لم يعد التحدّي التربويّ في المدرسة المعاصرة مقتصرًا على نقل المعارف والمهارات، فقد أصبح مرتبطًا أيضًا بقدرة المدرسة على تكوين متعلّمين قادرين على التفكير والحوار وبناء المواقف. ومع ذلك، ما تزال بعض الممارسات الصفّيّة تقوم على التلقين وإعادة إنتاج المعرفة الجاهزة، ما يجعل المتعلّم متلقّيًا أكثر منه فاعلًا في بناء التعلّم (Dewey, 1916).
ينطلق هذا المقال من تجربة صفّيّة بسيطة داخل المستوى السادس الابتدائيّ، ويقترح قراءة تطبيقيّة لإمكانات توظيف بيداغوجيا الحوار داخل المدرسة العموميّة المغربيّة، من دون تجاهل الإكراهات الواقعيّة المرتبطة بالزمن المدرسيّ والاكتظاظ وضغط البرامج.
من التعليم البنكيّ إلى التعليم الحواريّ
يقوم التعليم البنكيّ، في تصوّر فريري، على علاقة عموديّة بين الأستاذ والمتعلّم. وينظر هذا النموذج إلى المعرفة بوصفها مضمونًا جاهزًا يُودَع داخل ذهن المتعلّم، ثمّ يُطلب إليه استرجاعه عند الحاجة، لذلك يضعف هذا التصوّر التفكير النقديّ، ويجعل القسم فضاءً للتلقّي أكثر منه فضاءً للمساءلة (Freire, 2000).
أمّا التعليم الحواريّ فيُبنى على التفاعل. ولا يعني ذلك غياب دور الأستاذ، بل تحوّله من مصدر وحيد للمعرفة إلى ميسّر للنقاش، ومنظّم لشروط التعلّم. غير أنّ قيمة الحوار عند فريري لا تكمن فقط في تنشيط المشاركة داخل القسم، بل في تمكين المتعلّم من الانتقال من مجرّد التعبير عن الرأي إلى فهم الواقع الاجتماعيّ ونقده بوعي. فالحوار، بهذا المعنى، ليس مجرّد تقنيّة تعليميّة أو تبادل للكلام، وإنّما ممارسة تربويّة نقديّة تساعد المتعلّم في قراءة العالم وفهم علاقات السلطة والتفاوت التي تشكّل واقعه اليوميّ، بما يجعله قادرًا على اتّخاذ موقف واعٍ وفاعل تجاهه (Freire, 1973, 1998).
يتّضح الفرق بين النموذجين في ثلاث نقاط:
- 1. في التعليم البنكيّ: المعرفة جاهزة، والمتعلّم مستقبل لها.
- 2. في التعليم الحواريّ: المعرفة تبنى جماعيًّا انطلاقًا من السؤال والتجربة.
- 3. في النموذج الحواريّ: يتحوّل الخطأ والاختلاف إلى فرصتين للتفكير، لا إلى سببين للإقصاء.
لماذا تحتاج المدرسة العموميّة إلى الحوار؟
تحتاج المدرسة العموميّة المغربيّة إلى ممارسات حواريّة، لأنّها تخاطب متعلّمين يأتون إلى القسم بخبرات أسريّة واجتماعيّة وثقافيّة مختلفة. وعندما يسمح الدرس بظهور هذه الخبرات، يصبح التعلّم أقرب إلى الواقع، وأكثر قدرة على إنتاج المعنى داخل سياق اجتماعيّ مشترك (Vygotsky, 1978). غير أنّ أهمّيّة الحوار لا تتوقّف عند تشجيع المتعلّم على المشاركة أو التعبير عن رأيه، بل تتمثّل أساسًا في مساعدته في فهم العالم المعاش وتحليل العلاقات الاجتماعيّة التي تؤطّره، بما يفتح المجال أمام التفكير النقديّ في آليّاته وإمكانات تطويره أو تغييره. فالحوار، بهذا المعنى، يمثّل مدخلًا لبناء وعي نقديّ يربط المعرفة المدرسيّة بقضايا المجتمع والواقع اليوميّ.
• يساعد الحوار المتعلّم في التعبير عن رأيه وتبريره، انطلاقًا من فهم أعمق للواقع الذي يعيش فيه.
• يفتح المجال أمام الاستماع إلى وجهات نظر مختلفة، بما يعزّز التفكير النقديّ بدل التلقّي السلبيّ.
• يمكّن الأستاذ من فهم تمثّلات المتعلّمين، وربط التعلّمات الجديدة بسياقاتهم الاجتماعيّة والثقافيّة.
• يربط المعرفة المدرسيّة بقضايا الحياة اليوميّة، فيتجاوز الحفظ الآليّ نحو تحليل الواقع والتفكير في تغييره.
تجربة صفّيّة قائمة على الحوار
أثناء حصّة دراسيّة في المستوى السادس الابتدائيّ، جرى العمل على وضعيّة قريبة من حياة المتعلّمين. ارتبطت الوضعيّة بالاستعمال المفرط للهاتف المحمول، وتأثيره في العلاقات داخل الأسرة وفي التركيز المدرسيّ.
السؤال المحفّز للنقاش:
إذا طلب إليك أحد أفراد أسرتك التوقّف عن استعمال الهاتف أثناء الجلوس مع العائلة أو أثناء المراجعة، فكيف سيكون ردّ فعلك؟ ولماذا؟
قُسّم المتعلّمون إلى مجموعات صغيرة، وقد أوضحت لهم منذ البداية أنّ الهدف ليس البحث عن جواب نموذجيّ واحد، بل تبرير المواقف، ومناقشة الآثار، واحترام الاختلاف.
مسار النقاش داخل القسم
أظهرت المناقشة مواقف متعدّدة، فرأى بعض المتعلّمين أنّ الهاتف وسيلة ضروريّة للتواصل والترفيه والتعلّم. في المقابل، اعتبر آخرون أنّ الاستعمال المفرط يضعف التواصل الأسريّ، ويؤثّر في الانتباه والتحصيل. كما ظهرت مواقف وسطى دافعت عن تنظيم الاستعمال بدل منعه بشكل كامل.
أسئلة موجّهة عمّقت الحوار:
- هل يمكن أن يتحوّل الهاتف من وسيلة مفيدة إلى مصدر للمشكلات؟
- كيف يمكن تنظيم استعماله من دون منعه نهائيًّا؟
- هل يشعر أفراد الأسرة جميعهم بالطريقة نفسها تجاه الهاتف؟
- ما أثر استعماله المفرط في العلاقات داخل البيت أو القسم؟
- كيف تؤثّر التكنولوجيا في العلاقات والوقت والانتباه وأنماط العيش داخل الأسرة والمدرسة؟
لم يكن دوري تقديم الأجوبة الجاهزة، بل كان دوري توجيه النقاش، وإعادة صياغة الأفكار، ودفع المتعلّمين إلى التفكير في نتائج مواقفهم. وقد انتقل عدد من المتعلّمين تدريجيًّا من تبرير قائم على الرغبة الشخصيّة، إلى تفكير يأخذ أثر السلوك في الآخرين بعين الاعتبار.
ما الذي تكشفه التجربة؟
تكشف هذه التجربة أنّ الحوار لا يقتصر على تنشيط المشاركة، بل يمكن أن يتحوّل إلى أداة لبناء الوعي النقديّ، حين يمنح المتعلّم فرصة للتعبير والمساءلة والاستماع والمراجعة (Shor, 1992). ولم يكن النقاش حول الهاتف مجرّد موضوع سلوكيّ مرتبط بتنظيم استعماله داخل المدرسة، بل شكّل مناسبة لتمكين المتعلّمين من قراءة واقعهم اليوميّ وتحليل علاقاتهم وممارساتهم المرتبطة بالتكنولوجيا، بما يسمح بتحويل التجربة اليوميّة إلى موضوع للتفكير والنقد.
وعلى مستوى التعلّم، ساعد النقاش على ربط الدرس بتجربة واقعيّة يعيشها المتعلّمون يوميًّا، وجعل المعرفة أكثر ارتباطًا بالسياق الاجتماعيّ. وعلى مستوى العلاقات الصفّيّة، حوّل الحوار الاختلاف إلى مادّة للتفكير بدل اعتباره سببًا للتوتّر أو الإقصاء. أمّا على مستوى دور الأستاذ، فقد أبرز النشاط أهمّيّة الانتقال من منطق التحكّم في الإجابة إلى منطق مرافقة التفكير النقديّ وتوجيهه. فالأستاذ، في أفق التعليم الشعبيّ، لا يقتصر دوره على تنظيم الحوار أو توزيع الكلام، بل يسهم في مساعدة المتعلّمين في تفكيك المسلّمات وإعادة النظر في التمثّلات الجاهزة، بما يدعم بناء وعي نقديّ تدريجيّ تجاه الواقع (Giroux, 1988).
مع ذلك، لا يمكن إغفال حدود هذا الاختيار البيداغوجيّ. فالحوار يحتاج إلى زمن كافٍ، وقواعد واضحة، ومناخ صفّيّ آمن. كما قد يصطدم بالاكتظاظ، وضغط البرنامج، واستمرار تمثّلات تجعل الأستاذ المصدر الوحيد للمعرفة، بدل النظر إليه بوصفه مثقّفًا ميسّرًا وموجّهًا للتعلّم النقديّ. غير أنّ هذه الإكراهات لا تمنع بناء ممارسات حواريّة جزئيّة، تبدأ من أسئلة بسيطة وقريبة من واقع المتعلّمين، وتمهّد تدريجيًّا لترسيخ ثقافة الحوار والتفكير النقديّ داخل المدرسة.
إجراءات عمليّة لتفعيل الحوار داخل القسم
- 1. يمكن للأستاذ أن يدرج بيداغوجيا الحوار تدريجيًّا بإجراءات بسيطة، من بينها:
- 2. اختيار وضعيّة قريبة من حياة المتعلّمين، حتّى يشعروا بأنّ الدرس يمسّ تجربتهم.
- 3. صياغة سؤال مفتوح يسمح بتعدّد الإجابات، ولا يقود مباشرة إلى جواب واحد.
- 4. تقسيم المتعلّمين إلى مجموعات صغيرة، لتقليل الخوف من الكلام أمام القسم كلّه.
- 5. الاتّفاق على قواعد مختصرة للنقاش، مثل احترام الدور، وعدم السخرية، وتبرير الرأي.
- 6. تدوين الأفكار الأساسيّة على السبّورة، ثمّ إعادة تنظيمها في خلاصات مشتركة.
- 7. ربط الخلاصة بسلوك عمليّ أو قيمة تربويّة قابلة للملاحظة داخل القسم أو البيت.
***
تذكّرنا بيداغوجيا الحوار عند باولو فريري بأنّ التعليم ليس نقلًا للمعارف فقط، بل ممارسة إنسانيّة تساعد المتعلّم في فهم ذاته وواقعه، وبناء مواقفه بوعي. وعلى الرغم من اختلاف السياق الذي ظهرت فيه أفكار فريري عن واقع المدرسة العموميّة المغربيّة، فإنّ بعض الممارسات الصفّيّة القائمة على النقاش يمكن أن تجعل التعلّم أكثر مشاركة وارتباطًا بالحياة اليوميّة. فالقسم، في أفق التعليم الحواريّ، لا يصبح مجرّد فضاء لتبادل الآراء، بل مجالًا لإنتاج المعنى والوعي والمسؤوليّة، حين ينطلق التعلّم من تجربة المتعلّمين اليوميّة، ويقودهم إلى مساءلة واقعهم وفهمه بصورة نقديّة. وبهذا المعنى، يتحوّل التعلّم إلى ممارسة للحرّيّة والمسؤوليّة، لا إلى مجرّد اكتساب للمعلومات (hooks, 1994).
قد لا يبدأ الإصلاح التربويّ دائمًا من القرارات الكبرى، فقد يبدأ أحيانًا من سؤال جيّد داخل القسم، ومن فرصة يمنحها الأستاذ للمتعلّمين كي يتكلّموا ويفكّروا ويشاركوا في بناء المعنى.
المراجع
- - Dewey, J. (1916). Democracy and education: An introduction to the philosophy of education. The Macmillan Company.
- - Freire, P. (1973). Education for critical consciousness. Continuum.
- - Freire, P. (1998). Pedagogy of freedom: Ethics, democracy, and civic courage (P. Clarke, Trans.). Rowman & Littlefield Publishers.
- - Freire, P. (2000). Pedagogy of the oppressed (30th anniversary ed.; M. B. Ramos, Trans.). Continuum. (Original work published 1970)
- - Giroux, H. A. (1988). Teachers as intellectuals: Toward a critical pedagogy of learning. Bergin & Garvey.
- - Hooks, b. (1994). Teaching to transgress: Education as the practice of freedom. Routledge.
- - Shor, I. (1992). Empowering education: Critical teaching for social change. University of Chicago Press.
- - Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes (M. Cole, V. John-Steiner, S. Scribner, & E. Souberman, Eds.). Harvard University Press.





نشر في عدد (25) صيف 2026