ريم خالد البيكاوي - منسّقة لغة انجليزيّة - قطر
ريم خالد البيكاوي - منسّقة لغة انجليزيّة - قطر
2026/01/08

ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتكِ إلى التعليم؟

على رغم أنّ العالم العربيّ يمرّ منذ زمن طويل بصراعات وأزمات متلاحقة، إلّا أنّ إيماني بأهمّيّة التعليم لم يتزعزع. بل على العكس، زادتني هذه الأزمات قناعة بأنّ التعليم هو السلاح الأنجح في مواجهة الجهل والفقر والتطرّف. نعم، تغيّر التعليم في نظري؛ فلم يعد مجرّد نقل للمعرفة، بل أصبح أداة للإنقاذ، ووسيلة للنهضة. لقد أدركت أنّ التعليم في أوقات الأزمات ليس ترفًا، بل طوق نجاة يحمي العقول، ويمنح الأمل على رغم كلّ شيء.

حتّى في ظلّ غياب الموارد وتحت وطأة الحروب، يبقى شغف الإنسان بالتعلّم أقوى من الظروف. رأيت كيف تتحوّل المدارس إلى ملاذات نفسيّة، والمعلّم إلى مرشد وملهم، وكيف يصبح التعليم مرنًا وشموليًّا، ومعزّزًا للهويّة والكرامة. رسّخت هذه التجارب قناعتي بأنّ التعليم هو السبيل الأصدق لبناء الإنسان، وتمهيد الطريق نحو السلام والتعافي الحقيقيّ.

ما الذي تتمنّين لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ ولماذا؟

أتمنّى أن يُدرك صانعو القرار حجم التحدّيات التي يواجهها المعلّم اليوم، لا سيّما في ظلّ تسارع التقنية، وضغط المخرجات، وتعدّد الأدوار المتوقّعة منه. كنت قد نشرت في مقالتي السابقة حول "تنمية الكفايات الرقميّة ومهارات إدارة المعرفة لدى المعلّمين"، وقد شدّدت فيها على أهمّيّة تمكين المعلّم لا تحميله المسؤوليّة فقط، وتوفير الدعم المهنيّ الحقيقيّ له، ليبقى عنصر القوّة لا الحلقة الأضعف في منظومة التعليم.

هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟

أؤمن بأنّ للكتاب المدرسيّ رونقه الخاص؛ فنحن وأجدادنا تعلّمنا يه، وكان رفيقنا الأوّل في المعرفة. لكنّ الزمن يتغيّر، ومعه تتغيّر أدوات التعلّم. بصفتي معلّمة، أرى أنّه من واجبي الموازنة بين أصالة الكتاب، ومواكبة الوسائل الرقميّة الحديثة، التي تضيف بُعدًا تفاعليًّا وتجريبيًّا للتعليم. فالكتاب يظلّ أحد المصادر، وليس المصدر الوحيد.

هل سبق وفكّرتِ بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلكِ تبقين؟

أبدًا، لم أفكّر يومًا بالاستقالة، ولن أفكّر. فكما قيل: "كاد المعلّم أن يكون رسولًا". أنا أؤمن أنّ التعليم رسالة، ليس مجرّد وظيفة؛ أوّل كلمة في القرآن كانت: "اقرأ"، وهذا يكفي لأدرك قدسيّة هذه المهنة. ربّما تتغيّر الظروف، وربما أتعب، لكنّني أعود دومًا إلى فكرة أنّي أحمل علمًا قد يُنقذ طالبًا، أو يصنع فارقًا في حياة إنسان.
التعليم يصنع جيلًا مثقفًا واعيًا، قادرًا على مقاومة الأزمات، ومواجهة الحروب، وصناعة مستقبل أفضل. ولهذا، اخترت أن أبقى، وأن أكون من الذين ينشرون النور وسط الظلام.

ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟

 كما تناوّلت في مقالتي السابقة المنشورة في مجلتكم الكريمة حول "تنمية الكفايات الرقميّة ومهارات إدارة المعرفة لدى المعلّمين"، أرى أنّ المتعلّم في عصر الذكاء الاصطناعيّ بحاجة إلى ما هو أبعد من مجرّد استخدام التقنية.

علينا أن ندرّبه على:

  • - التفكير النقديّ لتقييم المعلومات.
  • - المرونة العقليّة للتكيّف مع التغيّر السريع.
  • - الوعي الرقميّ لحماية نفسه في العالم الافتراضيّ.
  • - القدرة على التعلّم الذاتيّ، لأنّ المستقبل لمن يتعلّم طوال الحياة.

ما أهمّ استراتيجيّاتكِ في شدّ انتباه المتعلّمين؟

أؤمن أنّ حب التعليم وحبّ المتعلّمين هو البداية. بالنسبة إلي، بناء علاقة إنسانيّة متينة مع الطالب هو الأساس. حين يشعر الطالب أنّ معلّمه يراه ويحترمه، يُقبل على التعلّم بكلّ قلبه.
أستخدم استراتيجيّات متعدّدة، منها: التعلّم القائم على المشاريع، وربط المحتوى بحياة الطالب اليوميّة، وأضيف إلى ذلك استخدام الأسئلة المحفّزة للتفكير، فهي تفتح باب الفضول وتحفّز المشاركة. لكن تبقى العلاقة أوّلا.

هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟

لا أحبّذ مصطلح "ضبط الصفّ" لأنّه يوحي بالسيّطرة، وأفضّل أنّ أستخدم تعبير "إدارة البيئة الصفّيّة الإيجابيّة"، حيث يكون الصفّ مساحة آمنة ومحفّزة، مبنيّة على الاحترام المتبادل، وقواعد واضحة، وتواصل فعّال. في هذا الجو، ينضبط الصفّ  بغير صراخ أو توتّر.

ما الذي يجعلك تضحكين في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ ولماذا؟

اتّبعت في حياتي مبدأ بسيط يقول: "إذا لم تجد سببًا لتضحك، فاصنعه."ضحكة من طفل، تعليق عفويّ من طالب، أو حتّى لحظة نجاح بسيطة في الدرس، تجعلني أبتسم. أضحك لأتوازن ولأواصل، ولأعلّم طلّابي أنّ التفاؤل لا يتناقض مع الجدّيّة، بل يمنحنا طاقة للاستمرار.

أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأتِه في صفّحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟

أكثر مقال أثّر فيّ هو مقال الدكتور علي عبد القادر الحمادي في مجلّتكم بعنوان: "اللغة العربيّة مسؤوليّة الجميع: كلّ معلّمٍ معلّمُ لغة". أعجبني لأنّه أعاد تعريف دور اللغة في التعليم، وأكّد أنّ كلّ معلّم، مهما كان تخصّصه، مسؤول عن تطوير اللغة لدى طلّابه، لأنّها الأداة التي نُفكّر ونتواصل بها.
تعمّق المقال في نظريّات مهمّة مثل نظريّة كراشن لاكتساب اللغة، والنظريّة الاجتماعيّة الثقافيّة لفيغوتسكي، وبيّن كيف أنّ اللغة لا تُدرّس فقط، بل تُستخدم لتعلّم كلّ شيء.
هذا المقال جعلني أعيد النظر في دوري بوصفي معلّمة لغة، وأيضًا مربّية تُشارك في بناء فكر الطالب وهويّته.

إذا كتبتِ يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ ولماذا؟

سأختار عنوان: "وراء كلّ مقعد... حكاية" لأنّي أؤمن أنّ كلّ طالب يجلس أمامي في الصفّ يحمل معه قصّة، واحتياجًا وأملًا وربّما ألمًا. الجانب الإنسانيّ في التعليم هو ما يصنع الأثر الحقيقيّ. التعليم ليس فقط خطّة دراسيّة ومنهاجًا، بل تعاطف واهتمام، ومراعاة لمشاعر الطلّاب. سأكتب هذا الكتاب لأُذكّر نفسي وزملائي أنّ التعليم ليس تلقينًا، بل تواصل إنسانيّ يبني إنسانًا.