فلسفة التعليم التحرّريّ لدى معلّمي غزّة المبادرين
فلسفة التعليم التحرّريّ لدى معلّمي غزّة المبادرين
أسماء رمضان مصطفى | مُعلّمة لُغة إنجليزيّة- فلسطين

تقول زميلتي التي كانت تعمل مشرفة تربويّة لإحدى المباحث لدى وزارة التربية والتعليم: "عقب اندلاع حرب الإبادة الجماعيّة على غزّة، كنتُ أقلّب صفحات الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعيّ، أتابع ما ينشره زملائي المعلّمون في كلّ مكان. لمحتُ صورًا كثيرة لخيام بيضاء صغيرة، يقول ناشر الصورة إنّها خيام تعليميّة، وقد نشأت في أماكن متفرّقة من قطاع غزّة. تابعتها طويلًا، إلى أن أطلق عليها المعلّمون اسم "نقاط تعليميّة"، أُقيمت من ألواح الزينكو الممزّقة وبقايا الأقمشة المتهالكة. رأيتُ مشاهد لمعلّمين يجلسون بين عشرات الأطفال، ودوائر ممتلئة بمئات الصغار الذين يحملون دفاتر بسيطة، أو لا يحملون شيئًا. في البداية ظننتُ أنّ ما يجري هناك لا يتعدّى أنشطة لعب وترفيه، لتمضية الوقت والتخفيف عن الأطفال: ضحكات، وأغنيات، وألعاب حركة، ومسابقات بسيطة. غير أنّ المفاجأة كانت حين تلقّيتُ دعوة من إحدى المؤسّسات التعليميّة، إلى زيارة هذه الخيام والإشراف على ما يجري بداخلها. وما رأيتُه بعينيّ قلب كلّ تصوّراتي: هناك، بين الأقمشة الممزّقة، تعليم حقيقيّ يُمارَس، ومناهج حياتيّة تُدرّس، ومعارف تُبنى، وشخصيّات أطفال تُصقَل، وأطفال يتعلّمون بجدّيّة، ويستعيدون شيئًا من حياتهم الطبيعيّة وسط رماد الحرب. أدركتُ حينها أنّ تلك الخيام لم تكن مجرّد مساحات للترفيه، بل كانت مدارس بديلة في زمن الإبادة، تحمل بذور الأمل في أرض يَطحنها الألم. عندها تمنّيتُ أن أفتتح نقطة تعليميّة، وأبدأ بتعليم الأطفال بحرّيّة وتحرّر من قيود النظام الرسميّ".

 

حكاية بسيطة قصيرة، تعكس جوهر التجربة التعليميّة وواقعها في غزّة زمن الإبادة. فالتعليم لم يتوقّف عند حدود المباني المهدّمة أو الفصول الدراسيّة المدمّرة، بل خرج من بين الركام ليعيد تعريف ذاته. استطاع المعلّم الفلسطينيّ أن يحيي رسالته مرّة أخرى، واستطاع المعلّم الغزّيّ الغيور على أطفال غزّة أن يُثبت أنّ رسالته لا تُقاس بجدران أو مقاعد، بل بقدرته على ابتكار الفضاء التعليميّ حتّى من العدم. تلك الخيام التي نُسجت من قماش وألواح بسيطة، لم تكن مجرّد محاولة رمزيّة للصمود، بل جسّدت فلسفة عميقة، تعكس الإيمان بأنّ التعليم ليس رفاهيّة مُؤجّلة، بل ضرورة للبقاء الإنسانيّ، ومقاومة في وجه محو الوجود الفلسطينيّ.

ولعلّ ما يُميّز هذه المشاهد أنّها تتجاوز الطابع الإسعافيّ الطارئ، إلى رؤية تحرّريّة امتدّت لعامين كاملين، رؤية عفويّة ترى في التعليم وسيلة لحماية هوية الطفل، وتعزيز وعيه، وتثبيت صوته حرًّا في العالم. وفي ظلّ هذا السياق التربويّ المجتمعيّ الفلسطينيّ، يصبح التعليم مشروعًا نضاليًّا يوازي النضال من أجل الأرض، ويزرع في نفوس الأجيال بذور الحرّيّة التي تتخطّى حدود الحصار.

 

التعليم التحريّريّ ليس مجرّد طريقة للتدريس، بل فلسفة كاملة تتجاوز التلقين والمعرفة الجاهزة، وتهدف إلى تحرير عقل المتعلّم ووعيه. وقد ارتبط هذا المفهوم ارتباطًا وثيقًا بالمفكّر البرازيليّ باولو فريري، الذي قدّم في كتابه الشهير "تربية المقهورين" رؤية تعليميّة تقوم على "الحوار" و"الوعيّ النقديّ" و"المشاركة الفاعلة". يرى فريري أنّ التعليم التقليديّ يُشبه "الإيداع البنكيّ"، إذ يضع المعلّم المعلومات في عقول الطلّاب كما تُوضَع الأموال في الحسابات. في المقابل، يُعدّ التعليم التحريّريّ عمليّة حواريّة، يتشارك فيها المعلّم والمتعلّم إنتاج المعرفة، ليصبح الطالب فاعلًا في بناء ذاته وواقعه. وتتجلّى أسس التعليم التحريّريّ في ثلاثة محاور رئيسة:

أوّلًا: الحوار والمشاركة: فالمتعلّم ليس مستقبلًا سلبيًّا، بل شريك في النقاش وبناء المعنى.
ثانيًا: الوعي النقديّ: أي قدرة الطالب على قراءة الواقع الاجتماعيّ والسياسيّ وفهمه بعمق، بدلًا من مجرّد استهلاك المعرفة.
ثالثًا: الارتباط بالواقع: إذ تنبثق العمليّة التعليميّة من حاجات الناس وتجاربهم اليوميّة، لتكون معرفة مرتبطة بالحياة لا منفصلة عنها.

 

ممّا سبق، نخلص أنّ أحد أهمّ ملامح هذا التعليم إنّه لا يهدف فقط إلى إكساب المهارات الأكاديميّة، بل إلى تكوين مواطن قادر على الفعل والتغيير. بروحيّة المعلّم فريري التي تعتبر أنّه لا يمكن للتعليم أن يكون محايدًا، فهو إمّا أن يكون أداة لتحرير الإنسان أو وسيلة لإخضاعه. ومن هنا تتّضح خطورة التعليم في السياقات الاستعماريّة أو في ظلّ الحروب، إذ يتحوّل إلى مساحة للصمود وتعزيز الهوية، لا إلى مجرّد وسيلة لتكرار المعارف.

وأثبتت تجربة التعليم في غزّة زمن الإبادة الجماعيّة، وما يلازمها من "إبادة تعليميّة"، أنّ التعليم التحريّريّ يصبح أكثر إلحاحًا في حالات الأزمات والحروب، فالأطفال لا يحتاجون إلى الحفظ والامتحانات فقط، بل إلى بناء معنى لوجودهم، واكتساب أدوات لقراءة ما يحدث من حولهم، ومواجهة محاولات المحو والتهميش. في الخيام التعليميّة في غزّة، على سبيل المثال، لم يكن تركيز المعلّمين على "المقرّر المدرسيّ" فحسب، بل على خلق مساحات للنقاش والغناء والكتابة والتعبير عن الذات. هذه الممارسات تجعل التعليم مشروعًا تحرّريًّا، يُقاوم العنف المادّيّ والمعنويّ في آن واحد، ويهتف بصوت موحّد للبقاء، على الرّغم من محاولات اقتلاع الفلسطينيّ من جذور الهوية.

 

وممّا لا شكّ فيه أنّ المشهد التعليميّ في غزّة أثناء الحرب، يمثّل لوحة مركّبة من التحدّيات ومحاولات الاستمرار. فمع تدمير مئات المدارس الحكوميّة ومدارس وكالة الغوث (الأونروا) والمدارس الخاصّة، وتحويل الكثير منها إلى ملاجئ للنازحين، تعطّلت البنية الأساسيّة للعمليّة التعليميّة. أكثر من ستمائة وخمسين ألف طالب وطالبة وجدوا أنفسهم بلا فصول أو كتب أو مقاعد لسنتين متتاليتين، ناهيك عن آلاف الطلبة الجامعيّين الذين أصبح مستقبلهم في مهبّ الريح. ومع ذلك، لم يستسلم المعلّمون، ولم يرفع المجتمع المحلّيّ راية الاستسلام، فظهرت مبادرات شعبيّة لتعويض هذا الفراغ التعليميّ التربويّ. بدأت بالخيام وبالنقاط التعليميّة في مراكز الإيواء، ثم تطوّرت إلى مدارس مؤقّتة، بل إنّ الكثير من المعلّمين والمعلّمات حوّلوا بيوتهم إلى فصول دراسيّة صغيرة.

واللافت هنا أنّ التعليم في غزّة لا ينفصل عن سياقه السياسيّ والوجوديّ والمجتمعيّ، فهو خطّ الدفاع الأوّل عن الهوية الوطنيّة. لذلك لم يكن غريبًا أن تُبنى الفصول الدراسيّة من الخيام، وأن تُكتب الدروس على أنصاف سبّورات وألواح خشبيّة مكسورة، وأن يتحوّل الشارع وركام البيوت المهدّمة إلى قاعات دراسيّة. هذا المشهد يعكس ما يمكن تسميته "التعليم الشعبيّ"، والذي يمثّل استجابة المجتمع نفسه، لا مؤسّساته الرسميّة فحسب. ويجسّد المعلّم الفلسطينيّ في هذا السياق الدور التحريّريّ بدقّة، فهو ليس ناقلًا للمعرفة فقط، بل أصبح مسعفًا نفسيًّا، وقائدًا اجتماعيًّا، وسندًا للأطفال، وحاملًا لرسالة الصمود. أمّا الأطفال فقد أظهروا شغفًا استثنائيًّا بالتعلّم في أقسى الظروف، إذ أصبح التعليم بالنسبة إليهم فعل حياة يرفض الانكسار.

وعلى رغم قسوة التحدّيات التي يواجهها المعلّمون المبادرون والمجتمع الغزّيّ عمومًا، فهذه التجارب الشعبيّة أكّدت أنّ التعليم في غزّة ليس حقًّا مسلوبًا أو مؤجّلًا، بل ممارسة مقاومة تُثبت قدرة الشعب على إعادة بناء ذاته مرارًا، مهما بلغت قسوة الهدم.

***

يمكن القول إنّ التجربة التعليميّة في غزّة طوال الحرب ليست مجرّد محاولة إسعافيّة مؤقّتة، بل نموذج عالميّ للتعليم التحريّريّ في أبهى صوره. فالخيام التي نُصبت بين الركام جسّدت روح مدرسة التعليم الشعبيّ، حيث ينشأ الفعل التعليميّ من الإرادة المجتمعيّة الجمعيّة، لا من القرارات الرسميّة فحسب. فالتعليم هنا يتجاوز نقل المعرفة إلى صناعة الوعي المقاوم، ويمنح الأطفال أدوات، حسب المتاح، لمواجهة القهر. ما جرى ويجري في غزّة يذكّرنا بأنّ التعليم ليس محايدًا أبدًا، بل فعل سياسيّ وأخلاقيّ، إمّا أن يكون خاضعًا أو محرّرًا. وقد اختار الفلسطينيّون دومًا أن يكون التعليم أداة تحرّر، حتّى لو كان الثمن ثقيلًا. وتبقى شهادة زميلتي المشرفة التربويّة شاهدًا رمزيًّا على هذه الحقيقة: داخل الخيام، ووسط الحرب، ما يزال هناك معلّمون يدرّسون، وأطفال يتعلّمون، وأمل يتجدّد. هذه ليست مجرّد تفاصيل عابرة، بل إعلان متجدّد بأنّ التعليم الفلسطينيّ سيبقى مُقاومًا، وسيبقى المعلّم الفلسطينيّ مُشتبكًا مع الواقع، وستظلّ المعرفة جذرًا من جذور البقاء والحرّيّة.

 

المراجع
فريري، باولو. (1980). تعليم المقهورين. (ترجمة: عوض، يوسف). دار القلم.