تعدّ الشموليّة واحدة من أهمّ أهداف التعليم الحديث الذي يشهد في عصرنا تحوّلًا رقميًّا نوعيًّا نتيجة انتشار أدوات الذكاء الاصطناعيّ وتوظيفها. ولعلَّ من أهمّ ما يميّز تلك الأدوات، قدرتها على توفير محتوى تعليميّ، وتقنيّات تفاعليّة وشخصيّة تتناسب واحتياجات المتعلّمين؛ بما يعزّز مفهوم التعليم الشامل.
وقد عُنيت جميع المنظّمات الدوليّة مثل: منظّمة اليونسكو (UNESCO)، ومنظّمة الأمم المتّحدة (UN)، ومنظّمة التعاون الاقتصاديّ والتنمية (OESD)، بالتركيز في مواثيقها على مفهوم الشموليّة بوصفه مبدأ أخلاقيًّا تجب مراعاته عند توظيف الذّكاء الاصطناعيّ وتطبيقه في التعليم؛ بما يضمن تمكين المتعلّمين.
ويقصد بالتعليم الشامل: تمكين المتعلّمين جميعهم من أصحاب الاحتياجات الخاصّة، أو ممّن يواجهون صعوبات تعلّم أو حرمان من فرص تعليم تقليديّة، من الوصول إلى محتوى تعليميّ عالي الجودة.
وفي هذا الإطار نجد أنَّ مثياق المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) لأخلاقيّات الذكاء الاصطناعيّ، أحدث ميثاق أُصدر في ميدان الأطر الأخلاقيّة لتوظيف الذكاء الاصطناعيّ في التعليم، والتي تحرص على التعليم الشامل؛ يهدف إلى توجيه توظيف أدوات الذكاء الاصطناعيّ بطريقة أخلاقيّة. فيقدّم إطارًا توجيهيًّا للمعنيّين ولصانعي السياسات والممارسات التعليميّة، يشتمل على مبادئ وقيم واضحة توجّه السُّلوك البشريّ لضمان العدالة والشفافيّة والاحترام، وعدم التَّمييز. الأمر الذي يعني استخدامًا مسؤولًا وعادلًا لأدوات الذكاء الاصطناعيّ في التعليم، والّذي ينعكس على نوعيّة التعليم، ويرفع من جودته، ويحقق استدامته، ويعزّز مبادئ العدالة، ويضمن التعليم الشامل، ويحمي حقوق المتعلّمين ويدعمهم للحصول على فرص تعلّمٍ متكافئة، مع مراعاة القيم التربويّة والثقافيّة في المنطقة العربيّة، وفي ضوء المواثيق والمعايير الدوليَّة.
-
1. توظيف الذكاء الاصطناعيّ في التعليم الشامل
يُمكن للذكاء الاصطناعيّ أن يعزّز التعليم الشامل بالوسائل الآتية:
- - التَّعلم الشَّخصيّ: تصميم مسارات تعليميّة مخصّصة لكلّ متعلّم حسب مستوى فهمه، وسرعة تعلّمه.
- - الوصول المتعدّد إلى الوسائط: استخدام الصَّوت والنّصوص والفيديو، لدعم المتعلّمين ذوي الاحتياجات الخاصّة.
- - تحليل البيانات التربويّة: متابعة أداء المتعلّمين، وتقديم تغذية راجعة فوريّة. ما يتيح دعمًا متواصلًا للمتعلّمين المحتاجين إلى المساندة.
- - توسيع فرص التعلّم: تجاوز القيود المكانيّة والزمانيّة بالمنصّات الرقميّة التفاعليّة.
2. الأطر الأخلاقيّة وفق ميثاق "الألكسو" لتوظيف الذكاء الاصطناعيّ بما يحقّق التعليم الشامل
يسلّط ميثاق "الألكسو" الضوء على تطبيق المبادئ الآتية:
- - العدالة والمساواة: ضمان عدم تمييز أيّ متعلّم أو تعرّضه إلى تحيّز، تحديدًا الفئات المهمّشة، بما في ذلك ذوي الاحتياجات الخاصّة.
- - الشفافيّة، والقابليّة للتفسير والتدقيق: وضوح آليّات عمل أدوات الذكاء الاصطناعيّ للمتعلّمين والمعلّمين على حدٍّ سواء؛ ما يتيح فهم كيفيّة اتّخاذ القرارات من ناحية التعلّم الشخصيّ أو إدارة العمليّة التعليميّة.
- - الخصوصيّة، والبيانات الشخصيّة: التعامل الآمن مع البيانات الشخصية للمتعلّمين، ومنع الوصول غير المصرّح به أو إساءة استخدام المعلومات الشخصيّة بما يضمن عدم التمييز.
- - الاستدامة التربويّة: توظيف الذكاء الاصطناعيّ لدعم التعلّم طويل الأمد، وليس فقط لتسهيل الأنشطة المؤقّتة.
- - الشموليّة، وعدم التحيّز: تصميم أنظمة ذكاء اصطناعيّ خالية من التحيّز، بغضّ النظر عن القدرة على التعلّم، أو الوضع الاقتصاديّ والاجتماعيّ.
3. التحدّيات والحلول
يواجه المعنيّون والمؤسّسات التعليميّة تحدّيات عديدة تعيق تطبيق الذكاء الاصطناعيّ بصورةٍ شاملة، مثل:
- - الفجوة الرقميّة والتقنيّة: نقص البنية التحتيّة، مثل ضعف شبكة إنترنت، ونقص الحوسبة السحابيّة، أو عدم توافر الأجهزة اللازمة للمتعلّمين.
- - الفجوة الاقتصاديّة: غياب الموارد أو عدم عدالتها قد تضع المتعلّمين في المؤسّسات التعليميّة داخل البلد الواحد أو بين البلدان المتعدّدة أمام تحدّيات تمنع تكافؤ الفرص.
- - الفجوة المعرفيّة: الحاجة إلى تطوير الكفاءات البشريّة بتدريب المعلّمين؛ لضمان استخدام أمثل للتقنيّات من دون المساس بالأهداف التعليميّة.
- - التحيّز: يؤدّي التحيّز الخفيّ في الخوارزميّات الناتج عن تصميم أنظمة الذّكاء الاصطناعيّ أو تدريبها إلى أحكامٍ مُسبقة غير عادلة.
- - غياب الإطار القانونيّ: ضعف البيئة القانونيّة من ناحية غياب التشريعات والتنظيمات التي تحمي خصوصيّة الأفراد وبياناتهم الشخصيّة والحسّاسة.
في سياق ما ذكرناه، نجد ضرورة تطوير سياسات واضحة لتطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعيّ ونشرها، وتدريب المعلّمين، ومراقبة الخوارزميّات ومراجعتها، وتقليص الفجوات بمختلف أنواعها، لضمان الوصول العادل للمتعلّمين، وتقديم الدعم المستمرّ لهم، ووضع قوانين وتشريعات مؤسّساتيّة تلتزم بالاستخدام الآمن للبيانات وحماية الخصوصيّة؛ ليكون الذكاء الاصطناعيّ أداة تدعم التعليم الشامل وتحقّقه.


