التخطيط التعاونيّ: تدريب مهنيّ فعّال للمعلّمين
التخطيط التعاونيّ: تدريب مهنيّ فعّال للمعلّمين
2026/02/15
علي أمين | معلم لغة عربية ومدير أكاديمية رحال لتعليم العربية عن بعد-اليمن/الصين

يمثّل المعلّم ركنًا أساسيًّا للعمليّة التعليميّة. ومع مقتضيات العصر وسرعة التغيّرات التي تطرأ عليه، تزداد أهمّيّة النمو المهنيّ والتطوير المستمرّ له، ومن هنا تتسابق المدارس ومنظّمات التعليم في تدريبه، ولكن ما نوع التدريب الذي تقدّمه إليه؟ وما نتائجه وأثره في العمليّة التعليميّة؟

حين تقدّمت للتدريس في مدرسة دوليّة تنتهج نظام IB في الصين، كنت على ثقة من أنّني أمتلك الخبرة الكافية للتعليم بأيّ منهجيّة كانت؛ حيث عملت لأكثر من 10 سنوات في بلدي بين التعليم الخاصّ والحكوميّ في مدارس نعتبرها نموذجيّة على مستوى الوطن. إلّا أنّني وجدت نفسي أمام منهجيّة تعليم مختلفة تحتاج إلى فهم أعمق لها، تُعتبر خبراتك سلّمًا فقط للوصول إليها.

هنا كان الدور الكبير للزملاء المتنوّعين من أكثر من 14 جنسيّة في تعلّمي المهنيّ، وفهمي العميق من خلال جلسات التخطيط التعاونيّ، إضافة إلى جلسات التدريب وورش العمل الأخرى.

 

عندها، قارنت بين أثر التعلّم المهنيّ بالتدريب السنويّ النظريّ المكثّف في بداية العام لمواضيع عدّة مشتّتة، ولربّما تتكرّر كلّ سنة من دون جديد في مدرسة عملت بها سابقًا، وبين جلسات التخطيط وورش العمل الأسبوعيّة مع الزملاء، وعلى مدار العام، في مواضيع ممنهجة ومركّزة تطبّقها حالًا في الواقع التعليميّ في هذه المدرسة التي تقوم سياساتها على هذه المنهجيّة.  وأدركت الفارق الذي يكمن في أنّ التعلّم هنا ينبع من حاجات الواقع، وتطبّق مخرجاته لخدمة هذا الواقع، فتعمل على تطوير طلّابك على رغم تمايزهم. ومن ناحية أخرى، يعمل التعلّم على تطويرك المهنيّ كونك تجرّب ما تعلّمته وتقوم بمراجعته وتحديثه تعديلًا وتطويرًا بشكل مستمرّ.

التجربة تدور حول اجتماع أسبوعيّ لمعلّمي كلّ مرحلة مع إدارتهم بعد الدوام المدرسيّ، في يوم محدّد متعارف عليه طوال العام. يتنوّع بين ورش عمل لتعميق المعرفة، والتطبيق لأدبيّات ومعايير ومستجدّات التعليم للمرحلة، بما يعزّز أقلمتها على البيئة التعليميّة في المدرسة، وبين التخطيط المشترك بين جميع التخصّصات لبناء وحدات التعلّم وأنشطتها على مستوى كلّ صفّ دراسيّ. إضافة إلى التقييم المستمرّ للتقدّم العلميّ والمهاريّ والتربويّ للطلّاب، وإظهار نتائج التعلّم للمجتمع المدرسيّ.

 

الحماس وحجم الشغف نحو الأداء المهنيّ الذي تخلقه جلسات التخطيط التعاونيّ وورش العمل مع الزملاء في المؤسّسة، أكثر بكثير من غيره. هذا ما لمسته شخصيًّا، وتحدّث لي عنه بعض الزملاء، ودلّلت عليه الممارسات التربويّة في الواقع.

هذا الشعور نابع من التشارك في البيئة التعليميّة الواحدة، والصعوبات التربويّة المشتركة، والتمايز التعليميّ المتقارب. فإذا نقل إليك زميل تجربته، فهو ينقلها من الواقع المشترك أو لحالات مشابهة لها في بيئات مختلفة أخرى، بناء على فهم واضح للحالة أو المشكلة القريبة منه.

 

الجلوس مع زملاء من الممارسين التربويين المتنوّعين الذين اختبروا تجارب متعدّدة في بيئات تعليميّة مختلفة، وربّما لسنوات طويلة، وهم يختلطون مع ممارسين تربويين آخرين نقلوا إليهم تجاربهم أيضًا، هو جلوس مع كتلة كبيرة من الخبرات والمهارات والممارسات المهنيّة بإيجابيّاتها وسلبيّاتها. الأمر الذي سيمثّل لك كنزًا معرفيًّا ومهنيًّا ثمينًا، إن قدّرته ونهلت منه في مسيرة نموّك وتطورك المهنيّ.

حُزَم التعلّم من الزملاء في جلسات التخطيط التعاونيّ وورش العمل المشتركة، بحاجة إلى معايير لتعمّ فائدتها ويظهر أثرها؛ فنحن بحاجة إلى أن يكون السلوك التعاونيّ سائدًا بين الزملاء، لا ميدان للمنافسة؛ فالهدف الرئيس أن يدعم بعضنا البعض من خلال المشورة والملاحظة، من دون همز أو لمز أو إصدار أحكام. نبني على ما هو بنّاء، ونتبادل النقاش حول ما هو محلّ للنقاش.

كذلك ينبغي أن نتعامل مع بعضنا بوصفنا شركاء في التفكير، وأن نقدّر تجارب الآخرين ونحترم وجهات النظر المختلفة. وأن يكون لدينا حبّ للاستطلاع، وفضول لمعرفة ما لدى الآخرين، وكيف كانت تجاربهم في مسيرتهم المهنيّة. ما يجعلنا منفتحين على بعضنا البعض، وتكبر فينا روح العطاء.

 

هذه المعطيات التي قدّمتها والتي عشتها واقعًا ملموسًا في الميدان التربويّ لا مجرّد نظريات تحتاج إلى تجريب، تدفعني إلى تقديم توصياتي للإدارات التربويّة بالإسهام في خلق مثل هذه البيئة المليئة بالحبّ والتعاون والعطاء. ولتكونوا على ثقة من أنّ أثرها سيكون كبيرًا في العمليّة التربويّة في مؤسّساتكم التعليميّة. وهي مقدّمة أيضًا لكلّ الممارسين التربويين بأن نحرص على الإفادة من كلّ جلسات التخطيط التعاونيّ، وورش العمل المتبادلة بين الزملاء، وزيارات تبادل الخبرة؛ فهي تضاهي الكثير من الدورات الرسميّة أو تفوقها فائدة، إنّها بمثابة الأساس لنموّكم وتطوّركم المهنيّ.