في السودان، لا يبدأ التعليم دائمًا من داخل المدارس أو الفصول التقليديّة. أحيانًا يبدأ من غرفة صغيرة داخل مركز مجتمعيّ، أو من مجموعة شباب يحملون كتبًا مستعملة، أو من متطوّع يجلس مع الأطفال في ساحة مفتوحة ليشرح لهم درسًا بسيطًا. وفي بعض الأحياء، برزت مبادرات فرديّة لتقوية الطلّاب في الموادّ الأساسيّة، تحوّلت مع الوقت إلى مساحات تعليميّة يشارك فيها الأهالي والمتطوّعون والشباب.
هناك، حيث يحاول الناس خلق فرص التعلّم بأنفسهم، يظهر ما يُعرف بالتعليم الشعبيّ؛ ذلك الشكل من التعليم الذي يقوم على المشاركة المجتمعيّة والشعور الجماعيّ بأن المعرفة مسؤوليّة مشتركة، وليست مهمّة المؤسّسات وحدها.
هذه التجارب لم تنشأ من وفرة الإمكانيّات، بل من رغبة المجتمع في أن يظلّ التعليم متاحًا وقريبًا من الناس. لذلك، لم يعد التعليم في بعض المبادرات مجرّد مهمّة تقوم بها المؤسّسات الرسميّة، بل أصبح عملًا يشارك فيه المتطوّعون والأهالي والشباب والمجتمعات المحلّيّة، كلّ بطريقته الخاصّة. ومن بين هذه التجارب تبرز نماذج حاولت إعادة تعريف العمليّة التعليميّة نفسها، ليس فقط بتوفير فرص للتعلّم، بل بإشراك المجتمع في تخطيطها وتنفيذها واستمرارها.
"تعليم بلا حدود": حين يصبح المجتمع معلّمًا
من أبرز هذه التجارب في السودان مبادرة "تعليم بلا حدود"، وهي حركة شبابيّة تطوّعيّة انطلقت سنة 2011 من فكرة جوهريّة، مفادها أنّ المجتمع بأسره يمكن أن يكون جزءًا من الحلّ التعليميّ، لا مجرّد متلقّ للخدمة. لذلك لم تقدّم الحركة نفسها على أنّها منظّمة تقليديّة، بل مبادرة تسعى، وفق أدبيّاتها، لـ"الذوبان في المجتمع"، بحيث يصبح التعليم قضيّة يوميّة يشارك فيها الجميع بصورة مباشرة.
ومن رحم هذه الرؤية، انبثق مشروع "الشعب المعلّم"، أحد أكبر مشاريع الحركة، والذي يركّز على محو الأمّيّة والتعليم الموازي وتعليم الكبار وتنمية المهارات الحياتيّة والمهنيّة داخل المجتمعات المحلّيّة. لكن ما يميّز هذه التجربة ليس أهدافها فحسب، بل الطريقة التي أعادت بها تعريف العمليّة التعليميّة ذاتها.
ففي هذا النموذج، لم يعد "المعلّم" بالضرورة موظفًا داخل فصل دراسيّ، بل أصبح أيّ فرد يمتلك القدرة على نقل المعرفة والإسهام في بناء العمليّة التعليميّة. من طلّاب الجامعات والمتطوّعين إلى الأهالي والميسّرين المحلّيّين، شارك الجميع في صناعة تجربة تعليميّة تقوم على التعلّم التشاركيّ لا التلقين التقليديّ.
تجلّت هذه الفكرة عمليًّا داخل مراكز "الشعب المعلّم" التي أُنشئت في عدد من الأحياء والمجتمعات المحلّيّة. هناك، كان المتعلّمون يجلسون في مجموعات صغيرة يقودها ميسّرون ومتطوّعون تلقّوا تدريبًا على أساليب تعليم الكبار. ولم تكن الدروس تعتمد على الحفظ المجرّد، بل على الحوار والمشاركة وربط التعلّم بالحياة اليوميّة للمتعلّمين. فتعليم القراءة والكتابة والحساب كان ينطلق من قضايا ومواقف قريبة من واقعهم، بما يجعل المعرفة أداة للتفاعل مع الحياة لا مادّة منفصلة عنها.
كما لم يقتصر دور الميسّر على الشرح، بل شمل إدارة النقاش وتشجيع المشاركين على تبادل الخبرات والتعلّم من بعضهم البعض. وامتدت العمليّة التعليميّة إلى نوادي القراءة والأنشطة الفنّيّة والمسرحيّة والمهارات الحياتيّة، ما جعل المتعلّم شريكًا في إنتاج المعرفة، لا متلقّيًا سلبيًّا لها.
ولم تقتصر التجربة على التعليم الأكاديميّ فقط، بل سعت لإعادة دمج المتسرّبين من التعليم، وتمكين النساء والشباب، وبناء مهارات تساعد المجتمعات في الإنتاج والاستمرار. وفي فعّاليّات مثل "يوم القراءة"، والتي جمعت آلاف الشباب للقراءة الجماعيّة في الأماكن العامّة، لم يكن الهدف مجرّد الترويج للكتب، بل إعادة إحياء القراءة بوصفها فعلًا اجتماعيًّا وممارسة جماعيّة.
ما حقّقته مبادرة "الشعب المعلّم" أنّها تعاملت مع التعليم على أنّه قضيّة اجتماعيّة متكاملة، ترتبط بالوعي والثقافة والتنمية والعمل الجماعيّ، لا مجرّد منهج دراسيّ أو امتحان.
"صدقات" والتعليم الإلكترونيّ: التكنولوجيا في خدمة المجتمع
في سياق مختلف، برزت تجربة منظّمة صدقات في مراكز التعليم الإلكترونيّ بوصفها امتدادًا لفكرة التعليم الشعبيّ، ولكن بأدوات أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا والتعليم التفاعليّ. فقد سعت المبادرة لتوفير بيئات تعليميّة داخل المجتمعات المحلّيّة، تعتمد على أجهزة لوحيّة تحتوي على موادّ تعليميّة تفاعليّة، أُعدّت بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم وبدعم من اليونيسف، خصوصًا في برامج تعليم الكبار والتعليم الموازي.
احتوت هذه الأجهزة على فيديوهات تعليميّة وألعاب وأنشطة تفاعليّة، تساعد الأطفال والمتعلّمين في الفهم بطريقة مبسّطة، مع مراعاة اختلاف المستويات التعليميّة والفاقد التعليميّ.
لكنّ الأهمّيّة الحقيقيّة لهذه التجربة لم تكن تقنيّة فقط، بل مجتمعيّة بالدرجة الأولى. فداخل المراكز لم يكن الأطفال يجلسون أمام الأجهزة بصورة فرديّة ومعزولة، بل كانت الجلسات تُدار بواسطة ميسّرين ومتطوّعين يساعدونهم في التفاعل مع المحتوى التعليميّ ومناقشته. يشاهد المتعلّمون المقاطع التعليميّة، ثمّ يشاركون في أنشطة وألعاب وتمارين تطبيقيّة تساعدهم في فهم المفاهيم وترسيخها.
كما كان الميسّرون يتابعون تقدّم الأطفال بصورة يوميّة، ويقدّمون دعمًا إضافيًّا إلى من يحتاجون إلى مزيد من الشرح أو المساندة. وفي الوقت نفسه، شاركت المجتمعات المحلّيّة في توفير أماكن المراكز وتنظيم حضور الأطفال ومتابعتهم، بينما أسهم السودانيّون في الخارج في الدعم والتمويل والمساندة اللوجستيّة.
والنتيجة في نهاية فترة الدراسة كانت التجسير إلى المدارس واللحاق بها بواسطة امتحان (قدرات)، والذي أتاح أن يلتحق اليافعون بالفصول الدراسيّة المناسبة لهم حسب قدراتهم.
بهذا المعنى، لم يعد التعليم الإلكترونيّ مجرّد شاشة أو محتوى رقميّ، بل عمليّة اجتماعيّة متكاملة يشارك فيها الأهالي والمتطوّعون والداعمون والميسّرون. فالتكنولوجيا هنا لم تكن بديلًا عن المجتمع، بل أداة استخدمها المجتمع نفسه لتوسيع فرص التعلّم، والوصول إلى فئات أكثر تنوّعًا.
"فصل في الشارع": حين يتحوّل الفضاء العامّ إلى مساحة للتعلّم
وفي تجربة مختلفة من حيث الشكل، لكنّها قريبة من الفكرة ذاتها، ظهرت مبادرة "فصل في الشارع" التي أطلقها المخرج الإذاعيّ عبد العظيم محمّد الطيّب، برفقة زوجته الممثّلة عوضيّة مكّيّ.
لم تنتظر المبادرة مبنى مدرسيًّا أو تجهيزات رسميّة، بل انطلقت من الشارع نفسه، حيث تحوّل الفضاء العامّ إلى مساحة تعليميّة مفتوحة للأطفال. وكان الأطفال يجلسون في الهواء الطلق ويتلقّون تعليمًا يعتمد على الحكايات والرسم والألعاب والمسرح والأنشطة الجماعيّة، إلى جانب القراءة والكتابة.
ولم تكن الجلسات التعليميّة تشبه الصفوف التقليديّة، فقد اعتمدت على المشاركة والتفاعل أكثر من اعتمادها على التلقين. وكان الأطفال يتعلّمون عن طريق اللعب والرسم والقصص والأنشطة الجماعيّة، بينما تُستخدم هذه الوسائل لشرح المفاهيم الأساسيّة، وتنمية مهارات التواصل والتعبير.
لكنّ التجربة لم تتوقّف عند التعليم الأكاديميّ فقط، بل اهتمّت أيضًا بالجوانب النفسيّة والاجتماعيّة للأطفال، لا سيّما في موضوعات مثل الحماية الشخصيّة والتعبير عن المشاعر والثقة بالنفس. وهنا كان للتعليم الشعبيّ دور مختلف: ليس فقط في نقل المعرفة، بل في خلق مساحة آمنة للحوار والتفاعل والتعبير.
وبذلك أصبحت العلاقة بين الميسّر والطفل أقرب إلى علاقة داعمة تقوم على التشجيع والمرافقة، لا على التلقين وحده. ولم يكن "فصل في الشارع" مجرّد بديل مؤقّت للمدرسة، بل نموذج لتعليم مرن قادر على الوصول إلى الأطفال بوسائل بسيطة وقريبة من واقعهم.
التعليم بوصفه فعلًا مجتمعيًّا
ما يجمع بين هذه التجارب جميعًا أنّها تنطلق من الفكرة نفسها: أنّ التعليم لا ينتظر الظروف المثاليّة، بل يُصنع بالإرادة الجماعيّة. ففي كلّ تجربة، لا يكون المجتمع مجرّد داعم للتعليم، بل شريكًا أصيلًا في تخطيطه وتنفيذه واستمراره.
تؤكّد هذه المبادرات أنّ التعليم ليس حكرًا على الفصول الدراسيّة أو المناهج التقليديّة، بل هو عمليّة حيّة تتشكّل وتتطوّر وفق احتياجات الناس ومجتمعاتهم. كما تقدّم نماذج مختلفة لكيف يمكن للمعرفة أن تجد طريقها إلى الناس عن طريق التطوّع والمشاركة، والإبداع في ابتكار مساحات جديدة للتعلّم.
وفي السودان اليوم، تمثّل هذه التجارب أكثر من مجرّد مبادرات تعليميّة؛ فهي شواهد على قدرة المجتمعات على ابتكار حلولها الخاصّة، وعلى أنّ التعليم، في جوهره، فعل مجتمعيّ قبل أن يكون خدمة تُقدَّم. وحين يتحوّل المجتمع نفسه إلى مدرسة، تصبح المعرفة أكثر قربًا من الناس، وأكثر قدرة على الاستمرار والتأثير.





نشر في عدد (25) صيف 2026