على مدار أربع مباريات لعبتها الكونغو الديمقراطيّة في كأس أمم أفريقيا في نسخة 2025 المقامة في المغرب، وقف المشجّع الكونغوليّ كوكا مبولادينجا 90 دقيقة في كلّ المباريات، ثابتًا رافعًا يده مقلّدًا الزعيم الكونغوليّ باتريس لومومبا، ليتحوّل بعدها إلى حديث العالم والصحافة، مذكّرًا العالم بمأساة الاستعمار لبلاده ولأفريقيا وللشعوب التي ما زالت تحلم بالحريّة.
نجح هذا المشجّع في ترسيخ مفهومًا جوهريًا في التربية وهو: أنّ الحضور لا يقتصر على الوجود الفيزيائيّ، بل يتعدّاه ليصبح فعلًا رمزيًّا ومؤثّرًا.
وفي السياق التعليميّ الفلسطينيّ، حيث تواجه المدارس والفضاءات التعليميّة قيودًا متعدّدة - من الحصار المادّيّ والاجتماعيّ إلى العوائق النفسيّة والتاريخيّة - يمكننا استلهام هذه التجربة لإعادة تصميم الفعل التربويّ بحيث يكون حضورًا ومعنى لا مجرّد تعلّم رسميّ، ويصير ممارسة رمزيّة وحرّيّة معنويّة. وعليه يمكن تطوير آليّات صناعة الفعل التربويّ والمعنى على عدّة مستويات منها:
- الرمزيّة والتجسيد كأدوات حضور: كما جسّد مبولادينجا المناضل لومومبا عبر صمته وحضوره، يمكن للمعلّم والطالب في الصفّ أو في المجتمع أن يخلقا ممارسات تعليميّة رمزيّة. على سبيل المثال: مشاريع صغيرة أو أنشطة فنيّة أو قصصيّة أو مسرحيّة تحمل رموزًا للهويّة، يمكن أن تجعل التعلّم حاضرًا وملموسًا على رغم الحواجز، بخلق فضاءات تعليميّة حيّة، حيث تصبح كلّ حركة أو نشاط، أو مشروع تعليميّ بمثابة رسالة معرفيّة حضوريّة صامتة.
- السرديّة الفلسطينيّة بدورها منهجًا للحضور المعنويّ: تحويل الخبرة اليوميّة، والتاريخ الجماعيّ، والتجارب الفرديّة إلى سرديّات تعليميّة يخلق مساحة للحوار والمعنى، حيث لا يكون التعلّم مجرّد تلقّي معلومات، بل تفاعلًا حقيقيًّا مع الواقع. السرد الفلسطينيّ هنا يعمل كـجسر بين التحدّيات اليوميّة والفضاءات المعرفيّة، فيخلق حضورًا يتجاوز القيود المكانيّة والزمنيّة؛ فكلّ تجربة مجتمعيّة يمكن أن تتحوّل إلى فضاء تربويّ يُنمّي الوعي، ويقوّي الهويّة، ويخلق صلة بين الفرد والمجتمع.
- المنهج الخفيّ في صناعة الفعل غير المباشر: التعليم لا يقتصر على المنهج الرسميّ، بل يمتدّ إلى الممارسات الخفيّة والمبنيّة على التفاعل غير المباشر. مثلًا، الحوار الصامت، والأنشطة الصغيرة اليوميّة، أو مشاركة الطلّاب في التوثيق والبحث والتجريب، كلّها طرق لخلق فعل تربويّ يتجاوز القيود البنيويّة ويغرس المعنى بعمق. ويصبح التعليم فعل حضور وجوديّ، لا مجرّد نقل معرفة. يصبح خلق حضور معنويّ في قلب القيود.
- الإبداع والتكيّف آليّتان لمواجهة الحواجز: الفعل التربويّ يصبح أكثر قوّة حين يستثمر الإبداع والتفكير النقديّ والتكيّف الإيجابيّ لمواجهة العقبات. هنا، الحضور لا يكون مجرّد مقاومة سلبيّة، بل صناعة مساحات تعليميّة ديناميكيّة، حيث يسهم كلّ مشارك في تحويل التحدّيات إلى فرص للتعلم والتمكين.
- الفعل الجمعيّ والحضوريّ: مثلما أثّرت رمزيّة مبولادينجا في جمهور واسع، يمكن للمدرسة أو الفصل أن يتحوّلا إلى فضاء جماعيّ متداخل؛ حيث يصبح كلّ نشاط تعليميّ، مهما كان صغيرًا، رسالة حضور ومعنى يتجاوز العقبات، ويربط الفرد بالمجتمع والتاريخ والثقافة.
- الفعل التربويّ بوصفه فضاءً للمعنى والحريّة: في جوهره، الفعل التربويّ الفلسطينيّ، المستلهم من الرمزيّة والسرديّة والمنهج الخفيّ، هو خلق معنى في قلب الحصار. التعليم يصبح هنا وسيلة حضور وجوديّ وروحيّ ومعرفيّ، حيث تتلاقى الهويّة والوعي والإبداع والحرّيّة ضمن إطار تربويّ يتيح لكلّ فرد أن يكون شاهدًا ومشاركًا، ومبتكرًا للمعنى في زمن يعاني القيود المتعدّدة.
ختامًا، تُلهمنا تجربة (كوكا مبولادينجا ) وتعلّمنا أنّ الحضور والمعنى لا يتوقّفان عند الحدود المادّيّة. وباستثمار الرمزيّة السرديّة، والمنهج الخفيّ، يمكن للفعل التربويّ الفلسطينيّ أن يتحوّل إلى فضاء حضور، حاضن للهويّة، وصانع للمعنى، حتّى في أقسى الظروف.


