في عالمٍ يتسارع فيه التغيير، ويزداد فيه الضغط الأكاديميّ على المعلّمين والطلّاب على حدّ سواء، تظهر الحاجة إلى استراتيجيّات تعليميّة ترتكز على الجانب الإنسانيّ، وليس فقط على الأداء والتحصيل.
ومن بين هذه الاستراتيجيّات تبرز "استراتيجيّة التعليم بالحبّ"، التي تمثّل توجّهًا تربويًّا جديدًا يهدف إلى إعادة بناء علاقات قائمة على الاحترام والتعاطف والدعم النفسيّ، ما ينعكس إيجابًا على جودة التعليم والتعلّم.
مفهوم التّعليم بحبّ
التعليم بحبّ لا يعني فقط الموّدة أو العاطفة المجرّدة، بل هو نهجٌ تربويّ يتجلّى في المعاملة الإيجابيّة، والتّفهم والصبر، والاعتراف بقيمة كلّ متعلّم بوصفه إنسان. إنّه تبنٍّ لأسلوب تعليميّ يرى الطالب كائنًا متكاملًا له احتياجات معرفيّة ووجدانيّة واجتماعيّة.
مرتكزات استراتيجيّات التعليم بحبّ
1. العلاقة الإنسانيّة:
المعلّم في هذه الاستراتيجيّة لا يفرض السلطة، بل يبني جسورًا من الثقة مع طلّابه، ويعمل على تهيئة بيئة يشعر فيها الطالب بالأمان والقبول.
2. التحفيز الداخليّ لا الخارجيّ فقط:
التعليم بحبّ يشجّع الطلّاب على التعلّم من منطلق الشغف والفضول، لا من أجل الحصول على الدرجات فقط. المعلّم يساعد الطالب على اكتشاف الدافعيّة الذاتيّة إلى التعلّم.
3. التعاطف والتفهّم:
المعلّم يتفهّم ظروف الطالب المختلفة ومنها: الاجتماعيّة والنفسيّة، أو حتّى الصعوبات التعليميّة، ويتعامل معها برحابة صدر من دون إصدار أحكام قاسية أو فرض عقوبات مختلفة.
4. التقدير والاحتواء:
الاعتراف بجهود الطلّاب مهما كانت بسيطة، وإظهار التقدير الحقيقيّ لهم، يسهم في بناء تقديرهم لذواتهم وثقتهم في قدراتهم.
فوائد استراتيجيّة التعليم بحبّ
1. تعزيز الدّافعيّة الداخليّة إلى التعلّم:
- - الطلّاب يشعرون بالقبول والدعم، ما بزيد رغبتهم في المشاركة والتعلّم.
- - يتعلّم الطالب بدافع الحبّ للمعرفة، لا الخوف من العقاب.
2. بناء علاقة قويّة بين المعلّم والطالب:
- - الاحترام المتبادل يولّد الثقة بين الطرفين.
- - الطالب يشعر بأنّ المعلّم يهتم به فردًا، لا مجرّد متلقٍّ للمعلومة.
3. تحسين التحصيل الأكاديميّ:
- - بيئة آمنة ومحبّة تساعد الدماغ على التركيز والاستيعاب.
- - انخفاض مستويات التوتّر ما يعزّز القدرة على الحفظ والفهم.
4. تنمية المهارات الاجتماعيّة والعاطفيّة:
- - التعليم بحبّ يغرس القيم الأخلاقية ومنها: التعاون والتسامح والتّعاطف.
- - الطلّاب يتعلّمون احترام الآخر والتّفاعل الايجابيّ مع الزملاء.
5. خلق بيئة صفّيّة ايجابيّة:
- - تخّف حدّة السلوكيّات العدوانيّة والشغب.
- - يعمّ الصفّ جوّ من الهدوء والانضباط الطبيعيّ، لا المفروض بالقوّة والخوف من العقاب.
6. دعم الصحّة النفسيّة للطلّاب:
- - يشعر الطلّاب بالأمان العاطفيّ والدعم النفسيّ.
- - يقلّ الشعور بالوحدة أو القلق أو التوتّر والفشل.
7. تشجيع الإبداع والتفكير والرأي الحرّ:
- - المعلّم المحبّ لا يحكم، بل يحتضن الأفكار الجديدة ويطوّرها.
- - الطلّاب يبدعون حين يشعرون أنّهم مقبولون حتّى لو أخطؤوا.
8. الحدّ من التسرّب المدرسي:
- - الطلّاب يحبّون المدرسة لأنّها بيئة محبّبة ومشّجعة.
- - تقلّ معدلات التسرّب أو التغيّب أو الهروب.
ممارسات تساعد على تطبيق التعليم بحبّ
- - استخدام عبارات تشجيع ودعم.
- - الإنصات إلى الطلّاب باهتمام واحترام.
- - مراعاة الفروقات الفرديّة.
- - التّعامل مع الأخطاء بروح تربويّة لا تأنيبيّة.
- - الاحتفال بنجاحات الطلّاب، ولو كانت بسيطة.
التعليم بحبّ في ظل التحوّل الرقميّ
حتّى في بيئات التعلّم من بعد، يمكن تطبيق استراتيجيّة التعليم بحبّ بـ:
- - فتح كاميرا المعلّم للطلّاب لبناء تواصل بصريّ.
- - مناداة الطالب باسمه وتخصيص وقت للإصغاء إليه.
- - إرسال رسائل نصيّة شخصيّة تشجيعيّة في التعلّم الإلكترونيّ.
- - تنظيم لقاءات افتراضيّة غير رسميّة لتعزيز الروابط الإنسانيّة.
التحدّيات التي قد تواجه تطبيق هذه الاستراتيجيّة
على الرغم من مزايا التعليم بحبّ، إلا أنّ هناك بعض التحدّيات ومنها:
1. الضغط الوظيفيّ الكبير على المعلّمين قد يجعلهم يفتقرون إلى الصبر أو الطاقة العاطفيّة.
2. عدم دعم بعض الإدارات المدرسيّة لمثل هذه التوجهات أو الاستراتيجيّات، واعتبارها "ضعفًا في الإدارة الصفيّة".
3. قلّة الوعي بالتربية الوجدانيّة لدى البعض، ولا سيّما في البيئات التعليميّة التقليديّة.
ولمواجهة هذه التحدّيات يُقترح ما يأتي:
- - عقد دورات تدريبيّة للمعلّمين حول الذكاء العاطفيّ في التعليم.
- - إعادة النظر في السياسة التنظيميّة للإدارة الصفيّة ووضع مقترحات تتناسب مع المراحل العمريّة للمتعلّمين.
- - دمج التربية القيميّة في مناهج إعداد المعلّمين.
استراتيجيّة التعليم بحبّ ليست ترفًا تربويًّا، بل حاجة ملّحة في عالم تتزايد فيه التحدّيات النفسيّة والاجتماعيّة. هي دعوة إلى العودة إلى جوهر التعليم وأُسسه ألا وهي "بناء الإنسان". عندما يُعلّم المعلّم بحبّ، يتعلّم الطالب بشغف. وحين تسود المحبّة داخل الصفّ، يتحوّل التعليم من مهمّة روتينيّة إلى رسالة مؤثّرة في حياة الأفراد والمجتمعات وذات بُعد إنسانيّ واجتماعيّ.


