ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتكِ إلى التعليم؟
لاشكَّ أنّ الأزمات والحروب تترك أثرًا سلبيًّا في جميع مناحي الحياة، ومن ضمنها قطاع التعليم. فبسببها ترى مدارس تُغلق وصفوف تكتظّ بأعداد كبيرة من الطلبة. في المدارس السوريّة على سبيل المثال، وصل عدد الطلّاب خلال الحرب ما يزيد عن ستّين طالبًا في الصفّ الواحد، وهذا بلا شكّ يؤثّر بشكل مباشر في جودة العمليّة التعليميّة ومواكبة التطوّرات في ميدان التعليم. لكن، على رغم ظلام المشهد أرى بصيص نور وضوءًا خافتًا يشقُّ طريقه لخلق فرص جديدة، فنتيجة لظروف التهجير التي عاشتها تلك الشّعوب، تحتّم عليهم الاحتكاك بخبرات تعليميّة جديدة واكتساب معارف مختلفة في بلاد التهجير. ومنهم من قرّر العودة إلى بلاده لمشاركة خبراته، والبعض الآخر قرّر أن يشارك في دورات تدريبيّة عن بعد لنقل المعرفة والخبرة، مسهمًا في تحسين واقع التعليم ضمن الإمكانيّات المتاحة.
ما الذي تتمنّين لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ ولماذا؟
أعتقد أنّ ما أتمنّى أن يعرفه صنّاع القرار - وهي أمنية كلّ معلّم على رأس عمله -، حجم المهامّ الإداريّة التي أصبحت تُثقل كاهل المعلّم، وحجم التوثيق المطلوب، الذي بدأ يطغى على الدور الإنسانيّ والوجدانيّ للمعلّم وعلى رسالته التربويّة. فلو شبّهنا منظومة التعليم بمسرحيّة لوجدنا أنَّ المعلّم أصبح الكاتب والمخرج والممثّل وكلّ الكادر في آنٍ واحد.
هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟
في مدرستي وكونها مدرسة تتّبع برنامج البكالوريا الدوليّة (IB)، وتتبنّى فكرة المصادر المتعدّدة في عمليّة التعلّم، حيث لا يعتبر الكتاب مصدرًا أساسيًّا في العمليّة التعلميّة، وإنّما مصدر من عدّة مصادر. وكوني معلّمة في مرحلة رياض الأطفال، نعتمد على الوحدات البحثيّة محورًا للتعلّم، والتي ندمج معها الموادّ الأخرى كاللغة والرياضيّات والعلوم والدراسات الاجتماعيّة، بمصادر متعدّدة، ولا نستخدم الكتاب في مرحلة رياض الأطفال أبدًا. وهذا الأسلوب من وجهة نظري يوفّر تجربة تعلّم غنيّة.
هل سبق وفكّرتِ بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلكِ تبقين؟
في الحقيقة لم أفكّر بالاستقالة أبدًا. على العكس، أفكّر دائمًا في كيفيّة الاستمرار والتطوّر في المهنة. ما جعلني أبقى: أوّلًا أنّ التعليم شغفي وليس فقط مصدر رزق؛ ثانيًا لأنّي أرى أنّ ما يميّز مهنة التعليم عن غيرها، هو التقدير في باقي المهن يقتصر على تقييم الإدارة فقط، أمّا في التّعليم فيمتدّ ليشمل الامتنان الصّادق من أولياء الأمور، والأثر العميق الذي نتركه نحن المعلّمين. ذلك الأثر الذي قد يمتدّ على سنوات وعقود، وهذا ما يجعل الاستمرار بالنسبة إليّ يحمل معنى حقيقيًّا.
ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟
في عصر الذكاء الاصطناعيّ أرى أنّه علينا، وقبل أن نتطرّق إلى المهارات، أن نثقّف الطلّاب بأخلاقيّات استخدام هذه الأدوات ونطوّر وعيهم التكنولوجيّ المسؤول. ومن بين المهارات الهامّة التي يجب أن ننمّيها في المتعلّمين التعلّم الذاتيّ؛ ففي كلّ يوم نسمع بأداة رقميّة جديدة وسيكون من الصعب تدريب الطلّاب على كلّ أداة بشكل منفصل، وبالتالي مهارة التعلّم الذاتيّ والتكيّف أمران جوهريّان. إضافة إلى فهم آليّة عمل هذه الأدوات، حتّى لا يقتصر دور الطلّاب على الاستهلاك فقط، بل يقدرون على تطويرها وتحسينها مستقبلًا.
ما أهمّ استراتيجيّاتكِ في شدّ انتباه المتعلّمين؟
كوني معلّمة رياض أطفال، وبالنظر إلى خصائص هذه المرحلة العمريّة التي تغلب عليها الحركة واللعب والاكتشاف، فإنَّ استراتيجيّة التعلّم باللعب هي من أنسب الاستراتيجيّات وأفضلها التي أشدُّ بها انتباه المتعلّمين. وأحرص هنا على تحقيق العدل بين الطلّاب، والتنويع في الألعاب التي يحبّونها كالألعاب الحركيّة والحسيّة، وألعاب التفكير وحلّ المشكلات.
هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟
برأيي لم يعد تعبير " ضبط الصفّ " بالمفهوم التقليديّ هو الأنسب في ظلّ التغيّيرات الحديثة في أساليب التعليم واستراتيجيّاته. فقد تغيّر فهمنا للإدارة الصفّيّة من التركيز على الصمت والهدوء والانضباط الشكليّ فقط، إلى التركيز على بيئة صفّيّة حيويّة، تنشط فيها النقاشات والحوارات والعمل الجماعيّ. فالصوت إذًا مؤشّر بالنسبة إليّ على التفاعل والتعلّم، وليس على الفوضى.
ما الذي يجعلك تضحكين في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ ولماذا؟
ما يجعلني أضحك في المدرسة بصفتي معلّمة رياض أطفال، عفويّة الأطفال وأحاديثهم الطريفة؛ فكثيرًا ما أراهم يتناقشون بجديّة وأستمع إلى أحاديثهم البريئة. حتّى إنّهم أحيانًا يتطرّقون إلى الأمور السياسيّة التي يسمعونها في البيت عبر التلفاز، يتحدّثون عنها بطريقتهم الخاصّة المضحكة للغاية، هذه اللحظات البريئة قد تكون بالنسبة إليّ فاصلًا منشّطًا وسط ضغوط اليوم.
أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأتِه في صفّحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟
من أكثر المقالات التي أعجبتني مقال حبل سكاروربو – قارب القراءة الذي يناسب بقوّة إلى الأمام، وذلك لما يحمله هذا المقال من تشبيه جميل وملهم، عندما ربط بين القراءة والقارب الذي يحتاج إلى عدّة عناصر تعمل متضافرة مع بعضها حتّى تدفع القارب بتوازن إلى الأمام. كما عرض المقال الخيوط المتعدّدة التي تُحبك مع بعضها لتشكّل القراءة الماهرة، هي بشكل موجز: فهم اللغة وتمييز الكلمات، وهذا يوضّح لنا أنّ القراءة ليست مهارة فقط، بل خيوط تتداخل مع بعضها.
إذا كتبتِ يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ ولماذا؟
لو كتبتُ كتابًا يومًا ما عن تجربتي في التعليم سيكون : "حين نؤمن ... نزدهر"، لأنّني أرى أنّ الإيمان بداية كلّ شيء. علّمت طلّابًا من خلفيّات وبيئات وإمكانيّات واهتمامات مختلفة، وكان القاسم المشترك بينهم أنّ داخل كلّ منهم بذرة نحتاج فقط إلى أن نراها ونؤمن بها. والإيمان في كتابي لن يقتصر على الطالب فقط، وإنّما الإيمان بالمعلّم أيضًا، فأنا نفسي ازدهرت حين وُضِعْتُ في بيئةٍ آمنت بي ودعمتني. الإيمان الصّادق بالآخر صغيرًا كان أم كبيرًا، كان يصنع المعجزات ويُحدِثُ التغيير الحقيقيّ.


