البداية
نشأتُ في أسرة كانت فيها الأمّ معلّمة، لتكون معلّمتي الأولى، التي ربّت أبناءها على العلم والتعلّم والاحترام والتقدير.
التجربة العمليّة
درستُ تخصّصًا تربويًّا يُحاكي الجوانب الفنيّة والانفعاليّة والاجتماعيّة لدى الطلبة. وعلى رغم خضوعي لتدريبٍ ميدانيّ تطبيقيّ داخل الغرفة الصفّيّة، إلا أنّي وجدتُ اختلافًا شاسعًا بين ما يُقال في المحاضرات، وبين ما هو مكتوب في الكتب والمراجع، وما يدور على أرض الواقع في الغرفة الصفّيّة.
فالغرفة الصفّيّة تختلف من بيئة إلى أخرى، ومن مرحلة إلى أخرى، بل ومن سنة إلى سنة. لا ثبات في أحوال الطلبة أو أهوائهم أو اهتماماتهم.
وهذا يتطلّب من المعلّم/المعلّمـة تحمُّل أعباء كثيرة، لا يدركها الطالب الجالس على مقعدٍ خشبيّ، والذي قد يظن أنّ المعلّم لا يتفهّم ما يمرّ فيه من ظروف.
المعلّم - يا سادة - ليس ملاكًا، لكنّه يحاول مجاراة الصعوبات وتطويعها أمام واجباته التعليميّة والتربويّة والإنسانيّة. فالغرفة الصفّيّة تحتاج إلى طاقةٍ كبيرة من الصبر والتحمّل والعطاء والأهمّ: التفهّم والتقبُّل.
ملاحظة الطلبة ليست أمرًا سهلًا، ومراقبة سلوكيّاتهم داخل الغرفة الصفّيّة وخارجها مسؤوليّة كبيرة.
المعلّم الإنسان
ما لا يعرفه المجتمع هو أنّ مدارك المعلّم تتّسع، وأنّه يزداد خبرةً بالحياة بتعامله مع الطلبة، وأولياء الأمور، والمجتمع.
تنمو في داخله مشاعر نبيلة، يُسخّرها لتوجيه الطلبة، ومحاولة تحسين حياتهم لتكون أفضل من حياته،
فيجد في نجاحهم انتصارًا له، وفخرًا لا مثيل له. ورصيدًا لا ينفد، ووصالًا يُفرح قلبه وإن تعب.
ثمار التعب
وما يُفرحني اليوم أن أرى نجاحات طالباتي. وإن أخفقتُ مع بعضهنّ، ولم أنجح في تفهُّم حالتهنّ، فإنني أشعر بالذنب.
لكن أن أجد طالباتي اليوم معلّمات يعِشن ما عشته، ويشعرن بالتعب والتحمّل الذي عانيته، فهو أمر يستحقّ كلّ التعب، ويجلب السعادة.
انتقال الراية بين الأجيال، وأن تصبح الطالبة معلّمة، يعني أنّنا نحاول تنشئة جيلٍ واعٍ، وننشر الوعي بأهمّيّة التعليم، خصوصًا للفتيات.
أنا مدينة لطالباتي بالكثير، وإن ابتعدتُ عن الغرفة الصفّيّة وانتقلتُ إلى وظيفة الإشراف التربويّ، فما زلتُ أُكنّ كلّ التقدير لكلّ زميلٍ وزميلة، يقدّمون لطلبتهم العلم والمحبّة والاهتمام.
رفقًا بالمعلّم… فأدواره كثيرة وملهمة.


