مرحلة ما من التاريخ، أن نأتي على تحليل هذه الفجوة وأسبابها.

فهؤلاء المبادرون في وقت الحرب، لم تطلب منهم المؤسّسة الرسميّة العمل، بل إنّ المؤسّسة الرسميّة، وعلى مدار سنوات وعقود، لم تتمكّن من توفير الإطار الذي يحفظ حقوقهم، سواء المادّيّة أو تلك التي تتعلّق بالاعتراف. فالمؤسّسة لم تُسهم بشكل إيجابيّ في تمكينهم وقت الأزمة، من حيث الجهوزيّة على الأقل، فجميعهم بلا استثناء داهمتهم الحرب التي أفقدتهم كلّ شيء وهم مُنهكون. 

 

وإلى جانب المشكلات السياسيّة وآثارها في الجميع، أسقطت المؤسّسة الرسميّة وغير الرسميّة، ولا سيّما المؤسّسات الثقافيّة، عن الفاعلين الثقافيّين والفنّانين في غزّة حقّهم في التمثيل، إذ تخلو هيئات هذه المؤسّسات الإداريّة من أيّ تمثيل للمعلّم أو الفنّان أو الفاعل الثقافيّ في غزّة. وقد شكّل هذا الغياب عن دوائر التمثيل والقرار فجوة واضحة في الخطابات والمؤتمرات والندوات التي تحدّثت باسمه وعن أوجه معاناته، من دون أن يحضر هو فعليًّا. وهنا حضرت نظريّة موت المؤلّف عند رولان بارت (1967) بشكل معكوس؛ فليس المؤلّف من مات، بل من عاش التجربة ولا يزال يعيشها أُقصي عن حقّ تفسيرها، بينما استولت المؤسّسة على سلطة التأويل والكتابة وتنظيم المؤتمرات باسمه.

فمن ضمن التفكيك الذي جرى جرّاء التدمير والإبادة، غلبت إرادة الفعل والمبادرة سلطة المفسّر، وسلطة الطابور المدرسيّ والمعلّم الذي يتحدّث من فوق المنصّة. وبات من عاش التجربة يرفض بالضرورة سلطة التفسير، ويرفض أن يذوب صوته بوصفه متحدّثًا أصيلًا داخل خطاب مؤسّسيّ، يُصاغ في بنية لغويّة ومفردات مكرّرة داخل لغة المؤسّسة؛ مفردات بحاجة إلى تفكيك من حيث حضور السلطة، وحضور المموّل، واللغة المحايدة التي تحاول ضبط الخطاب، لتعيد المؤسّسة إنتاج نفسها، ويظلّ خطابها يعمل حتّى حين تتعطّل وظيفتها.

 

وبمنطق بيير بورديو (1982) عن رأس المال الرمزيّ وصراع الحقل، بقيت كلّ مؤسّسة تعمل داخل حقل معيّن بقواعده وفاعليه وصراعاته. وهذا ما يسمّيه بورديو عنفًا رمزيًّا، حين يُفرَض معنى واحد على واقع غزّة من دون مشاركة أهلها مشاركة حقيقيّة، بإعادة إنتاج الفاعلين أنفسهم وتدويرهم، وإنتاج روايات عن غزّة لا تتّصل بالضرورة بالواقع الذي عاشه المعلّم والمبادر في الحرب. وهنا يبرز السؤال: هل ضاعفت المؤسّسة العنف من دون أن تدري؟ عنف الاحتلال، وعنف الخطاب الذي يفترض تمثيل الضحيّة من دون مشاركتها؟

ويعيدنا هذا السؤال إلى الحقبة التاريخيّة التي تشكّلت فيها هذه المؤسّسات، وإلى الشعارات التي حملتها ارتباطًا باللحظة التاريخيّة التي نشأت فيها. فكيف تبدو هذه المؤسّسة اليوم بعد عقود؟ هل ما زالت تشبه نفسها، وهل يمكن لخطابها أن يتجدّد؟ وهل تشبه مؤسّساتنا حقًّا الشارع، أم أنّها تعكس أكثر البيئة السياسيّة التي تحتضنها وتعمل في كنفها؟

وهل يمكن أن نسأل جيل المؤسّسين والمفكّرين عن نظريّاتهم، وعن مدى استمرار التصاقها بواقع الأطفال في غزّة؟ وهل كانت عونًا حقيقيًّا للمبادرين هناك؟ وهل أسهمت هذه النظريّات وأصحابها في دعم هؤلاء المبادرين أو مشاركتهم، أم بقيت نظريّاتهم تحاكي الواقع من بعيد، وتنتج مقاربات تصلح للاستخدام في المؤتمرات أكثر ممّا تصلح لواقع اليوم؟

وفي المقابل، نتج عن الإبادة حالة معرفيّة لا تمكن مقاربتها بأدوات التحليل القديمة. فكما يشير غاستون باشلار (1938)، كلّ معرفة جديدة تتطلّب قطيعة إبستيمولوجيّة. غير أنّ هذه القطيعة هنا ليست نفيًا لما سبق ولا خيارًا فلسفيًّا فحسب، بل ضرورة وطنيّة وأخلاقيّة. فالمفاهيم السابقة للإبادة لم تعد صالحة بعد قتل عشرين ألف طفل. لقد أصبح الطفل الذي عاش هذه الأهوال والتجارب، وكذلك المعلّم والفنّان والمبادر في غزّة، منتجين لمعرفة جديدة لا يمكن للمؤسّسة استيعابها إلّا إذا قطعت مع بنيتها القديمة.

 

المراجع

- Camus, A. (1942). Le mythe de Sisyphe. Gallimard.

- Rancière, J. (1987). Le maître ignorant: Cinq leçons sur l’émancipation intellectuelle. Fayard.

- Barthes, R. (1967). La mort de l’auteur. Manteia, 5, 12–17.

- Bachelard, G. (1938). La formation de l’esprit scientifique: Contribution à une psychanalyse de la connaissance objective. Vrin.

- Bourdieu, P. (1982). Ce que parler veut dire: L’économie des échanges linguistiques. Fayard.