التعليم الشعبيّ تحرير للتعبير: استعادة ملكيّة التعليم التحرّريّ
التعليم الشعبيّ تحرير للتعبير: استعادة ملكيّة التعليم التحرّريّ
عبد السلام خدّاش | يعمل مع مؤسّسات تربويّة وثقافيّة عديدة تستهدف المعلّمات والمعلّمين في مجالات التعلّم المجتمعيّ والثقافيّ والإنسانيّ - فلسطين

لم أكن قد تجاوزت الثالثة عشرة من عمري عندما بدأت أعيش أجواء الحرّيّة والانعتاق من الاحتلال. نشأت في بيئة مجتمعيّة حاضنة للفعل الوطنيّ والإنسانيّ والاجتماعيّ، ضمن نسيج مجتمعيّ أصيل يحترم التنوّع والاختلاف، وكانت المبادرات المجتمعيّة والعمل التطوّعيّ جزءًا من الحياة اليوميّة، مرتبطَين بفعل مقاوم يعزّز العلاقات بين الناس ويحافظ على تماسك المجتمع. بدأت التطوّع في المخيّم، فكنّا ننظّف الشوارع ونذهب إلى القرى والمخيّمات للمشاركة في أعمال تطوّعيّة مشتركة. وضمن هذه التجربة تعمّق وعيي السياسيّ المرتبط بالاستقلاليّة والاستقلال الفرديّ والجماعيّ. كما تعمّق نموّي ووعيي ومعرفتي ضمن صيرورة السعي لفهم الذات، بالتجربة والعمل والتطوّع والأنشطة المختلفة التي أفضت إلى فهم العالم من حولي. هكذا بدأت المعرفة تنمو بشكل طبيعيّ كما ينمو الجسد، وأصبحت معرفة الذات والعالم جزءًا من حياتي وممارستي اليوميّة.

انعكست هذه الأجواء على المدرسة التي درست فيها، حيث بدأت رحلة أخرى من العمل الطلّابيّ داخل المدارس، وقد صقلت هذه التجربة شخصيّتي أكثر، إذ كنّا نعمل ضمن مجموعات واتّحادات تهدف إلى بلورة الوعي بأهمّيّة العمل الثقافيّ والاجتماعيّ بين الطلبة. ومثّلت المدارس ساحة أخرى للعمل الاجتماعيّ والثقافيّ بحثًا عن التحرّر والاستقلال، كما كانت ساحة للمواجهة مع الاحتلال، إذ كانت تخضع لسلطته التي منعت ممارسة أيّ أنشطة ثقافيّة واجتماعيّة، ومنعت تشكيل لجان أو مجالس للطلبة. وعلى الرغم من ذلك، كنّا نمارس هذا الحقّ بتنظيم الأنشطة الثقافيّة والاجتماعيّة المختلفة. ولا بدّ من الإشارة إلى أهمّيّة مجلّة الحائط التي شكّلت منبرًا حرًّا لتعبير الطلبة، والتي فرضنا وجودها عن طريق اللجان الثقافيّة التي شكّلناها في المدارس، إلى جانب نقاش الكتب والرؤى الثقافيّة التي أسهمت في رفع وعينا. أمّا الممارسات الاجتماعيّة فتمثّلت في التجوّل في الأرض ورحلات المشي المشتركة، والتي كان لها دور في بلورة العلاقات الاجتماعيّة وتعميقها بين الطلبة من مدارس مختلفة.

 

كانت تجربة اعتقالي الأولى وأنا في السادسة عشرة من عمري، حين اعتُقلت لمدّة 18 يومًا. صقلت هذه التجربة شخصيّتي أكثر، إذ قضيت تلك الأيّام في زنزانة منفردة، وحيدًا في مكان لا تتجاوز مساحته مترًا ونصف متر. كنت وحيدًا، لكنّها كانت تجربة أخرى في الصبر والتأمّل.

هذا المسار والصيرورة اللذان عشتهما مثّلا أجواء من التكامليّة وتواصليّة المعرفة، إذ لم تكن المعرفة منفصلة عن الحياة أو محصورة في الذهن، بل جزء من تجربة الشخص وحياته اليوميّة. وضمن هذه الأجواء كنت شريكًا في تكوين المعاني والمعايير التي فهمت بها نفسي وعلاقتي بالعالم. وكانت التكامليّة عمليّة تتطلّب اجتهادًا مستمرًّا من الشخص في سعيه لفهم ذاته والعالم من حوله، بحيث تنمو المعرفة كما ينمو الجسد، في نتيجة طبيعيّة لحيويّة الإنسان واندماجه في الحياة، وتظهر في طريقة عيشه وممارسته اليوميّة، لا بوصفها عناصر أو معارف منفصلة عنه، يجري جمعها ذهنيًّا ضمن نظام فكريّ بعيدًا عن الحياة والممارسة، مثلما كان الإدراك السائد للتكامليّة المعرفيّة في ذلك الوقت.  

 

الانتفاضة الفلسطينيّة 1987: تعميق القيم  

كانت انتفاضة سنة 1987 نتيجة طبيعيّة لحالة الوعي المستمرّة التي تكوّنت لدى الشعب الفلسطينيّ للانعتاق من الاحتلال. ولم يكن انطلاقها الجماهيريّ والسرديّة التي تشكّلت حولها إلّا تعبيرًا عن عمق الوعي بدور الناس في عمليّة التحرّر والاستقلال. وكما يُقال: الفقر وحده لا يقود إلى الثورة، وإنّما الوعي بالفقر هو الذي يقود إليها. وكذلك الاحتلال بحدّ ذاته لا ينتج ثورة، وإنّما الوعي بالاستقلال والتحرّر، وهو وعي تشكّل وتعمّق بفضل الأجواء والتجارب والممارسات التي سبقت الانتفاضة.

رافقت الانتفاضة ممارسات عديدة للاحتلال هدفت إلى قمعها، بينما كانت الأجواء العامّة تتّجه نحو خلق بدائل في مختلف المجالات، مثل التعليم والزراعة والصناعة. ومن أبرز الظواهر التي رافقت الانتفاضة كان التعليم الشعبيّ ولجان الأحياء. فقد برزت في ذلك الوقت طاقات خلّاقة هائلة لدى الناس، أظهرت قدرة المجتمع على مواجهة الاحتلال والظلم، وابتكار أساليب نضاليّة تتعامل بمبدأ الندّيّة.

 

التعليم الشعبيّ: تحرير للتعبير

جاءت فكرة التعليم الشعبيّ في شكل تجاوب طبيعيّ وضروريّ مع السياق العامّ للتحرّر والاستقلال الذي خلقته الانتفاضة، بوصفها محاولة لاستعادة ملكيّة التعليم، كما جرت محاولة استعادة بقيّة القطاعات المرتبطة بحياة الناس، زراعيًّا وصناعيًّا واجتماعيًّا. وعكست هذه التجربة تحوّلًا في إدراك المعلّمين والمعلّمات للتعليم ولدورهم فيه، عن طريق غرس مفاهيم الحرّيّة والتحرّر، في مواجهة القيم والتصوّرات التي عزّزها الاحتلال بفرضه لما هو مسموح أو ممنوع، وما هو مقبول أو غير مقبول داخل الحياة العامّة والتعليم.

 

المعلّمون والمعلّمات يحرّرون تعبيرهم

  • - كان المعلّم في التعليم الشعبيّ يبدأ من الحياة نفسها، من سرديّة الاستقلال وسيرورة الانتفاضة بما حملتاه من علاقات وأساليب ومعانٍ، لا من معارف ومناهج جاهزة. وقد أتاح ذلك للمعلّمين والمعلّمات الانطلاق من التجربة الحيّة للناس، ومن علاقتهم بالعالم من حولهم، بدل البدء بمصطلحات ونظريّات ومعلومات جاهزة ضمن إطار المنهاج والكتب المدرسيّة المقرّرة، كما كان سائدًا قبل الانتفاضة وما يزال سائدًا اليوم. وحتّى في الحالات التي يحاول فيها المعلّم الربط بين موضوعات مختلفة، يبقى هذا الربط في كثير من الأحيان ذهنيًّا وآليًّا ومنفصلًا عن الحياة؛ فهناك فرق بين البدء بمفاهيم جاهزة ومحاولة فهم الحياة انطلاقًا منها، وبين البدء بالحياة نفسها وتكوين المفاهيم والمعاني انطلاقًا منها.
  • - كان الطالب في التعليم الشعبيّ يعيش جوًّا غنيًّا وحرًّا حقيقيًّا قدر الإمكان، بحيث لا يكون منفصلًا عن المعرفة، بل جزءًا منها وصانعًا لها. ولعلّ أهمّ ما ساعد في ذلك النظر إلى الطالب على أنّه مصدر المعاني والفهم والمعرفة، وأنّه شريك في تكوينها؛ أي أن يكون فهمه لذاته ولعلاقته مع العالم من حوله أساس تعلّمه. لكنّ الطالب اليوم أصبح هدفًا لكمّ هائل من المعلومات والمهارات التي يعتقد القائمون على التعليم أنّها تغني معارفه وتطوّرها. ويؤدّي غياب المتعلّم عن المعرفة التي يكوّنها إلى إبقاء العلاقة بينه وبين المعرفة علاقة استهلاكيّة، فلا يكون شريكًا في تكوين المعاني، بل متلقّيًا سلبيًّا لما يتعلّمه.  
  •  
  • - أسهم التعليم الشعبيّ في تعزيز النسيج المجتمعيّ الفلسطينيّ، بمشاركة المجتمع بكلّ مؤسّساته وأفراده في توفير أجوائه وحمايته. ولم يقتصر الأمر على تنظيم صفوف تعليميّة في المنازل والمساجد والساحات، بهدف تدريس المنهاج الدراسيّ أو إنهاء موادّ جامعيّة، بل أخذ التعليم الشعبيّ بُعدًا تحرّريًّا ضمن مفهوم الاستقلال الذاتيّ والجماعيّ، وتجسّد فعلًا في مجموعة من القيم التي خلقتها الانتفاضة، مثل العطاء المتبادل ودور المجتمع في التعليم. أمّا المدرسة اليوم فأصبحت فضاءً تابعًا للمؤسّسة الرسميّة، ولم يعد المجتمع قادرًا على الدخول إليها أو المشاركة فيها إلّا ضمن حدود وإجراءات محدّدة.
  • - أسهم التعليم الشعبيّ أيضًا في تعميق مفاهيم التعلّم والثقافة، فلم يعد التعلّم محصورًا في الحصص واللقاءات المرتبطة بالتعليم العامّ بشكل مباشر، بل تحوّل إلى ممارسة يوميّة مرتبطة بالحياة نفسها. وامتدّ ذلك إلى العلاقة بالقراءة والكتب والنقاش، إذ كانت تتشكّل مجموعات تلتقي بهدف مناقشة الكتب والروايات وتبادل الأفكار والرؤى الثقافيّة. وكنّا، مثل كثير من المجموعات في تلك الفترة، نلتقي أسبوعيًّا لمناقشة كتاب أو رواية بعد شرائهما بفترة، وكانت المجموعة كلّها تتقاسم ثمن الكتاب، ويشارك الجميع حتّى في الجلوس على الأرض وتحت الأشجار لمناقشته.

 

تجربة حملة القراءة في مؤسّسة تامر للتعليم المجتمعيّ: استلهام من روح الانتفاضة

تأسّست مؤسّسة تامر للتعليم المجتمعيّ سنة 1989، وكانت نتيجة مباشرة لحالة الانتفاضة. فعلى الرغم من المظاهر الخلّاقة التي رافقتها، مثل التعليم الشعبيّ ولجان الأحياء وغيرها، برزت أيضًا جوانب ضعف تمثّلت في محدوديّة القدرة على التعبير عن الانتفاضة وتجاربها الفريدة، إلى جانب ضعف قدرة المؤسّسات على تخيّل بدائل لما هو قائم، بما يتجاوب مع الحاجات الأساسيّة للناس والمجتمع. عزّزت هذه التجارب وغيرها قناعة المؤسّسة بأهمّيّة العمل على البعد التعبيريّ، وعلى تنمية القدرة على تخيّل البدائل وإنتاجها، بوصفهما عنصرين أساسيّين في عمليّة التعلّم الضروريّة لأيّ مجتمع.  

أدّى إغلاق المدارس في تلك الفترة إلى التفكير في إجراء دراسة حول التحصيل اللغويّ لدى طلبة الصفّين الرابع والسادس في مدارس وسط الضفّة الغربيّة، في رام اللّه والقدس وبيت لحم، في موضوعَي اللغة العربيّة والرياضيّات، وكانت نتائج التحصيل مقلقة جدًّا. ومن هنا بدأ التفكير في إيجاد وسيلة بسيطة وممكنة وفعّالة للإسهام في تعزيز القراءة والكتابة، وفي خلق أجواء تساعد في التعلّم، وكانت الفكرة تتمحور حول "القراءة".  

فالقراءة نشاط لا يستطيع قانون منعه أو إيقافه، كما إنّها تعيد المسؤوليّة إلى الناس، وتمنحهم حرّيّة اختيار المعلومات والمصادر التي يرونها مناسبة. ومن هنا انطلقت حملة تشجيع عادة القراءة في فلسطين في 13 شباط 1992.

 

الفلسفة الكامنة وراء حملة القراءة

ارتبطت حملة القراءة بالتعليم والتعلّم المجتمعيّ الذي يشكّل أساس مؤسّسة تامر، إذ تقوم اللبنة الأساسيّة في هذا البناء على تجارب الأفراد وخبراتهم، ثمّ الجماعات، وصولًا إلى تكوين المجتمع بشكل عامّ. وانطلقت فلسفة حملة القراءة وأهدافها من محاولة فهم تلك الخبرات والتجارب التي تظهر بأشكال تعبيريّة مختلفة، من بينها الكتابة التعبيريّة.

ولأنّ الحديث كان عن بناء الذات والمعرفة، كان لا بدّ من استعمال أدوات ممتعة ومحفّزة للتواصل، لذلك حملت اسم "حملة تشجيع القراءة في فلسطين". فـ"التشجيع" يعني ترك مساحة للاختيار، و"تشجيع عادة القراءة" يعني عادة متأصّلة ومكتسبة، أي عمليّة بنائيّة طويلة تخضع في كثير من الأحيان للتجربة والخطأ.

عمّقت الحملة التواصل بين أبناء المجتمع، لذلك اعتمدت في كثير من أنشطتها على العمل الجماعيّ والحوار والشراكة المجتمعيّة نحو التغيير. وكان الهدف ترسيخ مفهوم القراءة بوصفها قيمة ذات أهمّيّة كبيرة، وجزءًا من حياة الأفراد وصقل خبراتهم نحو بناء المعرفة بمفهومها الشامل.

أسهمت حملة القراءة، بوصفها تجربة، في إعادة بناء النسيج المجتمعيّ الفلسطينيّ، وتعزيز صموده أمام سياسات القمع التي سعت لتفتيت المجتمع الفلسطينيّ، وتسهيل السيطرة عليه، وإضعاف المبادرات الفرديّة والجماعيّة فيه.

 

***

شكّل هذا المسار وهذه الصيرورة الطريق الذي ما زلت أسير فيه، على الرغم من التراجع الكبير في القيم والمفاهيم الذي يتعرّض إليه الشعب الفلسطينيّ منذ سنة 1994. فبعد سيطرة المؤسّسات، أصبح الشباب العالق ضحيّة لسلطة المعرفة التي تمارسها هذه المؤسّسات بمختلف أشكالها، والتي تمضي في تنفيذ أجنداتها بطريقة يصعب إيقافها. وتستغلّ الطبقة التي تمسك بسلطة هذه المؤسّسات مصادر قوّتها الاقتصاديّة، لتهميش الأصوات النقديّة وطمس أيّ محاولة لنقدها، سعيًا لخنق الأصوات المختلفة وتهميشها.  

وفي ظلّ ذلك، يغيب تطبيق القيم مقابل الادّعاء بها، ويبرز انفصال واضح بين ما يُقال وما يُمارَس، بما يخلق ازدواجيّة لا تنتج أيّ أفق حقيقيّ للتعلّم أو التحرّر. وينطبق ذلك بصورة مباشرة على المؤسّسات الرسميّة، لكنّه يمتدّ اليوم أيضًا إلى كثير من المؤسّسات الأهليّة التي تزيّن رؤيتها ورسالتها بلغة تبدو جميلة، بينما تأتي ممارساتها على النقيض من ذلك؛ فعن أيّ تحرّر نتحدّث؟ وعن أيّ نقد نتحدّث؟ إنّها السلطة المعرفيّة نفسها، ولكن بغلاف مختلف.

ولكنّني ما زلت خلف هذا الركام، مؤمنًا بالعمل على توفير المساحات والفضاءات التعلّميّة بين الشباب والمجموعات التي أعمل معها، من طلبة ومعلّمين ومعلّمات، وعلى خلق الأجواء التعلّميّة وتوفير مساحات آمنة للتعبير الحرّ. وما زلت مؤمنًا بأنّ تحرير التعبير أهمّ من حرّيّة التعبير.