عجيبٌ حال تعليمنا العربيّ في معظم دولنا، كأنّنا نُصرّ على أن نحشو عقول أطفالنا بمجلّدات من الحفظ، من دون أن نمنحهم أدوات الفهم، أو نعلّمهم كيف يواجهون الحياة.
مناهج تتراكم عامًا بعد عام، وأسماء محفوظة من دون معنى، كأنّ الغاية من التعليم أن نُخرج طلّابًا يجيدون التكرار لا التفكير. كأننا نعدّهم لامتحان نهائيّ لا يشبه واقعهم في شيء.
أليس من المؤسف أن يحفظ طفل في الثامنة قصيدة من العصر الجاهليّ، في حين يعجز عن التعامل مع موقف بسيط: الدفاع عن نفسه أو حتّى التعبير عن مشاعره حين يخاف أو يغضب؟ أليس من المؤلم أن يخرج من سنوات الدراسة، لا يعرف كيف يُدير ماله، أو يطهو وجبة، أو يعتني بنفسه، أو يقول "لا" عندما يجب أن يقولها؟
نُعظّم الماضي، ونُقدّس الأسماء، وننسى أنّ التعليم الحقيقيّ لا يُقاس بعدد الأوراق المحفوظة، بل بقدرة الطفل على أن يعيش ويفكّر، ويحلّ مشاكله، ويقف بثقة وسط المجهول.
نحتاج إلى مناهج تُربّي في الطفل:
- - كيف يُحبّ نفسه بغير غرور.
- - كيف يُخطئ من دون أن ينهار.
- - كيف يُجادل باحترام.
- - كيف يتدبّر أمره وحده عندما لا يكون هناك من يُنقذه.
أحلم أن نصل يومًا إلى تعليمٍ تُدرّس فيه:
- - مهارات التعامل مع القلق والتوتّر.
- - فنّ التواصل.
- - كيفيّة إدارة الوقت والمال.
- - مبادئ التغذية والصحّة النفسيّة.
- - تقدير الذات من دون انتظار تصفيق.
جميل أن نُعلّم أبناءنا عن تاريخ الأندلس، لكن الأجمل أن نعلمهم كيف يبنون مستقبلًا لا يُشبه سقوطها.
***
رسالتي إلى وزارات التربية والتعليم:
كفى تجاهلًا لما يواجهه الطفل من أسئلة لا تُجيب عنها المناهج.
كفى بناء جيل يحفظ كلّ شيء... ولا يفهم نفسه.
لا تجعلوا من المدارس قوالب جامدة تُغلق على الإبداع.
افتحوا نوافذها للضوء، للحوار... للمهارات التي يحتاج إليها الطفل ليعيش لا ليُمتحن فقط.
نحن لا نُطالب بمناهج خالية من المعرفة، بل نريدها ممتلئة بالحياة. نريد أن نبني جيلًا لا يُعيد ما حفظه، بل يُبدع في ما فهمه.
جيلًا لا يخاف من الخطأ، بل يتعلّم منه.
أكاد أجزم أنّ كلّ أب وأمّ اليوم لا يتمنّون لأبنائهم أكثر من أن "يعرفوا كيف يعيشون". فلا تتركوهم يُجيدون الإعراب، ويجهلون كيف يُدافعون عن أنفسهم.


