في غزّة، لم يعد الفقد يقتصر على البيوت المهدّمة ولا على الأرواح الغائبة، بل امتدّ إلى الصفوف الصامتة والكتب المغبرّة والطفولة التي كبرت قبل أوانها. وما يُعرف لدينا بـالفاقد التعليميّ، يمثّل وجهًا آخر من وجوه الألم، لا يُقاس بعدد الدروس التي لم تُشرح، بل بعدد الأحلام التي توقّفت عند حرف لم يُكمل جملته، ودفترٍ لم يُغلق بعد، وكلام لم يكتمل معناه.
الطفل في غزّة لا يفقد درسه فقط، بل يفقد إيقاع الحياة الطبيعيّة التي تتيح له أن يتعلّم بثقة وطمأنينة. حين تغيب المدرسة، يغيب معها صوت الصباح، وحركة الأصدقاء، ولحظة رفع اليد للإجابة، ودفء التفاعل الإنسانيّ الذي لا يُعوَّض بشاشة أو ملزمة، بل يصبح التعلّم محاولة شاقّة لاستعادة معنى اليوم، ولإقناع الذات بأنّ الغدّ ما يزال ممكنًا.
الفاقد التعليميّ في غزّة ليس مجرّد فجوة معرفيّة كما تصفه التقارير التربويّة، بل فجوة في التجربة الإنسانيّة ذاتها، إنّه انقطاع في خيط الحلم بين جيل يحاول أن يتعلّم، وواقع لا يسمح له بأن يحلم. فما الذي يعنيه أن يعود الطالب بعد شهورٍ من الانقطاع إلى مقعدٍ مهترئ، محاطًا بذاكرة خوفٍ وصورٍ لا تفارقه؟ كيف يمكن أن تُستعاد القدرة على التركيز في مكانٍ لم يَعُد يشعر بالأمان؟
ومع ذلك، وسط هذا الخراب، تنبت محاولات صغيرة تُعيد للمعرفة صوتها: معلّمون يتجوّلون بين الملاجئ بسبّوراتٍ متنقّلة، وطلّاب يعقدون حلقات تعلّمٍ في الخيام، وأمّهات يدرّسن أبناءهنّ بما تبقّى من ذاكرة الدروس. إنّها مبادراتٌ إنسانيّةٌ تُعيد بناء التعليم من الأسفل، من الإرادة لا من النظام، ومن التضامن لا من التعليمات.
لكنّ السؤال الأعمق يبقى: هل يمكن فعلًا استعادة ما فُقد؟
ربّما لا نستطيع أن نعيد كلّ الدروس، ولا أن نسترجع كلّ ما سُلب من ذاكرة الطفولة، لكن يمكننا أن نعيد للتعلّم روحه، وأن نحوّل الفقد إلى دافع لا إلى عجز. فإذا أُدير الفاقد التعليميّ بعقلٍ تربويّ وبروحٍ إنسانيّة، قد يصبح نقطة انطلاقٍ نحو فلسفة تعليمٍ جديدة، أكثر وعيًا بقدرة الإنسان على النهوض من بين الرماد.
التعليم في غزّة اليوم ليس مشروعًا لتدارك ما فات فحسب، بل مشروعُ وعيٍ جماعيّ، لتثبيت معنى الحياة أمام جيلٍ يرى في كلّ قلمٍ معجزة. إنّهم لا يدرسون كي ينجحوا في امتحان، بل كي ينتصروا على فكرة النهاية نفسها. وبين دفاترِهم الممزّقة، تُكتب فصول جديدة من الصمود، وفلسفة تعليمٍ لا تُقاس بالنتائج، بل بالقدرة على الإصرار على التعلّم بالرغم من الفقد والخوف والغياب.


