في غزّة، حيث تتوقّف المدارس لكنّ التعلّم لا يتوقّف، يتحوّل التعليم من فعل مؤسّسيّ إلى وجود حيّ. ينتقل من الصفوف إلى الخيام، ومن الكتب إلى تفاصيل الحياة اليوميّة، ومن الدروس الجاهزة إلى أسئلة مفتوحة يفرضها الواقع. في هذا التحوّل الجذريّ، لا يظهر التعليم الشعبيّ في شكل بديل طارئ، بل في شكل استجابة تربويّة تعيد تعريف التعليم بوصفه خبرة إنسانيّة متجذّرة في المعاناة الجماعيّة، ومفتوحة على إمكان التغيير.
من منهج إلى حياة
داخل مراكز الإيواء في غزّة، لا يحضر الأطفال بوصفهم متعلّمين تقليديّين، بل شهودًا على تجربة قاسية تتداخل فيها مشاعر الفقد والخوف وعدم اليقين. من هنا، لا يبدأ التعليم الشعبيّ من المنهج، بل من هذه الخبرات الحيّة. لكنّه لا يكتفي بقراءتها، بل يعمل على تحويلها إلى مدخل لممارسة تربويّة، تتيح للطفل التعبير والمشاركة واستعادة الإحساس بالقدرة.
الوعي الذاتيّ: بين التسمية والعجز عن التعبير
المشهد الميدانيّ (1):
طفل يجمع بقايا الخشب قرب خيمته ليصنع "بيتًا صغيرًا". حين سُئل عن السبب، قال: "عشان أرجّع بيتي". في اليوم التالي، حاول أحد الميسّرين إشراكه في نشاط جماعيّ مشابه، فرفض بشدّة، ودفع الأدوات بعيدًا.
اقترب الميسّر من الطفل بهدوء، وأخفض صوته حتّى لا يتحوّل الموقف إلى مواجهة أمام المجموعة. لم يسأله: لماذا رفضت؟ ولم يطلب إليه الاعتذار أو العودة إلى النشاط. قال له ببساطة: "الأدوات ستبقى هنا، وإذا أحببت أن تعمل وحدك أو معنا فالمكان موجود". ثمّ أبقى قطع الخشب والورق في زاوية قريبة من الطفل، وطلب إلى بقيّة الأطفال متابعة العمل من دون التعليق على سلوكه. بعد دقائق، عاد الطفل إلى لمس بعض الأدوات منفردًا، من غير أن يدخل في النشاط الجماعيّ كاملًا.
أظهر هذا التدخّل أنّ دور الميسّر لم يكن ضبط الطفل أو تفسير حزنه نيابة عنه، بل حماية مساحة التعبير التي بدأها الطفل بنفسه. وهنا يتجلّى التعليم الشعبيّ بوصفه تعليمًا يبدأ من معنى الطفل الخاصّ، ويقبل التعبير المتقطّع وغير المستقرّ، بدل أن يحوّله إلى مهمّة إلزاميّة أو نتيجة جاهزة.
المشهد الميدانيّ (2):
طفلة جلست تبكي بصمت ورفضت المشاركة. حين أعطتها الميسّرة ورقة وألوانًا، رسمت خطوطًا حمراء متشابكة وقالت: "أنا معصّبة". في جلسة لاحقة، عادت إلى النشاط نفسه، لكنّها مزّقت الورقة قبل أن تُكمل، ورفضت أيّ محاولة للحديث.
جلست الميسّرة بالقرب منها من غير أن تقتحم صمتها، وقدّمت الورقة باعتبارها خيارًا لا واجبًا. عندما قالت الطفلة إنّها غاضبة، اكتفت الميسّرة بتأكيد العبارة قائلة: "أنتِ معصّبة الآن، وهذا مسموح"، ولم تفسّر الرسم بدلًا منها. وعندما مزّقت الورقة في الجلسة التالية، لم توقفها بعنف ولم تسألها أمام الآخرين، بل وضعت ورقة أخرى قربها وقالت: "حين تريدين، يمكنك أن تستخدمي واحدة جديدة أو لا تستخدمي شيئًا". في الجلسات اللاحقة بقي النشاط مفتوحًا، فشاركت الطفلة أحيانًا بالرسم، وأحيانًا بالاكتفاء بالمراقبة.
يكشف هذا التدخّل أنّ التعبير الانفعاليّ ليس مسارًا ثابتًا. التعليم الشعبيّ هنا لا يحوّل التعبير إلى هدف يجب تحقيقه، بل يجعله مساحة ممكنة تظهر وتغيب وفق استعداد الطفل، ويمنح المعلّمة أو الميسّرة دور الرفيقة التي تحتمل هشاشة اللحظة بدل استعجال تجاوزها.
إدارة الذات: بين التنظيم والانفلات
المشهد الميدانيّ (3):
عند توزيع الأدوات، اقترح الأطفال قاعدة لتنظيم الدور، ونجحوا في الالتزام بها في البداية. لكن في جلسة لاحقة، ومع ازدياد التوتّر، انهارت القاعدة سريعًا، وارتفعت الأصوات.
أوقفت الميسّرة النشاط لدقائق قصيرة، لا عقابًا، بل فرصة لالتقاط النفس. جمعت الأطفال في دائرة صغيرة وسألتهم: "قاعدتنا لم تنجح اليوم، ماذا نقترح كي نكمل؟" اقترح بعض الأطفال تقليل عدد المشاركين حول الطاولة، واقترح آخرون أن يحمل طفل واحد صندوق الأدوات في كلّ جولة. ساعدتهم الميسّرة في اختيار حلّ عمليّ، ثمّ أعادت توزيع الأدوار: طفل يوزّع، آخر يجمع، وثالث يذكّر بالدور. هدأت الأصوات تدريجيًّا، واستطاع الأطفال إكمال جزء من النشاط، مع قبول أنّ القاعدة قد تحتاج إلى تعديل جديد لاحقًا.
لم يكن هدف التدخّل إعادة النظام فقط، بل إشراك الأطفال في بنائه وفهم حدوده. بهذا تصبح إدارة الذات تجربة تعلّم جماعيّة، لا مجرّد طاعة لتعليمات خارجيّة. ويتجلّى التعليم الشعبيّ في تحويل القواعد من أوامر جاهزة إلى نتاج جماعيّ قابل للمراجعة، بحسب واقع الأطفال وتوتّرهم.
الوعي الاجتماعيّ: بين التعاطف والانغلاق
المشهد الميدانيّ (4):
في جلسة سرد، شارك طفل قصّة فَقْد، فتدخّلت طفلة قائلة: "أنا كمان صار معي هيك". نشأ تعاطف جماعيّ. لكن لاحقًا، قاطع أحد الأطفال الحديث، وانسحب آخرون.
لاحظ الميسّر أنّ طاقة المجموعة بدأت تنخفض، وأنّ بعض الأطفال لم يعودوا قادرين على الاستماع. لم يطلب إلى الطفل إكمال القصّة بأيّ ثمن، ولم يعاتب المنسحبين. شكر الطفل على ما شاركه، ثمّ قال للمجموعة: "يمكن لمن يريد أن يرسم ما يشعر به، ولمن يريد أن يسمع فقط أن يبقى معنا، ولمن يحتاج إلى استراحة أن يجلس في الزاوية الهادئة". قلّص الميسّر دائرة الحديث إلى طفلين أو ثلاثة، وأنهى الجلسة قبل أن يتحوّل التعاطف إلى ضغط أو انكشاف زائد.
يوضّح هذا التدخّل أنّ التعاطف طاقة محدودة في سياق الحرب والنزوح، وليس حالة دائمة تمكن مطالبة الأطفال بها. التعليم الشعبيّ هنا يحترم حدود الطفل، ويعيد تعريف المشاركة بوصفها حقًّا وخيارًا، لا التزامًا اجتماعيًّا يثقل عليه.
مهارات العلاقات: بين التعاون واستعادة الصراع
المشهد الميدانيّ (5):
طفلان كانا دائمَي الشجار، ثمّ عملا معًا على لوحة مشتركة. لكن بعد أيّام، عاد الخلاف بينهما.
تعاملت الميسّرة مع عودة الخلاف باعتبارها جزءًا من بناء العلاقة، لا دليلًا على فشل النشاط السابق. فصلت الطفلَين مؤقّتًا من غير إقصاء، ثمّ دعت كلّ واحد منهما إلى وصف ما حدث بكلمات قصيرة أو برسم سريع. بعد ذلك استخدمت لعب الأدوار: طلبت إلى كلّ طفل أن يقول جملة واحدة من موقع الآخر، مثل: "أنا انزعجت عندما أخذت اللون"، أو "أنا كنت أريد أن أكمل اللوحة". في نشاط لاحق أعادتهما إلى مهمّة مشتركة صغيرة ومحدّدة، مثل اختيار عنوان للوحة أو ترتيب الألوان، قبل العودة إلى تعاون أوسع.
لا يسعى هذا التدخّل لإنهاء الصراع نهائيًّا، بل إلى العمل داخله وتحويله إلى فرصة للفهم. في هذا المعنى يظهر التعليم الشعبيّ في تعامله مع العلاقات كما تتشكّل فعلًا في الواقع، بما فيها من تقارب وتوتّر وعودة إلى الخلاف، لا كما ينبغي أن تكون في صورة مثاليّة.
اتّخاذ القرار: بين التمكين والتردّد
المشهد الميدانيّ (6):
طلبت الميسّرة إلى الأطفال اختيار النشاط، فاختاروا مرّة، وتردّدوا مرّة أخرى، وبدا على بعضهم الارتباك أمام كثرة الخيارات.
عندما لاحظت الميسّرة التردّد، لم تفسّره بوصفه ضعفًا أو عدم رغبة. قلّصت الخيارات من أربعة إلى خيارَين، وشرحت كلّ خيار بجملة بسيطة. ثمّ استخدمت التصويت برفع اليد، مع ترك مساحة لمن لا يريد الاختيار. في بعض المرّات اعتمدت قرار الأغلبيّة، وفي مرّات أخرى قسّمت المجموعة إلى نشاطَين صغيرَين. قالت للأطفال: "يمكن أن نختار اليوم شيئًا بسيطًا، ونغيّره في اللقاء القادم". ساعد ذلك بعض الأطفال في المشاركة في القرار، من غير شعور بأنّ الاختيار عبء كبير أو نهائيّ.
يعكس هذا التدخّل أنّ الاختيار ليس دائمًا تمكينًا مباشرًا، فقد يتحوّل في ظروف الحرب إلى عبء إضافيّ. التعليم الشعبيّ هنا يدعم القدرة على اتّخاذ القرار تدريجيًّا، ويجعل الاختيار تمرينًا آمنًا قابلًا للتراجع والتعديل، لا اختبارًا لقدرة الطفل.
حدود التدخّل: عندما لا يحدث التغيير
المشهد الميدانيّ (7):
طفل يرفض المشاركة باستمرار، ثمّ يقترب لاحقًا من دون تفاعل واضح.
حافظ الميسّر على وجود الطفل داخل المساحة من غير أن يجعله موضوعًا للملاحظة أو الضغط. كان يحيّيه في بداية اللقاء كما يحيّي بقيّة الأطفال، ويترك له مكانًا قريبًا من النشاط لا في مركزه. لم يسأله كلّ مرّة: "هل ستشارك؟" بل كان يضع أمامه خيارًا صغيرًا: ورقة، لونًا، أو مقعدًا قريبًا. بعد عدّة لقاءات، اقترب الطفل من المجموعة، فاستقبله الميسّر بابتسامة خفيفة ومن دون إعلان ذلك أمام الآخرين. بقي الطفل صامتًا، لكنّ وجوده صار أقرب وأكثر اطمئنانًا.
يكشف هذا التدخّل تحوّلًا مهمًّا: من السعي للتغيير السريع إلى الحفاظ على إمكانيّة التغيير. التعليم الشعبيّ هنا يقوم على الاستمراريّة وبناء الثقة، لا على النتائج الفوريّة أو المؤشّرات السريعة، ويقبل أن يكون الاقتراب الصامت شكلًا من أشكال الحضور.
***
في غزّة، لا يسير التعلّم في خطّ مستقيم، ولا تُقاس نتائجه بلحظات النجاح وحدها. هناك أطفال يتقدّمون، وآخرون يتراجعون، وبعضهم يبقى في المساحة ذاتها. لكن داخل هذه المساحة يحدث شيء آخر: تنفتح إمكانات صغيرة للتعبير والاختيار والانسحاب والعودة.
التعليم الشعبيّ، في هذه التجربة، لا يكتفي بمرافقة الواقع، بل يبدأ من داخله في إعادة تشكيل العلاقة معه. وحين يصبح الميسّر أو المعلّمة شاهدًا مرافقًا لا سلطة ضابطة فقط، يتحوّل التعلّم إلى ممارسة إنسانيّة تحفظ للأطفال حقّهم في المعنى، وفي البطء، وفي المحاولة. وهنا لا يكون التعلّم مجرّد استجابة، بل خطوة أولى هادئة، لكنّها عميقة نحو التغيير.





نشر في عدد (25) صيف 2026