إنتاج المعنى في المتاحف.. قراءة تقاطعيّة بين الفينومينولوجيا والتعليم الشعبيّ
إنتاج المعنى في المتاحف.. قراءة تقاطعيّة بين الفينومينولوجيا والتعليم الشعبيّ
سارة زهران | مشرفة البرنامج التعليميّ في المتحف الفلسطينيّ - فلسطين

ينبع السؤال الأساسيّ في هذا المقال من الاهتمام بالمعاني التي يمكن أن يستخلصها الزوّار، صغارًا وكبارًا، من تجربتهم في المتاحف بشكل عامّ، وفي المتاحف الفلسطينيّة بشكل خاصّ. فكيف يمكن للمتحف أن يزيح صورته النمطيّة بوصفه مكانًا لعرض الأغراض والتُّحف، ليصبح فضاءً تُنتَج فيه الخبرة والمعنى من التفاعل مع القصص والذاكرة والتجربة المعاشة في السياقات الاستعماريّة كما في فلسطين، حيث يتشكّل الوعي تحت شروط الاستعمار؛ فتكتسب هذه التجربة بعدًا تربويًّا وسياسيًّا يتجاوز نموذج الزيارات التقليديّة القائمة على التلقّي والمشاهدة العابرة، نحو علاقة بين المتحف والمؤسّسات التعليميّة، تُسهم في ربط المتعلّمين بواقعهم الحيّ، وتحفّز التفكير النقديّ وفهم علاقتهم بالمكان والهويّة والذاكرة. ومن تقاطع الفينومينولوجيا مع التعليم الشعبيّ، يمكن النظر إلى المتحف الفلسطينيّ بوصفه مساحة تعليميّة تُنتَج فيها المعرفة جماعيًّا، انطلاقًا من التجربة الحسّيّة واليوميّة للمتعلّمين.

 

من هذا المنظور التقاطعيّ، يُنظر إلى المتحف على أنّه مكان حيّ تتشكّل فيه الخبرة الإنسانيّة، حيث يصبح المتعلّم شريكًا في إنتاج المعنى، وفاعلًا حاضرًا يسهم في نقل القصص والتجارب إلى أجيال تتشارك التاريخ، وتنتسب إليه، وتستعيد فاعليّتها من خوض هذه التجربة التربويّة التي تسمح لهم بالاقتراب من الدلالات والأحداث، ليس بصفتها المعرفيّة فقط، وإنّما بصفتها الذاتيّة والجماعيّة.

هنا، ننظر إلى أنّ التعليم في المتاحف عمومًا يحدث على أساس ظواهريّ "فينومينولوجيّ"، ينطلق من المعروضات والأشياء التي يمكن تعريفها ظاهريًّا بمادّيّتها، وثقافيًّا بالقصّة التي تحملها، وبالخبرة التي تتعلّق بإنتاجها، وبالزمن الذي أتت منه؛ بحيث تشكّل هذه المعرفة الثقافيّة تجربة المتعلّم التي تنقل هذه المعروضات من صفتها المادّيّة "الميّتة"، إلى معناها الحيّ الذي يُبقي العلاقة بين الماضي والحاضر، وينقل التجربة من فرديّتها إلى جماعيّتها، عن طريق إشعال الحواسّ والذكريات والانطباعات الشخصيّة. كما يمكن للمنهجيّات التي يستخدمها المتحف أن تستند إلى مبادئ التعليم الشعبيّ، لبيان كيفيّة تحويل هذه التجربة إلى عمليّة معرفيّة تشاركيّة ووعي نقديّ، تُمكّن المتعلّم من ربط ما يراه بالواقع الاجتماعيّ والثقافيّ والسياسيّ المحيط به.

 

إعادة تعريف المتحف

تُثير محاولة التفكير في المتحف ضمن مقاربة التعليم الشعبيّ إشكاليّة جوهريّة، تتعلّق بطبيعة المتحف نفسه بوصفه مؤسّسة ارتبطت تاريخيًّا بإنتاج المعرفة الرسميّة والنخبويّة، وبأنماط من العرض والتفسير تقوم على السلطة الثقافيّة والمؤسّساتيّة. غير أنّ هذا التصوّر تُمكن مساءلته وإعادة بنائه، لا سيّما في السياقات الاستعماريّة، عن طريق تبنّي فهم للمتحف باعتباره فضاءً حواريًّا ومجتمعيًّا، لا يقتصر دوره على حفظ المقتنيات وعرضها، بل يمتدّ إلى إنتاج المعرفة بصورة تشاركيّة، تنطلق من التجربة الحياتيّة للناس وذاكرتهم الجماعيّة. وفي هذا الإطار، يلتقي التعليم الشعبيّ مع الفينومينولوجيا في اهتمامهما بالتجربة الإنسانيّة المُعاشة بوصفها نقطة انطلاق للمعرفة؛ فبدلًا من التعامل مع الزائر المتعلّم على أنّه متلقٍّ سلبيّ للمعلومات، يصبح حضوره داخل المتحف تجربة حسّيّة وإدراكيّة متكاملة، تتداخل فيها الذاكرة والمشاعر والحواسّ والتجارب الشخصيّة مع المعروضات، بما يتيح إنتاج معانٍ متعدّدة تتجاوز التفسير الأحاديّ أو الرسميّ.

 

ويلتقي هذا التصوّر مع التعريفات الحديثة للمتاحف. فوفقًا لتعريف لجنة المتاحف الدوليّة (ICOM, 2022)، "المتحف مؤسّسة دائمة، غير ربحيّة، في خدمة المجتمع، تقوم بالبحث والجمع والحفظ والتفسير وعرض التراث المادّيّ وغير المادّيّ. يكون المتحف مفتوحًا للجمهور، متاحًا وشاملًا، ويعزّز التنوّع والاستدامة. كما يعمل المتحف ويتواصل بطريقة أخلاقيّة ومهنيّة، بمشاركة المجتمعات، مقدّمًا تجارب متنوّعة للتعليم والمتعة والتأمّل وتبادل المعرفة" (ICOM, 2022).  

يسمح هذا التعريف بتصوّر المتحف مكانًا حيًّا يتجاوز النخبويّة التقليديّة، ويؤكّد على دوره في توفير تجارب تعليميّة وثقافيّة متاحة لجميع الزوّار.

 

في السياق الفلسطينيّ تحديدًا، تكتسب هذه المقاربة أهمّيّة مضاعفة، نظرًا لارتباط الثقافة والذاكرة بعلاقات القوّة والاستعمار. فالاستعمار لا يقتصر على السيطرة المادّيّة على الأرض، بل يشمل أيضًا السيطرة على السرديّة التاريخيّة، وإعادة تشكيل الذاكرة الجماعيّة، وتحديد من يمتلك حقّ تمثيل التاريخ والثقافة. ومن هنا، يمكن للمتحف الذي يستخدم أدوات مستلهمة من التعليم الشعبيّ أن يشكّل ممارسة ثقافيّة مقاوِمة، بإعادة الاعتبار للمعرفة الشعبيّة والروايات الشفويّة والخبرات اليوميّة، بوصفها مصادر أساسيّة لإنتاج المعنى. وهكذا لا يعود الثوب الفلسطينيّ أو المفتاح أو الصورة الأرشيفيّة مجرّد قطعة للعرض، بل يتحوّل إلى حامل ذاكرة معاشة وتجربة جمعيّة مرتبطة بالفقد والاستمراريّة والانتماء. وبهذا المعنى، يصبح المتحف مساحة لإنتاج وعي نقديّ جماعيّ، يُمكّن المتعلّمين من قراءة المعروضات بوصفها جزءًا من واقعهم الاجتماعيّ والسياسيّ، لا بوصفها بقايا جامدة من الماضي.

وانطلاقًا من ذلك، يمكن النظر إلى المتحف باعتباره فضاءً تربويًّا وثقافيًّا بديلًا، يعيد توزيع السلطة داخل العمليّة المعرفيّة، ويمنح المتعلّم دورًا فاعلًا في التأويل والمشاركة وصناعة السرديّة. فالمعرفة هنا لا تُقدَّم باعتبارها حقيقة مكتملة، بل تُبنى بالحوار والتفاعل والتجربة المشتركة. وبهذا التحوّل، يغدو المتحف موقعًا لإنتاج المعنى والذاكرة والوعي، ومجالًا لممارسة أشكال من المقاومة الثقافيّة التي تواجه محاولات المحو والإقصاء الاستعماريّ، بالإصرار على حضور التجربة بوصفها معرفة حيّة ومتجدّدة.

 

تجارب تعلّميّة سياقيّة

لا يمكن الحديث عن التعليم الشعبيّ في المتاحف بمعزل عن السياق الذي يحدث فيه التعلّم، ولا عن علاقة المتحف بالمجتمع والمدرسة والناس الذين يمثّلونهم. فالتعليم الشعبيّ لا ينطلق فقط من المعرفة المجتمعيّة، بل من أدوات الناس أنفسهم: لغتهم وتجاربهم وطرقهم في الفهم والتعلّم، وهو ما يصبح أكثر إلحاحًا في السياقات الاستعماريّة.

في إحدى الزيارات المدرسيّة إلى المتحف، تجمّع الطلّاب حول عمل الفنّان أمير زعبي، وهو تركيب فنّيّ أُعيد فيه بناء مدينة يافا قبل النكبة باستخدام قطع بلاط تقليديّ فلسطينيّ جُمعت من تحت البحر، من البيوت المهدّمة والمهجّر سكّانها. لم يعرف كثير من الطلّاب المادّة نفسها، ولا شكل المدينة التي يمثّلها العمل، لكنّ التجربة لم تتوقّف عند شرح القطعة الفنّيّة، بل تحوّلت إلى مساحة تخيّل جماعيّ: ماذا لو كانت يافا حرّة؟ ماذا لو كانت فلسطين حرّة؟ وفي لقاء لاحق، كتب الأطفال أخبارًا صحفيّة متخيّلة عن التحرّر.

 

تكشف هذه التجربة كيف يمكن لتفصيل بسيط، مثل البلاط التقليديّ، أن يفتح أسئلة كبرى حول الذاكرة والتحرّر والهويّة، وأن يحوّل المتحف من مساحة عرض إلى مساحة تفكير جماعيّ تنطلق من تجربة الناس أنفسهم. وهنا يلتقي التعلّم المتحفيّ مع مفهوم باولو فريري للتعليم الشعبيّ، بوصفه ممارسة تحرّريّة تساعد الناس في فهم واقعهم نقديًّا، والعمل جماعيًّا على تغييره. فالتعليم الحقيقي عند فريري لا يقتصر على "قراءة الكلمات"، بل يمتدّ إلى "قراءة العالم" (Freire & Macedo, 1987).

وانطلاقًا من هذا الفهم، لا يعود دور المتحف عرض القصص فحسب، بل خلق سياقات يستطيع فيها المتعلّمون أن يختبروا تجاربهم، ويتشاركوا تأويلاتهم، ويستعيدوا علاقتهم بالمكان والذاكرة، في مواجهة السرديّات الجاهزة والرتيبة.

 

ثلاثيّة مُغايرة: المتحف والمتعلّم والمجتمع

يقوم التعليم الشعبيّ، كما يطرحه باولو فريري، على علاقة تشاركيّة بين المعلّم والمتعلّم والمجتمع، لا بوصفها علاقة تُلغى فيها السلطة، بل يُعاد توزيعها بصورة أكثر عدالة وتفاعليّة، بحيث تصبح المعرفة ممارسة جماعيّة مرتبطة بالتجربة الحيّة والواقع الاجتماعيّ. وفي سياق المتاحف، تمكن إعادة قراءة هذه الثلاثيّة بصورة مغايرة، فإذا تحوّل المتحف من فضاء للعرض والتلقّي إلى فضاء تعليميّ منتج للمعنى، لن يعود الزائر متلقّيًا سلبيًّا، بل مشاركًا في بناء المعرفة وتأويلها، بينما يستعيد المجتمع حضوره بوصفه مصدرًا للقصص والخبرات والذاكرة التي تحملها المعروضات.

ومن هنا، لا تعود الزيارات المدرسيّة إلى المتحف نشاطًا مكمّلًا للعمليّة التعليميّة، بل تصبح جزءًا من مسار تربويّ تطبيقيّ يربط المدرسة بالمتحف والمجتمع. ويتحقّق ذلك بإشراك الطلبة والمعلّمين في القراءة والتأمّل والبحث حول المعروضات، وتتبّع تاريخ القطع الفنّيّة، وكتابة القصص المرتبطة بها، والمشاركة في تصميم المعارض وتنظيمها. تتيح هذه المنهجيّة للمتعلّمين خوض تجارب سياقيّة تتجاوز النموذج المدرسيّ القائم على التلقين، نحو ممارسة تعليميّة تعتمد على المشاركة والحوار وإنتاج المعنى.

بهذا المعنى، يصبح المتحف فضاءً يمارس التعليم الشعبيّ، لا عن طريق نقل المعرفة فحسب، بل عن طريق إشراك المتعلّمين في إنتاجها انطلاقًا من واقعهم وتجاربهم اليوميّة. وهنا يتجاوز التعليم وظيفته المدرسيّة الضيّقة بوصفه تعلّمًا للقراءة والكتابة، ليصبح، وفق تصوّر فريري، أداةً لقراءة العالم وفهمه ومساءلته.

 

الإصغاء بين الفينومينولوجيا والتعليم الشعبيّ

يمثّل الإصغاء أحد أهمّ المفاهيم التي يتناولها التعليم بشكل عامّ، بالعديد من الأوجه والعديد من المقاربات. فهناك من يعتبر الإصغاء أحد مشاكل التعليم، لأنّه يسلب المتعلّم قدرته على المشاركة، والبعض الآخر يتعامل معه بصفته التأمّليّة والمعرفيّة، أي الإصغاء إلى التجربة، إلى الحياة خارج نافذة الصفّ. وهي دعوة راديكاليّة للانتفاض على الصوت الواحد، واستعادة القدرة على خلق صوت عبر التجربة، وهذا ما ركّزت عليه الفينومينولوجيا، والتعليم الشعبيّ على حدّ سواء.

ويمثّل الإصغاء بهذا الفهم أحد أهمّ سمات التجربة المتحفيّة؛ إذ يستطيع الزائر إيقاف إيقاع الحياة اليوميّة، والتجوّل في الخبرات المعروضة، والتأمّل في القصص التي تنقلها المعروضات، والإنصات إلى تفسيره الشخصيّ لها قبل تلقّي المعنى الجاهز. وتظهر هذه الممارسة بوضوح في البرامج التعليميّة المتحفيّة التي تدعو الطلبة مثلًا إلى تتبّع قصّة قطعة فنّيّة أو غرض يوميّ، ليس بوصفه أثرًا مادّيًّا فحسب، بل باعتباره حاملًا ذاكرة وتجربة إنسانيّة. فقد يتحوّل ثوب مطرّز أو صورة عائليّة إلى مدخل للإصغاء إلى حكايات التهجير والعمل والحياة اليوميّة، ومن ثمّ إعادة كتابة هذه القصص وربطها بتجارب المتعلّمين أنفسهم.

 

وفي المتاحف المعاصرة، لا يقتصر الإصغاء على العلاقة بين الزائر والمعروض، بل يمتدّ إلى إشراك المجتمع نفسه في إنتاج الرواية المتحفيّة، بجمع الشهادات الشفويّة، أو مشاركة العائلات في بناء المعارض، أو دعوة الطلبة إلى إنتاج قراءاتهم الخاصّة للمعروضات. هنا يتحوّل الإصغاء من فعل تأمّليّ فرديّ إلى ممارسة جماعيّة تُعيد توزيع الصوت والمعنى، وتفتح المجال أمام روايات متعدّدة تتجاوز السرديّة الواحدة.

وإذا كانت الفينومينولوجيا تدعونا إلى الإصغاء العميق لتجربة الإنسان في العالم، فإنّ التعليم الشعبيّ يدعونا إلى تحويل هذا الإصغاء إلى وعي جماعيّ قادر على مساءلة الواقع وإعادة تخيّله.

وفي السياق الفلسطينيّ، تكتسب هذه الممارسة بعدًا تحرّريًّا خاصًّا، فالإصغاء لا يصبح مجرّد أداة معرفيّة، بل فعل مقاومة ضدّ المحو والتغييب. لذلك، لا يعمل المتحف تحت الاستعمار بوصفه فضاءً للحنين أو النوستالجيا، بل باعتباره مساحة حيّة لإعادة بناء العلاقة مع الواقع، عن طريق توفير أدوات ثقافيّة وتربويّة تساعد الناس في قراءة تجاربهم، والانخراط في إنتاج سرديّاتهم الخاصّة، وتخيّل إمكانيّات جديدة للفعل والتحرّر.

 

المراجع  

International Council of Museums (ICOM). (2022). Museum definition.

Freire, P., & Macedo, D. (1987). Literacy: Reading the word and the world. Bergin & Garvey.