جورجينا الروّاد- معلّمة رياضيّات- الأردن
جورجينا الروّاد- معلّمة رياضيّات- الأردن
2026/01/24

ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتكِ إلى التعليم؟

لم يعد التعليم مجرّد وسيلة لاكتساب المعرفة الأكاديميّة، إذ غيّرت الحروب والأزمات المختلفة في العالم العربيّ نظرتي إلى التعليم بشكل كامل. أدركت أنّ التعليم يجب أن يكون قادرًا على التكيّف مع الظروف الصعبة، ومرنًا، ويركّز على المرونة النفسيّة لدى الطلّاب. إضافة إلى تنمية المهارات الحياتيّة لديهم ولا يركّز فقط على المناهج الدراسيّة التقليديّة.

 كما بات واضحًا أنّ التعليم يمكن أن يكون ملاذًا للطلبة في أوقات النزاع، ومساحة لتنمية القدرة على الصمود وحلّ المشكلات والتنمية والأمل. ولم تعد النظرة إلى التعلّم محصورة بالغرفة الصفّيّة وحدها، بل تعدّت ذلك إلى أنواع تعليم مختلفة مثل التعليم الدامج، والتعليم أونلاين وتعليم المنصّات، ودخول التكنولوجيا بشكل فاعل ردّةَ فعل على هذه الحروب والأزمات؛ ما استدعى مواكبة كلّ ما هو جديد في التعليم باستخدام الذكاء الاصطناعيّ، لتلبية احتياجات الطلبة وميولهم ورغباتهم، مثل استخدام برامج زووم وتيمز وكاهوت وغيرها من البرامج التي أصبحت ملاذًا للمعلّم والطلبة.

 

ما الذي تتمنّين لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ ولماذا؟

مع التقدّم العلميّ والتكنولوجيّ والذكاء الاصطناعيّ، أتمنّى على صنّاع القرار أن يعلموا أنّ المعلّمين ليسوا مجرّد ناقلين للمعلومات، بل قادة تربويّون ومربّون اجتماعيّون ونفسيّون. في الوقت الحالي، نتعامل مع تحدّيات لم تكن موجودة سابقًا، مثل الأوبئة كما حدث في فترة كورونا، وآثار الصراعات والضغوطات الاقتصاديّة والتأثير المتزايد للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعيّ.

نحن المعلّمين الآن نحتاج إلى دعم أكبر. أولًا اقتصاديّ، ثم دعم أكبر في التنمية المهنيّة المستمرّة في توفير الموارد الكافية.

نحتاج بدورنا إلى تقدير أكبر لجهودنا، وأن يفهم القياديّون والمسؤولون عن عمليّة التعليم أنّ مهنة المعلّم تتجاوز تدريس المنهاج؛ فإلى جانب كونه مربّيًا لأجيال، ويبذل قصارى جهده ليصل الطلبة بوظائفهم المستقبليّة مثل الطبّ والهندسة والمحاماة وغيرها، المعلّم أيضًا له حياته الخاصّة، وله الحقّ أن تلبّى احتياجاته وميوله، وأن نوفّر له البيئة النفسيّة المناسبة التي تعود بالفائدة على الوطن وعلى الطلبة.

نريد أن تتاح لنا فرصة المشاركة بشكل فعّال في صياغة السياسة التعليميّة، فخبرتنا الميدانيّة لا تقدّر بثمن. وأتمنّى دائمًا أن تكون لنا مشاركات في السفر لتبادل الخبرات التعليميّة كأن يتمّ اختيار المعلّمين المتميّزين والخبراء لتبادل الخبرات في بلدان مختلفة تشتهر بالتعليم المتميّز.

 

هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟

لا لم يعد الكتاب المصدر الأساسيّ الوحيد للتعليم في الصفوف المدرسيّة.  وعلى رغم أهمّيّة دوره مصدرًا للمعلومات والمعرفة وتنمية التفكير واطّلاع الطلبة، إلّا أنّي أدمج الكثير من المصادر أثناء تعليمي الطلبة، وذلك يعود إلى متطلّبات العصر؛ حيث التركيز في هذه الفترة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعيّ.

عند الاكتفاء بالمنهاج فقط، تحدث فجوة بين متطلّبات العصر وما يتعلّمه الطلبة. من هنا، أدمج العديد من المصادر، وأوجّه طلبتي في هذه الفترة إلى البحث العلميّ؛ فمن المنهاج نختار معلومات تكون مميّزة، وتحتاج إلى التعمّق في البحث. أطلب من الطالبات في مبادرة اسمها الباحثة الصغيرة في الرياضيّات أن تبحث عن هذه المعلومات من مصادر مختلفة، مع متابعة لأمان هذه المصادر للحصول على المعلومات، وأركّز على ذكر أسماء المصادر لتنمية حسّ الأمانة لديهم. ونعمل دائمًا على مواكبة كلّ ما هو جديد في التكنولوجيا، مثل برمجيّة جيوجبرا وبرمجيّة ماتسولف وموقع كاهوت. وأركّز أيضًا على الذكاء الاصطناعيّ وجميع برامج الرياضيّات التي يخدمها الذكاء الاصطناعيّ.

 من هُنا نلاحظ أنّ الكتاب لم يعد المصدر الأوّل والأساسيّ للطلبة، بل هو معرفة ضروريّة تتفرّع منها مصادر تَعلّم تلبّي احتياجات الطلبة ورغباتهم وتحاكي عصرهم. من بينها: المقالات الرقميّة، ومقاطع الفيديو التعليميّة، والمشاريع البحثيّة، والزيارات الميدانيّة. ومن الأمثلة عليها:

 بعد ملاحظتي رغبة الطالبات في القراءة، شجّعتهنّ على الزيارات الميدانيّة للمكتبة. وأيضًا لأهمّيّة الذكاء الاصطناعيّ، قمنا بزيارة قاعات الذكاء الاصطناعيّ في جامعة آل البيت، لاطّلاع الطالبات بشكل مباشر على نماذج وقدوات من الطلبة المميّزين في مركز الإبداع والابتكار في الجامعة في ما يخصّ الذكاء الاصطناعيّ.

أركّز على المناقشات التفاعليّة، إذ يساعد النقاش على التفكير النقديّ الذي يعتبر شعاعًا يوجّه الطلبة إلى حلّ المشكلات واتّخاذ القرارات اللازمة. هذا التنوّع يساعد على تلبية أنماط التعلّم المختلفة، ويجعل العمليّة التعليميّة أكثر جاذبيّة ومرونة، ويهيّئ الطلّاب للتعامل مع تدفّق المعلومات المتعدّد في يومنا هذا.

 

هل سبق وفكّرتِ بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلكِ تبقين؟

نعم، فكّرت بالاستقالة من مهنة التدريس أكثر من مرّة، خصوصًا في الفترات التي تزداد فيها الضغوط المهنيّة. أو عندما أشعر بالإرهاق وقلّة التقدير. ما جعلني أبقى كان الشغف برؤية الطلّاب يتعلّمون وينمون، إضافة إلى الشعور العميق بالمسؤوليّة تجاه مستقبلهم.

لحظات الإنجاز الصغيرة في الصفّ، وابتسامات الطلّاب، وكلمات الشكر من أولياء الأمور، كلّها تعطيني طاقة إيجابيّة لأستمرّ. كما أنّي أؤمن بأنّ هذه المهنة رسالة نبيلة تؤثر بشكل مباشر في بناء المجتمعات.

 

ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟

في عصر الذكاء الاصطناعيّ، لم يعد مجرّد حفظ المعلومات كافيًا. بل يجب أن ندرّب المتعلّم على المهارات الآتية:

التفكير النقديّ والمقدرة على تحليل المعلومات واتّخاذ القرارات وحلّ المشكلات، الإبداع والابتكار وإيجاد حلول مبتكرة والقدرة على توليد الأفكار، العمل الجماعيّ بفاعليّة، والتعبير عن الأفكار بوضوح، إضافة إلى القدرة على اكتساب مهارات جديدة والتكيّف مع التغيّرات التكنولوجيّة والمهنيّة، وفهم كيفيّة استخدام التكنولوجيا بشكل مسؤول وأخلاقيّ. مع التركيز على أهمّيّة محو الأميّة الرقميّة والأخلاقيّة، وإدراك الخصوصيّة والأمن السيبرانيّ والمرونة والمقدرة على التكيّف.

 

ما أهمّ استراتيجيّاتكِ في شدّ انتباه المتعلّمين؟

يشدّ انتباه المتعلّمين أن أقوم بإتباع عدّة استراتيجيّات. منها ربط المحتوى الدراسيّ بحياة الطلّاب اليوميّة وتجاربهم. إضافة إلى استخدام الأنشطة الجماعيّة والألعاب التعليميّة والمناقشات المفتوحة التي تتطلّب مشاركتهم بفاعليّة.

كما أنوّع في أساليب التدريس، مثل استخدام مقاطع الفيديو وقصص النجاح والأسئلة المثيرة للتفكير، والتنقّل بين الشرح المباشر واستخدام الوسائط المتعدّدة. لمواكبة رغباتهم، أستخدم في الشرح الذكاء الاصطناعيّ؛ حيث يمكن من خلاله أن تتوصّل الطالبات إلى معرفة المفاهيم الأساسيّة، ما يزيد من تفاعلهم، ولا سيّما عند طرح أسئلة مفتوحة تتطلّب منهم التفكير بعمق.

 أستخدم الفكاهة المناسبة في الوقت المناسب لخلق جوّ مريح وممتع؛ إذ لا تخلو الحصص لدي من عصف ذهنيّ يكون محوره عمليّات حسابيّة بسيطة، أو نكتة في الرياضيّات تقوم الطالبات بإعدادها مسبقًا وعرضها على زميلاتهنّ بجوّ لا يخلو من المرح والمتعة.

 

هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟

من وجهة نظري تعبير ضبط الصفّ غير مناسب تمامًا في سياقه التقليديّ الذي يوحي بالشدّة والسيطرة. وأفضّل استخدام تعابير مثل تنظيم التعليم، وإدارة البيئة الصفّيّة، ومجتمع التعليم الإيجابيّ، هذه المصطلحات تركّز على خلق بيئة محفّزة ومنظّمة تسمح بالتعلّم الفعّال، وتشجّع على الانضباط الذاتيّ، والاحترام المتبادل، وتحمّل المسؤوليّة، بدلًا من فرض النظام بالقوّة؛ فالهدف بناء علاقات إيجابيّة مع الطلّاب، وتشجيعهم على أن يكونوا جزءًا فعّالًا من عمليّة التعلّم.

تفضّل أيضًا مشاركة الطلبة في اختيار التعبير المناسب البديل عن ضبط الصفّ. إذ مشاركتهم وتمكينهم هو ما تدعو إليه الآن إنسيتي(NCTE- National Council of Teachers of English) في مؤتمرها الأخير، حيث دعت إلى تمكين الطلبة وسيطرتهم على عمليّة التعليمK ما يحفز لديهم الدافعيّة الداخليّة إلى التعلّم، والدافعيّة هي سرّ الرغبة الكامنة في التعليم.

 

ما الذي يجعلك تضحكين في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ ولماذا؟

ما يجعلني أضحك في المدرسة، على الرغم من الضغوط، هو بساطة وعفويّة الطلبة. أحيانًا تصدر منهم مواقف أو تعليقات طريفة جدًّا وغير متوقّعة، أو يرتكبون أخطاء بريئة ومضحكة، أو يطرحون أسئلة في منتهى البراءة والعفويّة. هذه اللحظات الخالية من التعقيدات تكسر روتين اليوم، وتذكّرني بجمال البراءة والعفويّة في الحياة، وتساعدني على تخفيف التوتّر واستعادة الطاقة الإيجابيّة.

 

أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأتِه في صفّحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟

أكثر مقال اعجبني هذه الفترة هو "نظام الثانويّة العامّة :معيار للعدالة أم سبب للضغوط النفسيّة". أعجبني هذا المقال لأنّه تناول قضيّة محوريّة تمسّ حياة كلّ طالب ومعلّم وأسرة في مجتمعنا. لم يكتف هذا المقال بطرح المشكلة في أبعادها المختلفة ، بل ركّز على الجانب الإنسانيّ والنفسيّ. بالنسبة إلّي، أرى يوميًّا تأثير هذا النظام في الطلّاب نفسيًّ،ا ما يؤدّي إلى الضغط على صحّتهم العقليّة وجودة حياته،م وهو ما يتجاهله الكثيرون عند مناقشة الأنظمة التعليميّة. ويعبّر أيضًا المقال عن هواجس وتحدّيات حقيقيّة أعيشها وأشاهدها في البيئة المدرسيّة. وأيضًا أعجبتني في هذا المقال المقدرة على تشخيص مشكلة عميقة ومعقّدة بأسلوب متوازن، وتركيزه على الأبعاد النفسيّة التي غالبًا ما تهمل.

 أتمنّى إعادة التفكير في فلسفة نظام الثانويّة العامّة ككلّ. إضافة إلى التفكير بطول المرحلة الدراسيّة بالنسبة إلى الطلبة، إذ لم يعد لسنوات الدراسة الطويلة جدوى كما كان في السابق مع التقدّم العلميّ والتكنولوجيّ.  أصبحت بعض الدورات تحقّق أهداف سنوات الدراسة الطويل. من وجهة نظري يجب أن نقلّص المراحل الدراسيّة؛ لأنّه من حقّ الطلبة إنهاء دراستهم في فترات أقلّ، وذلك للاندماج في مواقف حياتيّة تلبّي احتياجاتهم، ويكون لديهم الوقت الكافي لتحقيق النجاح والمتعة في الحياة.