تسبّبت التطوّرات المتسارعة في الآونة الأخيرة، في إثارة الشكوك والتساؤلات حول شكل التعليم ومستقبله، في ظلّ الثورة المعرفيّة الحديثة، وسيطرة الذكاء الاصطناعيّ على الواقع في شتّى المجالات، الأمر الذي أدّى إلى تغيّر واضح في شكل التعليم التقليديّ الذي استمرّ لعقود من الزمن. شكّل هذا هاجسًا كبيرًا لدى الكثير من المهتمّين بالشأن التربويّ، ولا سيّما في خضمّ الحديث المستمرّ حول تأثير الذكاء الاصطناعيّ في التعليم شكلًا ومضمونًا.
في هذا المقال نستعرض أبرز التساؤلات الدائرة حول التغيّرات التي طرأت على العمليّة التعليميّة، والعوامل المسبّبة لها. وسيرتبط الحديث بالكتاب المدرسيّ تحديدًا، بوصفه أحد مكوّنات العمليّة التعليميّة وعناصرها الأساسيّة، والذي يرتبط به العديد من المشكلات التعليميّة الأخرى.
فهل ما تزال الحاجة إلى الكتب المدرسيّة قائمة، في ظلّ التطوّر المعرفيّ والتعلّم الذكيّ والتسارع المربك في مجال الذكاء الاصطناعيّ؟
وهل يمكن الاستغناء عن الكتاب المدرسيّ، أم ينبغي الإبقاء عليه مع تطويره ليواكب احتياجات المتعلّم في الوقت الراهن؟
هل تطوير المناهج والكتب المدرسيّة يعني الاكتفاء بإعداد نسخ رقميّة منها، بغضّ النظر عن المعنى الفعليّ لعمليّة التطوير التعليميّ؟
وعلاوة على ذلك، هل لا يزال الكتاب المدرسيّ يؤدّي دورًا فعّالًا في التعليم داخل الصفّ الدراسيّ وخارجه، أم إنّه بات تقليدًا تعليميًّا وممارسة روتينيّة تفرضها شروط التعليم المؤسّسيّ؟
للإجابة على تلك التساؤلات، يمكننا القول إنّ العمليّة التربويّة لا تقوم دائمًا على اختيار واحد صحيح، إذ قد تتعدّد الطرق الصحيحة وتتكاتف معًا لتحقيق هدف واحد. لكن بالنظر إلى الأسس النظريّة التي قامت عليها مدارس اليوم، وإلى مفهوم المراحل التعليميّة التي جرى تقسيمها وتسميتها مسبقًا وفق نظريّات علميّة ظهرت في القرن الماضي، حين برز مدخل النظم ونظريّات التعلّم الكلاسيكيّة، وما قدّمته من تصوّرات حول انتقال المعرفة وكيف يتعلّم الفرد؛ ثمّ تطوّرت تلك المفاهيم لاحقًا إلى منظومة عناصر تضمّ المعلّم والمتعلّم والمادّة العلميّة (الكتاب المدرسيّ)، فأصبح الكتاب المدرسيّ الوعاء الرئيس لنقل العلم والمعرفة، في ما اعتُبر المعلّم ناقلًا لها، والمتعلّم متلقّيًا فحسب، في تسلسل خطّيّ لا يمنح المتعلّم دورًا فعّالًا أو محوريًّا. وقد اكتسب هذا الشكل من التعليم أهمّيّة كبيرة في حينه، وبُنيت عليه هياكل المؤسّسات التعليميّة وإطارها المعرفيّ الأوّليّ، واستمرّ العمل بها حتى الوقت الحاليّ، على الرغم من بعض التطوّرات الطفيفة التي ظهرت هنا وهناك، من دون خروج حقيقيّ عن تلك الأسس الأولى التي شكّلت نموذج التعليم السائد.
ونتيجة لذلك، لم تُوظّف النظريّات التربويّة الحديثة، والتي تتبنّى منظورًا مختلفًا للتعليم الحديث ودور المتعلّم فيه، على مستوى المؤسّسات التعليميّة. وفي كثير من الأحيان اقتصر دورها على التعريف بها ودراستها من قبل المختصّين في العلوم التربويّة، من دون تفعيل حقيقيّ لها في عمليّات التطوير التعليميّ؛ ما يعكس تناقضًا كبيرًا بين المعرفة التربويّة الحديثة، وبين واقع العمل بها وتطبيقها.
دور الكتاب المدرسيّ في العمليّة التعليميّة
ممّا لا شكّ فيه أنّ وجود الكتاب المدرسيّ شكّل حجر الزاوية في المنظومة التعليميّة لعقود من الزمن، ولا يزال كذلك في معظم مؤسّسات التعليم في البلدان العربيّة. وربّما يكون قد أدّى دوره بنجاح فيما مضى، وكان بوّابة للمعرفة ومرجعًا جيّدًا للعديد من العلوم، في وقت لم يكن فيه الوصول إلى المعلومة بالأمر اليسير كما هو الحال الآن؛ إذ كان الوسيلة التعليميّة الأساسيّة في المدارس قبل التطوّر التكنولوجيّ وظهور الإنترنت، وعليه تتلمذ العديد من علماء اليوم، وكبار الأساتذة والباحثين، ومنتجو الثورة المعرفيّة الحاليّة. وقد اعتُبِر مصدرًا من مصادر العلم والمعرفة، وكثيرًا ما أُضيف إلى مكتبات المدارس والمنازل.
أمّا بالنسبة إلى دوره في الوقت الحاليّ، فإنّ ذلك يتطلّب إجراء عمليّة تقييم شاملة للمنظومة التعليميّة، تهدف إلى تقدير أهمّيّة استمرار وجوده من عدمه، لا سيّما في ظلّ التغييرات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعيّ وأدوات التعلّم الذكيّة، وذلك وفق معايير واضحة وشفّافة تُبنى عليها عمليّات التقييم، وتتضمّن مشاركة جميع أطراف العمليّة التعليميّة. على أن يضع هذه المعايير أصحاب الخبرة ومطوّرو المناهج والمختصّون، وأن تتّسم بالدقّة والنزاهة والواقعيّة، مع ضرورة المراقبة والإشراف والمتابعة المستمرّة، لضمان تطبيقها بالشكل السليم.
أبرز الفوائد التربويّة لاستخدام الكتاب المدرسيّ في عمليّة التعليم
لايزال الكتاب المدرسيّ يمثّل أهمّيّة كبيرة في كثير من الحالات والمواقف التعليميّة، ومنها:
- - في السنوات الأولى من التعليم، والتي يحتاج فيها المتعلّم إلى التركيز على مهارات القراءة والكتابة والحساب والرسم، وغيرها من المهارات التي تستلزم التدريب المباشر والمستمرّ وصولًا إلى الإتقان.
- - يمثّل الكتاب المدرسيّ وسيلة للتواصل بين المعلّم والوالدين، لمتابعة مستوى تطوّر الطالب ومراقبته أوّلًا بأوّل. كما إنّه يعمل بمثابة ملفّ إنجاز للطالب، توثّق فيه الأنشطة والتدريبات التي ينجزها.
- - يساعد وجود الكتاب المدرسيّ في تحديد أهداف تعليميّة معيّنة وإنجازها، من دون إغراق الطالب بالكثير من الموارد التعليميّة ومصادر التعلّم.
- - يكتسب الكتاب المدرسيّ أهمّيّة خاصّة للتعليم في العديد من الدول الفقيرة وذات الدخل المنخفض، إذ يشكّل المصدر الرئيس للتعليم. وينطبق ذلك أيضًا على البلدان المضطربة وأماكن النزاع والحروب، إذ غالبًا ما تؤثّر الاضطرابات في المؤسّسات التعليميّة ووسائل الاتّصالات فيها.
- - يحضر دور الكتاب المدرسيّ في العديد من المواقف التعليميّة التي تتطلّب تفاعلًا مباشرًا مع المحتوى، مثل نسخ النصوص، والتلخيص، والتدريب على الخطّ والكتابة، والبحث، وحلّ التمارين والأنشطة، والتمرّن على القراءة بأنواعها.
- - يساعد الكتاب المدرسيّ الطلبة في توحيد مصدر المعلومات وتنظيمها، ويقلّل من العبء المعرفيّ الناتج عن كثرة المصادر وتناقضاتها، وضياع النسخ المطبوعة وتعدّدها.
- - يعزّز بعض الصفات الإيجابيّة، مثل تقدير المعرفة، والمحافظة على الكتب، والالتزام بحلّ الواجبات، وتحمّل المسؤوليّة، والمحافظة على البيئة بعدم رمي الكتب وإهدارها.
سلبيّات الاستغناء عن الكتاب المدرسيّ
ربّما يؤدّي الاستغناء عن الكتاب المدرسيّ، والاعتماد الكلّيّ على التعلّم الرقميّ، إلى عدد من السلبيّات، منها:
- 1. ضعف في المهارات الأساسيّة في القراءة والكتابة، نتيجة التعامل المطوّل مع شاشات الأجهزة الذكيّة، بدلًا من التعامل مع الكتب الورقيّة.
- 2. قد يتأثّر المستوى العلميّ والمعرفيّ نتيجة سهولة الحصول على المعلومة بالبحث السريع، من دون المرور بالقراءة العميقة للنصوص.
- 3. قد تسبّب كثرة مصادر التعلّم الرقميّ نوعًا من التشتّت الذهنيّ وعدم التركيز، نظرًا إلى كثرة الموارد وعدم وضوح الخطّة للمتعلّم.
- 4. ضعف الكتابة اليدويّة، واندثار فنون الخطّ العربيّ التي تحتاج إلى ممارسات يدويّة منتظمة، ومهارات متقنة في التعامل مع القلم والورقة.
الحوارات التربويّة والتطوير التعليميّ
"لا يمكن أن ينجح تطوير التقنيّات الجديدة وتنفيذها، إلّا إذا تمّ التركيز على التصميم والتنفيذ والتقييم الذي يركّز على المستخدم أوّلًا" (Dimitri, 2019).
عمليّات التطوير التعليميّ ليست من العمليّات السريعة، كما لا ينبغي فيها الاستعجال أو اتّخاذ القرارات، من دون إتاحة وقت كافٍ لتقييم شامل لكلّ الجوانب المرتبطة بتطوير المناهج التعليميّة والكتاب المدرسيّ. كما يلزم أن تقوم عمليّات التطوير على أساس علميّ وتربويّ قويّ وسليم، مع التطلّع الى آفاق واسعة في توظيف أدوات التكنولوجيا الحديثة واستخدامها، وخصوصًا الذكاء الاصطناعيّ.
أيضًا، ينبغي تخصيص مساحات كافية من النقاش والحوارات التربويّة حول ماهيّة الكتاب المدرسيّ الحديث، وكيف يمكن تطويره ليلائم المعطيات المستجدّة، وما إذا كان بالإمكان تحديث علاقة المتعلّم بالكتاب المدرسيّ، بحيث تصبح علاقة توجيه وإرشاد، بدلًا من أن يبقى مجرّد وعاء مقصور على المعرفة الممنهجة.
كما تبرز أسئلة إضافيّة حول المهارات التي ينبغي أن يتضمّنها الكتاب المدرسيّ الحديث في عصر الذكاء الاصطناعيّ، وما إذا كان الوقت قد حان للاستغناء عن بعض المهارات القديمة، والتي لم يعد المتعلّم بحاجة إليها. وأخيرًا، كيف يمكن تطوير كتاب مدرسيّ ذكيّ ومرن، قادر على التكيّف مع احتياجات المتعلّم وظروف البيئة المحيطة به، وما المعايير اللازمة لذلك؟
نواحي تقييم الكتاب المدرسيّ

الكتاب المدرسيّ وتطوير المناهج التعليميّة
بناءً على ما سبق، ينبغي على مطوّري المناهج وواضعي الخطط التربويّة، القيام بمراجعة منهجيّة علميّة مدروسة بعناية لتطوير الكتاب المدرسيّ، وجعله مواكبًا لمتطلّبات العصر، وذلك باستحضار الأهداف الأساسيّة لعمليّة التعليم والتعلّم، والعمل على تحقيقها، سواء جرى الإبقاء على الكتب المدرسيّة أو الاستغناء عنها بالبدائل الرقميّة. كما إنّ تطوير المنهج والكتاب المدرسيّ لا يعني استبدال النسخ الورقيّة بأخرى رقميّة، من دون القيام بتطوير فعليّ للمحتوى، بما يشمله ذلك من حداثة الموضوعات، وتنمية المهارات العليا، وتنويع أساليب التقويم، وزيادة فرص مشاركة المتعلّم، وغيرها من المعايير التي تجدر مراعاتها. فمن دون تطوير حقيقيّ للكتب المدرسيّة، لن يكون هناك اختلاف واضح في المخرجات التعليميّة، بل سيجري تحويل النسخ الورقيّة إلى رقميّة، ثمّ العودة إلى تكرار السيناريو نفسه من الاعتماد على الملخّصات المجتزأة، والعروض السريعة التي تقدّم فيها المعرفة خارج سياقها، ما ينعكس سلبًا على المتعلّم، ويضعف قدرته على الكتابة والبحث وتطوير مهاراته.
كما ينبغي أن تمتدّ عمليّات التطوير لتشمل العمليّة التعليميّة بأكملها، بمكوّناتها المادّيّة وغير المادّيّة، وألّا تقتصر على عنصر واحد، مثل الكتاب المدرسيّ أو أساليب التقويم أو الأنشطة، بل تتعدّى ذلك إلى مراجعة الأهداف الأساسيّة للتعليم، وتقييم الكوادر التعليميّة، وإجراء مراجعات دقيقة للخطط السابقة، ومدى صلاحيّتها في ظلّ التحوّل السريع نحو التعلّم الذكيّ.
أمّا ما تجدر مراعاته عند تصميم الكتب المدرسيّة الحديثة، فنلخّصها بالآتي:

***
يمثّل القطاع التعليميّ الركن الأساس الذي ترتكز عليه القطاعات الأخرى، كما إنّه المؤشّر الأهمّ إلى التقدّم العلميّ والنموّ الاقتصاديّ في مختلف البلدان والمجتمعات. وحتّى يتحقّق ذلك، لا بدّ أن يواكب التعليم النهضة العالميّة، ويفي بمتطلّبات العصر التكنولوجيّ، عن طريق التطوير الفعليّ للمنظومة التعليميّة في ضوء الاحتياجات التنمويّة والاقتصاديّة، مع الأخذ بعين الاعتبار تضمين المهارات الحديثة الضروريّة للتعامل مع التحدّيات المستقبليّة.
التخطيط السليم لعمليّة تطوير التعليم، يبدأ من الرؤية الواضحة والخطط المدروسة لكيفيّة تحقيق الرسالة التعليميّة، بكلّ ما يمكن من وسائل وأدوات، بما في ذلك الكتاب المدرسيّ. كما إنّ الاستفادة من الذكاء الاصطناعيّ في التعليم قادرة على إحداث نقلة نوعيّة، إذا وُضعت لها أهداف واضحة، وحُدّدت الآليّات المناسبة لتطبيقه وفق معايير دقيقة، تتجاوز تطوير كتاب أو منهج بعينه. ويتطلّب ذلك بناء أطر تعليميّة جديدة تستوعب نماذج تعليميّة متنوّعة، تشمل النماذج التقليديّة والذكيّة معًا، بما يضمن تحقيق أهداف المنظومة التعليميّة الحديثة في توازن متكامل وتوجيه سليم، يكون فيه الإنسان القائد والمتحكّم والموجّه لأدوات التعلّم الذكيّ.
المراجع:
- Dimitri, P. (2019). Child health technology: Shaping the future of paediatrics and child health and improving NHS productivity. Archives of Disease in Childhood, 104(2), 184–188.




نشر في عدد (23) شتاء 2026