كيف تتحوّل حصص علم الاجتماع إلى مشاريع للمواطنة والتغيير المجتمعيّ؟
كيف تتحوّل حصص علم الاجتماع إلى مشاريع للمواطنة والتغيير المجتمعيّ؟
نجوى عبد الخالق سابق | خبيرة ومرشدة تربويّة

يقدّم هذا المقال تجارب تعليميّة في مادّة علم الاجتماع، ليس بوصفها مجموعة مفاهيم ونظريّات تُحفَظ لأجل الامتحانات، بل باعتبارها مساحة لفهم المجتمع والتفاعل معه. انطلقت المقاربة التربويّة فيه من فكرة أساسيّة مفادها أنّ التعلّم الحقيقيّ لا يقتصر على الكتاب المدرسيّ، بل يرتبط بالحياة اليوميّة، وبقدرة المتعلّم على توظيف المعرفة في واقعه الاجتماعيّ.

ومن هذا المنطلق، تحوّلت حصص علم الاجتماع إلى مساحات للحوار والتفكير النقديّ والعمل الجماعيّ والمبادرات الميدانيّة. ولم يعد المتعلّم متلقّيًا سلبيًّا للمعلومات، بل مشاركًا في النقاش وتحليل القضايا الاجتماعيّة، واقتراح البدائل العمليّة للمشكلات المحيطة به.

 

التعليم الشعبيّ وبناء الوعي الاجتماعيّ

استندت التجربة إلى فلسفة التعليم الشعبيّ أو التعلّم المرتبط بالحياة، وهو توجّه تربويّ يتمحور حول المتعلّم، وينطلق من خبراته اليوميّة لفهم الواقع وتحليله والعمل على تغييره. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى التعليم بوصفه عمليّة تلقين للمعلومات، بل باعتباره ممارسة تشاركيّة تساعد المتعلّمين في إنتاج المعرفة، والمشاركة في معالجة القضايا الاجتماعيّة والاقتصاديّة والبيئيّة، والتطلّع إلى تغيير الواقع (Freire, 1970).

ساعد هذا التوجّه في ربط المعرفة النظريّة بالتجارب الواقعيّة داخل المدرسة والمجتمع، كما عزّز قيم العدالة الاجتماعيّة والمساواة والعمل الجماعيّ وتحمّل المسؤوليّة. وأسهمت الأنشطة التشاركيّة في بناء وعي اجتماعيّ أعمق لدى الطلّاب، وفي تعزيز قدرتهم على الحوار والتعاون واتّخاذ القرار.

وبهذه المقاربة، اكتسب الطلّاب مهارات القرن الحادي والعشرين، مثل التفكير النقديّ، وحلّ المشكلات، والإبداع، والعمل الجماعيّ، ومهارات التواصل، والقيادة وتحمّل المسؤوليّة. كما دُمج التعلّم الاجتماعيّ العاطفيّ (Social Emotional Learning) داخل الأنشطة الصفّيّة واللا-منهجيّة، ما ساعد الطلّاب في فهم ذواتهم والتفاعل الإيجابيّ مع الآخرين (CASEL, 2023).

 

التعلّم بالمشاريع وربط المعرفة بالواقع

اعتمدت التجربة التعليميّة على التعلّم القائم على المشاريع (Project-Based Learning)، بوصفه مقاربة تربويّة تهدف إلى تحويل المعرفة النظريّة إلى ممارسة عمليّة مرتبطة بحياة المتعلّمين وواقعهم الاجتماعيّ والبيئيّ (Thomas, 2000). وقد أتاح هذا النوع من التعلّم للطلّاب فرصة الانتقال من التلقّي إلى المشاركة الفعليّة في تحليل المشكلات، والبحث عن حلول واقعيّة لها.

ومن أبرز المشاريع التي نُفّذت مشروع Trash to Cash، وهو مشروع بيئيّ – اقتصاديّ انطلق من تساؤل محوريّ حول إمكانيّة تحويل النفايات من عبء بيئيّ إلى فرصة للإبداع والإنتاج والاستفادة الاقتصاديّة. بدأ الطلّاب بدراسة واقع النفايات في محيطهم المدرسيّ والاجتماعيّ، ثمّ عملوا على جمع النفايات وفرزها وبيع جزء منها لشركات متخصّصة بإعادة التدوير، إلى جانب إعادة استخدام بعض الموادّ داخل المدرسة في أنشطة ومجسّمات وأعمال تطبيقيّة.

غير أنّ التجربة لم تقتصر على الجانب التطبيقيّ أو البيئيّ المباشر، بل سعت لتوظيف المشروع مدخلًا للتفكير النقديّ وفهم الأبعاد الاجتماعيّة للمشكلة. فالمقاربة المستلهمة من التعليم الشعبيّ لا تكتفي بالتكيّف مع الواقع أو تحسينه جزئيًّا، بل تسعى لتفكيك المشكلات وتحليل أسبابها البنيويّة بهدف تغييره. ومن هنا، لم يُنظر إلى انتشار النفايات بوصفه أمرًا طبيعيًّا أو مسلّمًا به، بل طُرحت أسئلة نقديّة حول أسباب تفاقم المشكلة، ودور السلطة والمجتمع في إنتاجها واستمرارها، والمسؤوليّات المرتبطة بمعالجتها.

 

فتح ذلك المجال أمام الطلّاب للتفكير في حلول ذات بعد اجتماعيّ وتغييريّ، تقوم على تعزيز الوعي البيئيّ، والمطالبة بدور أكثر فاعليّة للمؤسّسات المعنيّة، والعمل على تغيير بعض السلوكيّات والعادات المجتمعيّة المرتبطة بإدارة النفايات، إضافة إلى اقتراح خطوات عمليّة ومستدامة لتحسين الواقع البيئيّ بصورة جماعيّة ومسؤولة.

أسهم المشروع في تعزيز الوعي البيئيّ لدى الطلّاب، وتنمية مهارات العمل الجماعيّ والتفكير الإبداعيّ، إلى جانب تعزيز روح المبادرة وتحمّل المسؤوليّة، وربط القضايا البيئيّة بالواقعين الاجتماعيّ والاقتصاديّ بصورة عمليّة وتفاعليّة. ومع أهمّيّة هذه الأهداف، إلّا أنّ المقاربة المعتمدة سعت لتجاوز حدود التوعية التقليديّة نحو إحداث تغيير فعليّ في الواقع، عن طريق تحليل الأسباب البنيويّة والحقيقيّة للمشكلات البيئيّة والاجتماعيّة، وهو ما يشكّل أحد أبرز عناصر التمايز التي يقدّمها التعليم الشعبيّ. كما أدّى التكامل بين الموادّ الدراسيّة دورًا محوريًّا في نجاح التجربة، إذ شاركت معلّمتا الرسم والكيمياء في تنفيذ بعض الأنشطة، ما عزّز البعد التطبيقيّ للتعلّم، وأسهم في بناء خبرات تعليميّة مترابطة وأكثر ارتباطًا بحياة المتعلّمين وواقعهم.

 

المدرسة بوصفها مجالًا للمواطنة والعمل المجتمعيّ

امتدّت التجربة التعليميّة إلى خارج الصفوف الدراسيّة، في مشاريع ومبادرات مجتمعيّة هدفت إلى تعزيز مفهوم المواطنة الفاعلة، وربط التعلّم بقضايا المجتمع المحلّيّ. لم تكن هذه المبادرات مشاريع جاهزة أو أنشطة مفروضة، بل انطلقت من الحوار مع الطلّاب والدراسة الميدانيّة لواقع البلدة، بحيث شُخّصت مشكلة حقيقيّة تتعلّق بنقص مساحة آمنة للعب والتفاعل الاجتماعيّ لأطفال البلدة، وكونهم يلعبون دائمًا في الطرقات.

في سياق ذلك، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعيّة عن مباراة لتمويل مشاريع خدمة المجتمع في المدارس والثانويّات والجامعات، الرسميّة والخاصّة. وبمجرّد وصول هذا الإعلان، تحمّست معلّمة الاجتماع وأطلعت طلّابها وزملاءها على هذا الموضوع. وبوضع خطّة تفصيليّة، حصل الطلّاب مع معلّمتهم على تمويل للمشروع بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعيّة. أطلقوا على المشروع اسم "إيد بإيد لنعمل بحاصبيّا شي جديد"، ووضعوا خطّته وحصلوا على تمويل من البنك الدوليّ، وبالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعيّة، قدّمت بلديّة حاصبيّا الأرض اللازمة، ونُفّذ المشروع بالكامل.

أسهمت هذه التجربة في تعزيز شعور الطلّاب بالانتماء والمسؤوليّة الاجتماعيّة، وأظهرت لهم أنّ المواطنة ليست مجرّد مفهوم نظريّ، بل ممارسة يوميّة تقوم على المبادرة والعمل الجماعيّ. كما امتدّت هذه المقاربة لتشمل التربية على السلام وقبول الآخر ضمن أنشطة مع مؤسّسة أديان، تضمّنت إطلاق حملات توعية، وإعداد لوحات جداريّة ورسائل سلام، ما عزّز قيم الحوار والتنوّع والتماسك الاجتماعيّ.

 

التعلّم بالخدمة والعمل الإنسانيّ

شملت التجربة أيضًا أنشطة إنسانيّة متعدّدة، مثل دعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة، وحملات تبرّع للصليب الأحمر، وأنشطة مساندة للفئات الهشّة. كما شارك الطلّاب في مبادرات اجتماعيّة داخل المدرسة، ما عزّز قيم التعاون والتعاطف.

ومن التجارب المؤثّرة تأليف أغنية راب عن السلام في لبنان، وعرضها في فعّاليّات مدرسيّة عامّة، إضافة إلى مبادرات رمزيّة في الشوارع تدعو إلى نبذ العنف.

 

الأثر المستدام للتجربة التعليميّة

ما زال العديد من الطلّاب يتواصلون مع المعلّمة حتّى اليوم، ويؤكّدون أنّ هذه التجربة غيّرت طريقة تفكيرهم. كما اختار بعضهم دراسة علم الاجتماع في الجامعة نتيجة تأثير التجربة.

وتؤمن المعلّمة أنّ المدرسة الحقيقيّة هي التي تربط المعرفة بالقيم والحياة، وأنّ التعليم يصبح أكثر عمقًا عندما يتحوّل إلى تجربة إنسانيّة حيّة.

 

دور المعلّم بوصفه مرشدًا وميسّرًا

ضمن هذه التجربة، لم يعد دور المعلّم مقتصرًا على الإلقاء أو نقل المعلومات، بل تحوّل إلى دور الميسّر والمرشد الذي يخلق بيئة تعلّم نشطة: شجّع الطلّاب على طرح الأسئلة، واكتشاف الحلول، وربط التعلّم بسياقات حياتهم اليوميّة. كما شجّعهم على المبادرة واتّخاذ القرار وتحمّل المسؤوليّة، ما عزّز استقلاليّتهم الفكريّة.

أسهم هذا التحوّل في الدور التربويّ في خلق علاقة تعليميّة أكثر إنسانيّة، قائمة على الاحترام المتبادل والحوار، وليس على السلطة التقليديّة داخل الصفّ.

ركّزت الأنشطة الصفّيّة والميدانيّة على تنمية مهارات التحليل والنقاش والعمل الجماعيّ، عن طريق تفسير الظواهر الاجتماعيّة واقتراح حلول واقعيّة لها. كما أسهمت في تعزيز التعلّم الاجتماعيّ العاطفيّ بالتعاون والتفاعل الإيجابيّ بين الطلّاب، ما خلق بيئة صفّيّة داعمة ومحفّزة على التعلّم.

وأظهرت المشاريع الميدانيّة دورًا مهمًّا في بناء شخصيّة الطلّاب، إذ عزّزت الثقة بالنفس، وتحمّل المسؤوليّة، ومهارات القيادة والتعاون والعمل الجماعيّ.

 

الانفتاح على المجتمع المحلّيّ

أسهم انفتاح المدرسة على المجتمع المحلّيّ في تعزيز دورها بوصفها مؤسّسة اجتماعيّة فاعلة. فقد أصبحت المدرسة فضاءً للتفاعل مع قضايا المجتمع، لا مجرّد مكان للتعليم الأكاديميّ. وبالمشاريع المشتركة مع البلديّات والمؤسّسات الدوليّة، عُزّز مفهوم الشراكة بين المدرسة والمجتمع.

ساعد هذا الانفتاح الطلّاب في فهم واقعهم الاجتماعيّ بشكل أعمق، وربط التعلّم بالقضايا الحقيقيّة التي يعيشها المجتمع.

 

استمراريّة الأثر التربويّ

تُظهر المتابعة اللاحقة للطلّاب أنّ أثر هذه التجربة لم يكن مؤقّتًا، بل امتدّ إلى حياتهم الجامعيّة والشخصيّة. فقد انعكست هذه التجربة على اختياراتهم الأكاديميّة، وعلى طريقة تفكيرهم في القضايا الاجتماعيّة، وعلى مستوى وعيهم المدنيّ.

كما إنّ بعضهم استمرّ في العمل التطوّعيّ والمبادرات المجتمعيّة، ما يدلّ على أنّ التعلّم القائم على الخبرة يترك أثرًا طويل الأمد يفوق التعلّم التقليديّ.

 

خلاصة تربويّة

تؤكّد هذه التجربة أنّ التعليم الفعّال يدمج بين المعرفة النظريّة والتطبيق العمليّ، وبين البعد الأكاديميّ والبعد الإنسانيّ. كما تؤكّد أنّ المدرسة يمكن أن تكون مساحة لتشكيل الوعي وبناء المواطن الفاعل، وليس فقط مكانًا لاجتياز الامتحانات.

ومن هنا، باتت إعادة التفكير في طرق التدريس ومناهج التعليم ضرورة ملحّة لمواكبة متطلّبات العصر، وبناء جيل قادر على التفكير النقديّ والمشاركة الفاعلة في مجتمعه.

 

***

"المعلّم القادر على صنع التغيير، هو المعلّم الذي يدمج بين المعرفة والقيم، وبين التعلّم والحياة".

تُظهر هذه التجربة أنّ التعليم المرتبط بالحياة يتجاوز نقل المعرفة، إلى بناء متعلّم قادر على فهم واقعه والمشاركة في تغييره بوعي ومسؤوليّة. كما أبرزت أهمّيّة إشراك الطلّاب في التعلّم والمشاريع المجتمعيّة، ما أسهم في تنمية شخصيّاتهم، وتعزيز روح المبادرة والانتماء والعمل الجماعيّ. وتؤكّد التجربة أهمّيّة تطوير التعليم نحو مقاربات أكثر تفاعلًا وارتباطًا بالواقع، تجعل المدرسة فضاءً لبناء الإنسان والمواطنة الفاعلة، لا مجرّد مكان لتلقين المعرفة.

 

المراجع

- CASEL. (2023). What is social and emotional learning?  

- Freire, P. (1970). Pedagogy of the oppressed. Continuum.  

- Partnership for 21st Century Learning. (2019). Framework for 21st century learning.  

- Thomas, J. W. (2000). A review of research on project-based learning. Autodesk Foundation.  

- UNESCO. (2021). Reimagining our futures together: A new social contract for education.