لا يمكن فهم تجربة التعليم الشعبيّ في فلسطين بوصفها مجرّد بديل طارئ عن مسار المدرسة أو "التعليم النظاميّ"، أو استجابة ظرفيّة لغيابها/ غيابه، إنّما هو مُمارسة تربويّة تحرّريّة تشكّلت تحت سياق استعمار استيطانيّ ضاغط، يتشابك فيه سؤال التعليم مع سؤال البقاء والكرامة. يتحوّلُ التعليم، في هذا السياق، من وظيفة معرفيّة إلى فعل وجود واسترداد، يُجاور أسئلة القضيّة الفلسطينيّة الكبرى مثل الأرض، ويُحاورها.
وإن كانت الأدبيّات التربويّة العالميّة قد ربطت التعليم الشعبيّ بمنهجيّة المعلّم باولو فريري، والتي تهدف إلى مُمارسة عمليّة تمكين الأفراد المقهورين، الذين يشعرون/ يعيشون تهميشًا اجتماعيًّا وسياسيًّا، للسيطرة على تعلّمهم، وإحداث التغيير الاجتماعيّ (Pandey, 2022)، فإنّ التجربة الفلسطينيّة، في الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى (1987)، قدّمت صيغة سياقيّة تتجاوز النقل النظريّ، نحو إنتاج بيداغوجيا مُعاشة تحت شروط الزمن والقيد والهيمنة.
ولا يسعى هذا النصّ لتأريخ التجربة، بقدر ما يهدف إلى تأطيرها مفاهيميًّا مُنطلقًا من سرديّة ذاتيّة/ جمعيّة، تُستعاد فيها لحظات التعليم الشعبيّ في الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى، تجربةً تتوازى ضمنها خطورة وجوديّة مشحونة بوعي مجتمعيّ استثنائيّ بأهمّيّة استمراريّة التعلّم. ضمن هذا الأفق، لا يظهر التعليم الشعبيّ نموذجًا واحدًا، بل حقلًا شبكيًّا تتقاطع فيه بيداغوجيّات مُتداخلة شكّلت معًا جوهر التجربة، والتي لن يسعنا هذا المقام لإعطائها ما تستحقّ من تأطير، إلّا تكثيفًا ضمن عدسات بيداغوجيّة ثمانية* تتساقى والتجربة ضمن مستويين:
- - الأوّل مفاهيميّ مُمثّلًا ببيداغوجيّات عُليا: الاستعادة، والتكيّف الخلّاق، وإنتاج المعنى، والوجود.
-
- الثاني سياقيّ موضّحًا ببيداغوجيّات مُعاشة: إعادة الامتلاك، ومواجهة الحصار، والهويّة، والكرامة.
الشكل 1: الشكل من تطوير مؤلّف المقال بمساعدة الذكاء الاصطناعيّ، لترجمة بصريّة للبيداغوجيّات التي تُشكّل خارطة مفاهيميّة سياقيّة لقراءة المقال.
مستهلّ نظريّ: الزمن الفلسطينيّ بوصفه أُفقًا بيداغوجيًّا
منع الاحتلال التعليم الفلسطينيّ رسميًّا إبّان الأشهر الأولى من انتفاضة سنة 1987، وأوقف كلّ ما يتعلّق بالنظام التعليميّ. شمل هذا المدارس الحكوميّة والخاصّة والتابعة للأونروا والجامعات وكلّيّات المجتمع، ولمدّة خمس سنوات تقع بين 1987 و1993 (صيام، 2024). وتوازت إجراءات الإغلاق هذه مع سياسات الحجر والعزل المكانيّ، مثل إغلاق المناطق عامّة أمام المواصلات، وعرقلة الحركة على الطرق الواصلة بين المدن. وقد مثّل هذا الإغلاق والعراقيل ذرائع لقطع الطريق على أيّ طالب متوجّه من منطقته إلى جامعته أو مدرسته في منطقة أُخرى، على اعتباره متسلّلًا إلى منطقة مغلقة (حبش والمدبوح، 2020). وقد تحوّلت المدارس في هذه الفترة إلى ثكنات عسكريّة، وغُيّرت أسماء بعض منها.
تُشير الأدبيّات الحديثة في السياقات الاستعماريّة في تصميمها سياسات الموت إلى أنّ فعل السيطرة لا يقتصر على الأرض، بل يمتدّ إلى الزمن نفسه (Mbembe, 2003; Khalili, 2013). في الحالة الفلسطينيّة، يتجلّى ذلك في سياسات الاحتلال لإغلاق المؤسّسات التعليميّة والمجتمعيّة، والتي لم ينحصر قصد إغلاقها في إعاقة الحركة فحسب، بل في إعادة تشكيل إيقاع الحياة، فينتُج ما يمكن أن نُطلق عليه بـ "الزمن المُصادَر"؛ زمن تُعاد هندسته لفرض الانقطاع، وتعليق الفاعليّة، وإنتاج ذات تعليميّة مؤجّلة ومقيّدة.
ومن هنا، يتّضح أنّ التجربة الفلسطينيّة في التعليم الشعبيّ تخلّقت من إعادة تشكيل الزمن الفلسطينيّ، لا الاستلام لواقع قيده، بل امتلاكه إمكانيّةً للحياة. من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التعليم الشعبيّ بوصفه ممارسة لإعادة إنتاج الزمن، لا مجرّد التعلّم داخله؛ وهو بذلك يتحايل بفجوات داخل الزمن المُصادر، لإعادة امتلاك التعليم.
ولم يقتصر التعليم الشعبيّ على كونه آليّة لضمان استمراريّة التعلّم، بل انخرط في إعادة صياغة جوهر العمليّة التربويّة ذاتها. فقد شهدت المناهج وأساليب التعلّم عمليّة تثوير عميقة انسجمت مع السياق النضاليّ العامّ، إذ أجرى المعلّمون الفلسطينيّون فلسطنة (Palestinianization) للمحتوى التعليميّ، وربطًا عضويًّا بالهويّة الوطنيّة وتجارب الكفاح اليوميّ. وفي موازاة ذلك، انفتحت الممارسة التعليميّة على وسائط بديلة، مثل الصحف والمجلّات والكتابة على الجدران والموسيقى، بوصفها أدوات إنتاج معرفة لا تقلّ شرعيّة عن الوسائل التقليديّة. وفي هذا التحوّل، تراجعت مركزيّة أنماط التقييم المعياريّة في التعليم الرسميّ، مثل الامتحانات والواجبات، لصالح أشكال تقييم أكثر التصاقًا بالتجربة الحيّة، وقدرة المتعلّم على الفهم والتعبير والمشاركة (Yamila، 2005).
بيداغوجيا الاستعادة: إلى الفعل الجمعيّ
تُشكّل بيداغوجيا الاستعادة الإطار الناظم للتعليم الشعبيّ، إذ لا يُنظر إلى التعلّم بوصفه اكتسابًا، بل استعادة لحقّ مسلوب ضمن أبعاد ثلاثة: المعرفة (ضدّ احتكارها)؛ الزمن (ضدّ مصادرته)؛ الفاعليّة (ضدّ قمعها). وتجلّت هذه الاستعادة في إعادة تنظيم التعليم داخل البيوت، وتولّي لجان الأحياء الشعبيّة إدارة التعلّم بالتنسيق مع المدارس والمعلّمين، فحوّلت المجتمع إلى فضاء تربويّ.
انطلق التعليم الشعبيّ جزءًا من نسيج تعليميّ يتقاسمه الجميع، إذ لم يعد المعلّم مركز العمليّة، بل بات المجتمع كلّه يخلق أجواءً تعلّميّة، عن طريق تبادل الأدوار وإعادة توزيع المعرفة بوصفها حقًّا جمعيًّا متاحًا، في ما يوضّح أنّ الاستعادة لم تكن مُجرّد استجابة ظرفيّة، بل إعادة تعريف تصاعديّة للعلاقة بين المجتمع والتعلّم.
في هذا السياق، يمكن فهم ما أطلقنا عليه بيداغوجيا إعادة الامتلاك، إحدى تجلّيّات بيداغوجيا الاستعادة، بالحرص الجمعيّ على التعلّم بالإمكانات المُتاحة. يمكن الاستناد إلى ترجمة مرحلة إعادة الامتلاك بوصفها حالة ديناميّة انتقاليّة، يطلق عليها المعلّم منير فاشه "من حرّيّة الفكر والتعبير، إلى تحرير الفكر والتعبير" (فاشه، 2022أ)، وهي حالة مؤدّاها "البدء بالحياة لتكون المنطلق والموضوع والمرجع والمعيار والغاية في ما نُعبّر عنه" (فاشه، 2022أ)، فالإغلاق الذي كان للمدارس، خلق نوعين من ردّ الفعل عند الفلسطينيّين: الأوّل تمثّل في عقد مؤتمرات للاحتجاج على الإغلاق والمطالبة بفتح المدارس. أمّا الثاني فكان قيام الناس بتعليم الأطفال والطلبة في الأحياء والبيوت والكنائس والجوامع والنوادي. وقد واجه الاحتلال الإسرائيليّ التعليم الشعبيّ بشراسة لا مثيل لها، فقضى الأمر العسكريّ، في آب/ أغسطس 1988، بمنع هذا النوع من التدريس، بحيث يتعرّض كلّ من يخالف ذلك الأمر إلى هدم بيته وسجنه 10 سنوات، سواء كان طالبًا أمّ معلّمًا.
بيداغوجيا التكيّف الخلّاق: تفكيك الزمن وإعادة تركيبه
في ظلّ إحكام الحصار وإغلاق المؤسّسات والقبضة العسكريّة للاحتلال، تحوّل التعليم الشعبيّ إلى أداة لتفتيت الزمن ذاته، فلم يعد مُمكنًا تنظيم يوم دراسيّ بديل، وأصبح التعلّم يُمارس داخل فجوات الزمن المُصادر، في محاولة لإعادة تشكيل العمليّة التعليميّة التعلّميّة. وقد برز ذلك في شبكات تعليميّة غير رسميّة قادها معلّمون متطوّعون، تنقّلوا بين الأحياء لتقديم الدروس، في بنية تعليميّة مرنة أعادت توزيع الفعل التربويّ خارج إطاره المركزيّ، وجعلت من المجتمع ذاته بنية تعليميّة متحرّكة. فالمعلّم يُعلّم الدرس (مهما كان نوعه، سواء درس رياضيّات أو لغة أو زراعة) لمجموعة طلبة، وتكمل هذه المجموعة الرحلة وتعلّم الدرس لمجموعة أُخرى. وتُشكّل هذه السلسلة التي تنتقل فيها الفاعليّة بمرونة من المعلّم إلى الطالب بمسؤوليّة ووعي عاليين، جوهرًا في تجربة التعليم الشعبيّ. هُنا، تتجلّى بيداغوجيا التكيّف الخلّاق بالتحايل على الحصار، بابتكار أشكال جديدة من التعلّم تتحقّق بسيرورة دائريّة مستمرّة.
لم تُبن تجربة التعليم الشعبيّ في الانتفاضة الأولى وفق نموذج جاهز، بل تشكّلت بمراحليّتها من داخل الواقع، تجاورًا بين بيداغوجيا مواجهة الحصار والتكيّف الخلّاق، ضمن سلسلة من المبادرات المجتمعيّة التي استجابت للظروف المتغيّرة. ففي ظلّ غياب البنية المؤسّسيّة، ظهرت أنماط تعلّم مرنة، اعتمدت على مجموعات صغيرة، واجتماعات غير رسميّة، وتنقّل المعرفة بين الأفراد. وشكّل هذا النمط من التنظيم غير المركزيّ قدرة هائلة على الاستمرار على الرغم من الانقطاع المفروض؛ فبات التعلّم نظامًا منبثقًا يتشكّل من مجموعة شبكات معقّدة تتحرّك ضمن خرائط أحياء تكامليّة، مُستمدًّا ديناميكيّته من قدرته على التكيّف.
ومن الأمثلة الحيّة التي عشتها شخصيًّا في الانتفاضة الثانية، والتي تطوّرت من الانتفاضة الأولى، وكانت من أكثر تمثّلات التعليم الشعبيّ دلالةً على مرونته التنظيميّة وذكائه المجتمعيّ، لجوء بعض المعلّمين إلى استثمار لحظات الجنازات، بما تتيحه من حركة جماعيّة يصعب ضبطها، لتنظيم حلقات تعليميّة متخفّية داخل الحياة اليوميّة. وتستغلّ بعد ذلك، بتغيير المكان للاستمرار بتكيّف خلّاق، لتنسيق الطلبة على شكل مجموعات صغيرة تتوافد تباعًا إلى نادٍ رياضيّ في الحيّ: تمارس إحداها كرة القدم في الساحة، بينما تتلقّى أُخرى درسًا تعليميًّا إلى جانب الملعب، ثمّ تتبادل المجموعتان الأدوار بصورة دوريّة لا تُثير الانتباه. وفي اليوم التالي، ينتقل المعلّم إلى مجموعة أخرى أو حيّ آخر، فيما يتولّى الطلبة الذين تلقّوا الدرس مهمّة نقله إلى مجموعات جديدة، لتتوسّع العمليّة في آليّة تداوليّة تتكاثر شبكيًّا بين الأحياء.
بيداغوجيا إنتاج المعنى: المعرفة بوصفها تجربة حيّة/ مُعاشة
مثّل التعليم الشعبيّ في الانتفاضة سعيًا تكامليًّا في المجتمع الفلسطينيّ، وتطوّر أفقًا تربويًّا. يُترجم هذه الفكرة سعي المعلّم منير فاشه لتأسيس مؤسّسة تامر للتعليم المُجتمعيّ (1989) في القدس، حول فكرة التعلّم عن طريق تكثيف توفير أجواء تعلّميّة، يتعلّم فيها الأطفال والشباب، وينمّون قدرات وفهمًا ومعارف مرتبطة بالحياة. وكان أحد أهمّ مشاريعها تجسيدًا لتلك الأجواء، "حملة تشجيع القراءة والتعبير في المجتمع الفلسطينيّ" (فاشه، 2022ب). وقد تكاملت تجربة انبثاق المؤسّسة من فجوات في التعليم الشعبيّ، فأدّت دورًا في تسكير هذه الفجوات، فحملة القراءة جاءت نتيجة ملاحظة ضعف القرائيّة عند الأطفال. ويظهر أثر التعليم الشعبيّ في اسم المؤسّسة "تامر": فالتامر هو الشخص الذي ينقل حبوب اللقاح من نخلة إلى أُخرى فتنتج، وقد تجلّى ذلك مع فكرة الفرق الشبابيّة في المدن والقرى الفلسطينيّة، والتي أُطلق عليها اسم "فرق النخيل".
أنتج هذا التكامل بين المجتمع أناسًا ومؤسّسات ذات أربعة أشكال يسردها التربويّ الفلسطينيّ البطران: 1. التعلّم الذاتيّ، لجوء الطلّاب إلى مصادر التثقيف الذاتيّ من خلال اقتناء الكتب والمجلّات. 2. النوادي الرياضيّة، والتي فتحت أبوابها للطلّاب ووفّرت لهم مصادر تعلّم بديلة، ومنحتهم فرص اللقاء والاحتكاك بطلّاب من بلدات أُخرى. 3. الأحزاب السياسيّة السرّيّة والجمعيّات التعاونيّة والمساجد والكنائس، والتي خلقت فرصًا للتعلّم الموازي بواسطة مكتباتها وكوادرها ولجانها الفاعلة. 4. الفرق الكشفيّة والمكتبات العامّة التي فتحت أبوابها للمتعلّمين (البطران، 2023).
في هذا السياق، تجلّت بيداغوجيا الهويّة بوصفها إحدى تمثّلات إنتاج المعنى، إذ يُعاد بناء الانتماء لا من خطاب مُسبق، بل بالتفاعل مع المعرفة في سياقها؛ فالدرس لا يُقرأ بوصفه نصًّا مغلقًا، بل بوصفه إمكانيّة مفتوحة للتأويل، تتقاطع فيه اللغة مع التجربة، والعلوم مع الواقع، والتاريخ مع الحاضر. ونتيجة هذا التفاعل، لا يُنتج المتعلّم معرفة فحسب، بل يُعيد إنتاج موقعه داخل العالم، بوصفه ذاتًا قادرة على الفهم والربط والتأويل.
وعلى هذا الأساس، لم يعد التعليم الشعبيّ مجرّد استجابة لغياب المدرسة، بل أصبح فضاءً لإعادة بناء المعنى ذاته في سياق "الزمن المُصادر". وتحوّل التعلّم إلى عمليّة مزدوجة: فهم للعالم، وفهم للزمن الذي يُعاش داخله. وهو ما يتقاطع مع سوسيولوجيا التربية التي ترى في التعلّم عمليّة إنتاج للمعنى داخل السياق، لكنّه يتجاوزها في الحالة الفلسطينيّة إلى ربط المعنى بفعل البقاء ذاته، بحيث تصبح المعرفة وسيلة لإدراك الواقع، وإعادة صياغته في آنٍ.
بيداغوجيا الوجود: التعليم بوصفه فعلًا إنسانيًّا
لا تُفهم بيداغوجيا الوجود في سياق التعليم الشعبيّ بوصفها امتدادًا لوظيفة التعلّم، بل بوصفها إعادة تأسيس لمعناه الإنسانيّ. فالتعليم، في شروط القهر، يفقد طبيعته بوصفه فعلًا إنسانيًّا حرًّا، ويتحوّل إلى بنية مُعطّلة أو أداة ضبط. ومن هنا، لا يمكن الحديث عن أنسنة التعليم إلّا في أفق يُستعاد فيه شرطها الجوهريّ: الحرّيّة. غير أنّ هذه الحرّيّة لا تُمنح من خارج التجربة، بل تُنتج داخلها، من ممارسات تعليميّة تعيد إلى الإنسان قدرته على الاختيار، وعلى تمثّل ذاته بوصفه فاعلًا في العالم.
في هذا الإطار، تمثّل التعليم الشعبيّ في الانتفاضة الأولى بوصفه فعلًا يُنشئ فضاءً من الحرّيّة داخل واقع مُغلق. فالمساحات التعليميّة التي نشأت في البيوت والأحياء لم تكن مجرّد بدائل مكانيّة، بل كانت لحظات انفلات من منطق السيطرة، يُعاد فيها تشكيل العلاقة بين الإنسان وتعلّمه. هنا، لا يُمارس التعلّم داخل شروط جاهزة، بل يُسهم في إنتاج شروطه، إذ يصبح الفعل التعليميّ ذاته ممارسة تحرّريّة. وبهذا الفعل، لا يستعيد المتعلّم حقّه في المعرفة فحسب، بل يعيد تشكيل وعيه بذاته، لا بوصفه موضوعًا للسيطرة، بل ذاتًا تختار، وتُدرك، وتُسهم بصناعة عالمها.
ضمن هذا الأفق، تتجلّى بيداغوجيا الكرامة بوصفها التعبير العمليّ عن أنسنة التعليم، إذ لا تنحصر الحرّيّة في مجرّد رفع القيد الخارجيّ، بل تمتدّ إلى تحوّل داخليّ يُعيد بناء علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين. فالتعلّم، في هذا السياق، لا يُنتج إعادة تموضع داخل بنية القهر، بل يسعى لتفكيكها من الداخل، عن طريق نزع تمثّلاتها وإعادة بناء ذات إنسانيّة قادرة على الفعل المسؤول. وهو ما يتقاطع مع طرح فريري حول التربية بوصفها ممارسة للتحرّر (فريري، 1980)، لكنّه يتجسّد هنا في تجربة حيّة، إذ لا تُفهم الحرّيّة بوصفها مفهومًا، بل ممارسة يوميّة تتحقّق بالفعل التعليميّ نفسه. وبذلك، يتحوّل التعليم الشعبيّ إلى فعل ثوريّ بالمعنى العميق: لا لأنّه يواجه القهر فقط، بل لأنّه يُنتج إنسانًا جديدًا قادرًا على تجاوزه.
عزل المدرسة الفلسطينيّة: من الجيتو إلى السامسا التربويّة
سعى الاحتلال بدأب لعزل المدرسة الفلسطينيّة عن المجتمع منذ منتصف السبعينيّات، محاولةً فشلت على أعتاب الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى. يُمفهم التربويّ الفلسطينيّ مشهور البطران في كتابه "المدرسة من الداخل: سوسيولوجيا مدرسة مقهورة" (2023)، انكسار هذا السعي بتعبير "تحطيم جدران الجيتو: المدرسة تثور"، والذي تخلّقت عنه أشكال، مثل التعليم الشعبيّ ومبادرات المعلّمين في غزّة، لكسر لفكرة المدرسة المعزولة (Bantustan) (البطران، 2023).
في هذا السياق، يمكن تأصيل ما يُمكن أن نُطلق عليه السامسا التربويّة (Pedagogical Samsa Condition)، استلهامًا ومجازًا من شخصيّة البطل (The Protagonist) جريجور سامسا في رواية المسخ أو "التحوّل" (كافكا، 2015)؛ إذ استيقظ سامسا وقد تحوّل إلى حشرة عملاقة، فاقدًا الصوت والقدرة والمكانة داخل العالم. ونقصد بإحالة السامسا التربويّة، هنا، الحالة التي يُعاد فيها تشكيل المتعلّم أو المدرسة بحيث يفقدان الفاعليّة والاعتراف، ويُنظر إليهما موضوعين للإدارة والضبط، لا ذاتين قادرتين على إنتاج المعنى والفعل.
على هذا النحو، لا يمكن فهم سياسات الإغلاق والتقييد والقصف وتعطيل المؤسّسات التعليميّة في فلسطين بوصفها إجراءات أمنيّة معزولة، بل محاولات متكرّرة لإنتاج هذه الحالة؛ أي تحويل التعليم إلى بنية مشلولة، منفصلة عن مجتمعها، معلّقة في زمن الانقطاع، فاقدة قدرتها على المبادرة. فحين يُصادر الزمن، ويُكسر الإيقاع المدرسيّ، ويُفصل التعلّم عن الحياة، يصبح الهدف الأعمق إنتاج ذات تربويّة منزوعة الإرادة.
غير أنّ تجربة التعليم الشعبيّ كشفت حدود هذا المشروع. ففي الانتفاضة الأولى، ثمّ في مبادرات غزّة التي واصلت التعلّم وسط الدمار والحصار، تحوّل التعليم من وظيفة مؤسّسيّة إلى فعل اجتماعيّ مقاوم، يستعيد الزمن من المصادرة، والمعرفة من الاحتكار، والإنسان من الاغتراب. بهذا، لم يعد التعلّم انتظارًا لعودة المؤسّسة، بل صار قدرة الفلسطينيّين على ابتكار شروطه من داخل المستحيل.
***
من هذا المنظور، لا يُفهم التعليم الشعبيّ بوصفه تعويضًا عن غياب المدرسة، بل بوصفه إعادة تعريف جذريّة للتعليم ذاته. فقد أعادت بيداغوجيا الاستعادة وصل المعرفة بالمجتمع، وأنتجت بيداغوجيا التكيّف الخلّاق أشكالًا مرنة من الاستمرار، وربطت بيداغوجيا إنتاج المعنى المعرفة بالحياة والهويّة، لتبلغ ذروتها في بيداغوجيا الوجود التي جعلت من التعلّم فعلًا لأنسنة الإنسان داخل شروط القهر.
وعليه، فالقيمة النظريّة للتجربة الفلسطينيّة لا تكمن في بعدها التوثيقيّ وحده، بل في كشفها أنّ التعليم لا يُختزل في مبانيه وأنظمته، بل في قدرته على مقاومة محاولات تحويله إلى سامسا تربويّة بحسب ما اصطلحنا، كلّما أُريد له أن يتحوّل إلى أداة ضبط أو اغتراب. وإذا كانت الانتفاضة الأولى قد أنجبت التعليم الشعبيّ بوصفه جوابًا على الإغلاق والتكبيل، فإنّ المنظومة التربويّة الفلسطينيّة خاضت/ تخوضُ اليوم امتحانًا أشدّ قسوة: التعليم في زمن الإبادة. هناك، حيث استُهدف الإنسان والمكان والزمن معًا، يواصل التعليم مقاومته الأخيرة؛ فبينما استيقظ "سامسا" كافكا مستسلمًا لعجزه وصمته، يستيقظ المتعلّم/ المعلّم الفلسطينيّ من تحت الركام ليعلن أنّ المدرسة قد تُقصف، والصفّ قد يُهدم، لكنّ الفاعليّة، التي هي جوهر الوجود، لا يمكن مسخها. إنّها إرادة التعلّم التي ترفض التحوّل إلى كائن فاقد للصوت، وتصرّ على استعادة إنسانيّتها في وجه العدم.
المراجع
- البيداغوجيّات الثمانية من تطوير مؤلّف المقال من خلال التأمّل في التجربة، واشتقاق المفهوم من خلال المُمارسة.
- صيام، محمّد أحمد. (2024). الاستهداف الإسرائيليّ للمؤسّسات التعليميّة الفلسطينيّة خلال الفترة من 1967-2023. لباب للدراسات الاستراتيجيّة، السنة السابعة (25)، 110–111. مركز الجزيرة للدراسات.
- حبش، لورد، والمدبوح، غادة. (2020). استثناء الاستثناء: التعليم "العاري" في السياق الاستعماريّ في فلسطين. عُمران، 9(33)، 91-112. المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات.
- فاشه، منير. (2022أ). احتلال وعودة. الدار الأهليّة للنشر والتوزيع. 15-20.
- فاشه، منير. (2022ب). الأهل هم الأمل والحلّ. الدار الأهليّة للنشر والتوزيع. 70-78.
- البطران، مشهور. (2023). المدرسة من الداخل: سوسيولوجيا مدرسة مقهورة. عمّان: جسور الثقافيّة. رام اللّه: الرعاة للدراسات والنشر. 20-28.
- فريري، باولو. (1980). تعليم المقهورين. (ترجمة: عوض، يوسف). دار القلم. 138.
- فرانتس، كافكا. (2015). التحوّل. (ترجمة: وساط، مبارك). دار الجمل. 5.
- Pandey, S. (2022). Educational Philosophy of Paulo Freire. Blue Rose Publishers.
- Mbembe, A. (2003). Necropolitics. Public Culture, 15(1), 11-40.
- Khalili, L. (2013). Time in the Shadows: Confinement in Counterinsurgencies. Stanford University Press.
- Hussein, Y. (2005). The stone and the pen: Palestinian education during the 1987 intifada. The Radical Teacher, (74), 19–20.





نشر في عدد (25) صيف 2026