ندوة: التعاون المهنيّ بين المعلّمين: بين المبادرة والتخطيط الإداريّ
ندوة: التعاون المهنيّ بين المعلّمين: بين المبادرة والتخطيط الإداريّ

عقدت "منهجيّات" ندوتها لشهر نيسان/أبريل 2026، بعنوان "التعاون المهنيّ بين المعلّمين: بين المبادرة والتخطيط الإداريّ". وركّزت على ثلاثة محاور، هي:
1.    أثر القيادة التربويّة في تعزيز التعاون. 
2.    إلى أيّ مدى ينمو المعلّم بفضل التعاون؟ 
3.    التعاون ضرورةً لبناء الطالب.
استضافت الندوة مجموعة من المتحدّثين، هم: أ. آسيا شهاب، نائبة مدير المرحلة الابتدائيّة في مدرسة دوليّة – تركيا/لبنان؛ أ. ندى الأشقر، معلّمة تكنولوجيا معلومات ومدرّبة في التعليم الإلكترونيّ – فلسطين؛ أ. نجود الخوالدة، منسّقة مادّة اللّغة العربيّة في المرحلة المتوسّطة – مدرسة الأهليّة والمطران – الأردن؛ أ. ميرنا رسلان، مديرة أكاديميّة قطر – السدرة – قطر/لبنان.
أدارت الندوة د. لينا القوزي – لبنان. واستهلّت الندوة بالتعريف بـ"منهجيّات" بوصفها مجلّة تربويّة إلكترونيّة دوريّة موجّهة لكلّ العاملين في القطاع التربويّ في السياق المجتمعيّ. تعمل المجلّة على نشر المساهمات العربيّة والعالميّة المثرية والملهمة دوريًّا، وبأشكال تعبير مختلفة ووسائط متعدّدة، وتتابع المستجدّات في الحقل، وتشجّع الحوار الذي يثري التجربة التربويّة في العالم العربيّ، ويجعل منها مصدرًا إنسانيًّا ومعرفيًّا قيّمًا للأفراد والمؤسّسات. ودعت جمهور الندوة إلى متابعتها والمشاركة في أقسامها.
في بداية الحديث عن موضوع التعاون المهنيّ بين المعلّمين، أكّدت أنّ العمل التربويّ لم يعد جهدًا فرديًّا في ظلّ التسارع والتحوّلات التي يشهدها التعليم في وقتنا الحاليّ، مشيرةً إلى أنّ التعاون المهنيّ أصبح ركيزة أساسيّة لتحسين جودة التعلّم ونموّ المعلّم؛ فالتعاون لا يقتصر على تبادل الأفكار، بل يمتدّ ليشمل بناء فهم مشترك، وممارسات تربويّة، وتأمّلات جماعيّة تسهم في تحسين جودة تعلّم الطلبة ورفاههم.
وعندما يصبح التعاون جزءًا من ثقافة المدرسة، يتحوّل من مهمّة إضافيّة إلى ممارسة يوميّة أصيلة، تثري التجربة التربويّة وتدعم الاستدامة والتطوّر.


المحور الأوّل: أثر القيادة التربويّة في تعزيز التعاون.

ما المدرسة القائمة على التعاون وكيف تبدو ثقافتها في الممارسة اليوميّة؟
تحدّثت أ. ميرنا رسلان عن المدرسة بوصفها نموذجًا لنظام اجتماعيّ قائم على عاملين أساسيّين:
•    العامل البشريّ: الكادر الأكاديميّ والكادر الإداريّ. 
•    العامل الإداريّ: الأنظمة المؤسّساتيّة والسياسات والإجراءات المعمول بها داخل المدرسة. 
وحتّى يكون هذا النموذج ناجحًا، يجب أن يكون هناك تجانس بين العاملَين السابقين، وتعاون بين أعضاء العامل الأوّل (العامل البشريّ). المدارس المحظوظة هي تلك التي يمتلك العنصر البشريّ فيها انسجامًا في ما بينهم، يتواصلون بشكل فعّال ويقومون بمبادرات وغيرها من أشكال العمل التعاونيّ.
نموذج المدارس المحظوظة هذا نادرًا ما نجده، وإذا وُجد يكون بين مجموعة من أعضاء العنصر البشريّ يعملون معًا بانسجام، لكن، يبقى هناك عدم تجانس في مواضع معيّنة؛ إذ نلاحظ وجود المنافسة وأجندات داخليّة، وعدم تقبّل العناصر الجديدة التي تنضمّ إلى المجموعة. وهذا أمر بشريّ لا يمكننا السيطرة عليه.
ما يمكن لإدارة المدرسة فعله هو تأطير التعاون عبر خلق أنظمة وسياسات تنظّم هذا التعاون بين الزملاء، على أسس من الاحترام وتقدير الفرد، وتقدير القيمة المضافة لكلّ فرد في الفريق، مع إيمان كبير بأنّ "قوّة المجموعة أكبر من مجموع الجماعة"؛ فعندما يكون لدينا فريق قويّ ومتجانس سيكون أثره كبيرًا.
الأهمّ من ذلك أن نخلق في المدرسة ثقافة تقدير لعمل المجموعات، وهذا يحدث عند تفعيل مبدأ المجتمع التعلّميّ المهنيّ، كما نؤكّد على أهمّيّة وجود بيئة آمنة للفرد تساعده على الإسهام والمشاركة بأفكاره وآرائه والتحدّيات التي تواجهه، وهذا يحدث فقط عندما يكون لدى المعلّم ثقة بالنظام وثقة بالإدارة.
في المدرسة القائمة على التعاون، على النظام تفعيل دور المجموعات المهنيّة، والتأكيد الدائم على التواصل المستمرّ بين الفرق، وأن نفكّر دائمًا في المسيرة المهنيّة لكلّ معلّم عند اختيار أعضاء المجموعات، إضافةً إلى أن تؤخذ قدرة المعلّم بعين الاعتبار عند إقرار الترقيّات في المدرسة.
 

كيف يتمّ التنسيق بين القيادة العليا والوسطى لضمان استدامة هذا العمل؟
قالت أ. آسيا شهاب إنّ الوضوح في الرؤية وتكامل الأدوار أمران أساسيّان. فعندما تضع القيادة العليا التوجيهات والاستراتيجيّات للتعاون المهنيّ، تعمل القيادة الوسطى في هذا الوقت على ترجمة هذه الرؤية إلى ممارسات يوميّة داخل الحصّة. من هنا، يصبح هذا جزءًا من ثقافة المدرسة، ويتمّ ذلك من خلال تحديد وقت للتعاون، والتشجيع على المشاركات، ليصبح هذا التعاون من الممارسات اليوميّة لفريق العمل.
وتتحقّق استدامة التعاون من خلال المتابعة والتواصل المنتظم القائمَين على التغذية الراجعة للمعلّمين، مع تخصيص وقت واضح للتخطيط المشترك منذ البداية، ما يساعد على تدعيم جودة التعليم.
ولا شكّ أنّ تطبيق هذا التعاون قد يواجه تحدّيات، خصوصًا أنّ بعض المعلّمين الجدد قد يكونون قادمين من مدارس لا تمارس فيها ثقافة التعاون المهنيّ. ولكن، عندما يرى هؤلاء المعلّمون الجدد زملاءهم ملتزمين بهذا الأمر، وأنّ التعاون جزء أساسيّ من سياسة المدرسة، سيتأثّرون تلقائيًا ويلتزمون بهذه السياسة.


من واقع تجربتك، كيف تصنع القيادة بيئة يشعر فيها المعلّم أنّ التعاون ضرورة مهنيّة وليس عبئًا إضافيًا؟
داخلت أ. نجود الخوالدة بأنّنا عندما نتحدّث عن تحقيق التعاون بين فريق العمل، لا بدّ أن نتحدّث عن العديد من الممارسات اليوميّة التي يجب أن نتّبعها لندفع المعلّم إلى الشعور بحاجته إلى هذا التعاون، ويخطو نحوه من دون إجبار، ويجد فيه وسيلة لتحقيق النجاح. وسأذكر هنا بعض الممارسات المرتبطة بالدائرة وفريق العمل:
•    الهدف: حين يُصمَّم هدف التعاون، يجب أن يُبنى على حاجة مشتركة وليس حاجة فرديّة، ويُبنى الهدف مع الفرق ونتيجةً لاقتراحاتهم ومحادثاتهم الداخليّة. على سبيل المثال: على مستوى الدائرة يلمس الفريق، في زحمة الاهتمام بالأعمال الكتابيّة، أنّنا ابتعدنا عن الإكثار من التنويع في أساليب التقييم، ولا سيّما تعزيز ثقافة التقييم المبنيّة على المشاريع، فجاء هدف تنويع أساليب التقييم مبنيًا على حاجة المعلّمات، وكانت الاستجابة له سريعة. 
•    طبيعة المهمّة: إذا كانت المهمّة تُنجز فرديًّا ويمكن للمعلّم إنجازها فرديًّا فلن يتعاون. المعلّم يتعاون حين تُبنى المهمّات بحيث تتطلّب تبادل الخبرات وتكاملها وإنتاج عمل مشترك. على سبيل المثال، منذ مدّة قمنا بتأسيس بنك للأعمال الأدبيّة التي ندرّسها في منهاج مادّة اللغة والأدب، وأسّسنا بنكًا للقراءات. وعندما نقول بنكًا للقراءات أو للأعمال الأدبيّة، فإنّ هذه المهمّة لا يمكن أن تُنفَّذ من منظور واحد، فهي مهمّة تشاركيّة تحتاج إلى تبادل الخبرات. وأحيانًا خلال التخطيط، نطلب تنفيذ مهمّات داعمة للطلبة، مثل تصميم فيديوهات تعليميّة. 
•    تقليل الأعباء مقابل التعاون: عندما يشعر المعلّم بأنّ التعاون عمل إضافيّ فلن يتعاون. لذلك على القيادة الحكيمة اتّخاذ إجراءات ملموسة، مثل:
- إعطاء مساحات زمنيّة للتعاون داخل المدرسة، من خلال مرونة البرنامج وعدم المبالغة في أنصبة المعلّمين.
- التخفيف من المهمّات الفرديّة. في مدرستنا استُحدِثت أقسام تتولّى بعض المهام الفرديّة التي كانت تستنزف وقت المعلّم. 
•    الحرص على إبراز الأثر الحقيقيّ للتعاون: مثل تشارك النجاحات في تحسّن أداء الطلبة.

هل يحتاج التعاون إلى رصد ميزانيّة عالية، أم أنّ جوهره يرتبط بالتنظيم؟
بدأت أ. ميرنا رسلان إجابتَها بالإشارة إلى أنّ كلّ مدرسة في العادة ترصد ضمن ميزانيّتها مبالغ للتدريب والفعّاليّات والموارد، وبالتأكيد هذه الميزانيّات محدودة، لذلك، التنظيم الفعّال والاستراتيجيّ للميزانيّات مهمّ جدًا، والعبثيّة هنا ممنوعة.
مثال:
في مدرستنا ميزانيّة محدّدة للتدريب، ولدينا وقت فراغ في التقويم المدرسيّ وبالجدول الأسبوعيّ للتدريب الداخليّ. وعلى المدير عندما يخطّط مع الفريق في أوّل السنة، تحديد أوقات في هذا الجدول لتعاون الأقسام وتشارك الاستراتيجيّات والعمل على مبادرات جديدة.
ومن المهمّ جدًّا داخل التقويم أن نعطي مساحة للفعّاليّات الاجتماعيّة البحتة، وليس بالضرورة أن تكون هذه الفعّاليّات مكلفة، فقد تكون إفطارًا جماعيًّا أو ليلة أطباق تشاركيّة. والأهمّ من ذلك كلّه هو الحضور الإيجابيّ للمدير وكلمته الطيّبة؛ فحضور المدير وتواجده على الأرض مع المجموعات يكون قدوة لفريق العمل.
على الإدارة أيضًا بناء سياسة توجيه وإرشاد؛ فمنذ لحظة انضمام الأستاذ إلى المدرسة يجب أن تُحدَّد له طريقة للتدرّج في المناصب داخل المدرسة، وأن تربط الترقية في المناصب بقابليّته للتعاون وقدرته على العمل الجماعيّ.
تعاون المعلّمين يؤثّر في المناخ العام للمدرسة ويجعل جوّها إيجابيًّا، وهذا ينتقل إلى الطلبة داخل الصفوف.
كلّ ذلك يساعد على جعل التعاون جزءًا من سياسات المدرسة دون التأثير في ميزانيّتها.

المحور الثاني: إلى أيّ مدى ينمو المعلّم بفضل التعاون؟

متى يكون التعاون بين المعلّمين حقيقيًّا ومنتجًا للنموّ، ومتى يكون مجرّد تنسيق شكليّ؟ وكيف ننتقل من "الأنا" إلى "التكامل"؟
قالت أ. نجود الخوالدة إنّه إذا أردنا أن يكون التعاون حقيقيًّا ومنتجًا، فهناك ممارسات نقوم بها على مستوى القسم والدائرة، منها:
•    أن يُبنى هذا التعاون على مشكلة حقيقيّة: في ظلّ ثورة الذكاء الاصطناعيّ، ظهرت لدينا بعض الممارسات الخطأ من قِبل الطلبة أثناء استخدام هذا الذكاء، ولا سيّما في الواجبات. تنبّهنا لهذه المشكلة وأصبح الوعي بها على مستوى المدرسة، فعملت المدرسة على وضع سياسة ضابطة للذكاء الاصطناعيّ من قِبل الطلبة. لا أقول سياسة تمنع، إنّما تضبط هذا الأمر. هذا العمل المشترك جاء نتيجة مشكلة تحسّسها المعلّم، وقد شهد بناء هذه السياسة جهدًا مشتركًا وتعاونًا من جميع المعلّمين، والعمل بشغف لتجاوز هذه المشكلة. 
•    عندما يعلي المعلّم من قيمة التعلّم: نركّز دائمًا على الرحلة لا النتيجة النهائيّة. على سبيل المثال، عندما يقدّم المعلّم ورشة لا نطلب منه فقط أن يتحدّث عن ردود أفعال المشاركين والثناء الذي حصل عليه، بل نطلب منه مشاركة رحلته التعليميّة. 
•    أن ينتج عن هذا التعاون تغيير فعليّ في الممارسة. 
•    أن يكون التعاون قائمًا على التكامل: يجب أن يشعر المعلّمون بقيمة التكامل حتّى يحقّق التعاون النموّ. فمثلًا في برامج الخدمة المجتمعيّة التي تُعدّ ركيزة أساسيّة في بعض البرامج الأكاديميّة، قمنا ببرنامج خدمة خاصّ بالمكفوفين. فخبرات الخدمة الاجتماعيّة في المدرسة عندما تكاملت مع خبرات معلّمي اللغة العربيّة كانت النتائج عظيمة، وهنا تلمّس المعلّمون قيمة تحقيق التعاون. 
•    أن يُرى الأثر في الطلبة: مثل نظام وجود معلّمين داخل الغرفة الصفّيّة، فعندما يتعاون معلّمان في تخطيط الحصّة وإدارتها، يكون نجاحهما مترابطًا، ويكون أثر النجاح في الطلّاب مرتبطًا بالمعلّمين الاثنين وليس بواحد فقط.


كيف يمكن بناء بيئة تعاون مهنيّ خلال الأزمات تعزّز النموّ الذاتيّ للمعلّم، وتحافظ على توازن فعّال مع التوجيه القياديّ؟
قالت أ. ندى الأشقر إنّ التعاون في الظروف العاديّة قد يبدو رفاهيّة، لكن في الأزمات يُعدّ وسيلة بقاء، لما له من دور وأثر في العمليّة التعليميّة، ومسؤوليّته الاجتماعيّة قبل الحديث عن نموّه.
يشعر المعلّم خلال الأزمات بضغط مثل أيّ شخص آخر، ويتعرّض إلى قرارات مفاجئة وسريعة (دوام إلكترونيّ ودوام وجاهيّ، وجود رواتب أو عدم وجود رواتب). كما يواجه المعلّم شكلًا من أشكال العزلة، تحديدًا عندما يكون التعليم إلكترونيًّا.
كلّ هذه الضغوطات في حالات الأزمة تجعل المعلّم مضطربًا، وهو بحاجة إلى بيئة متعاونة تحتويه وتهدّئ من روعه. ومن الأشياء التي لا أنساها إطلاقًا عندما كنت في بداية حرب الإبادة على غزّة، أنّني كنت أحتاج إلى قطع حاجزين أو ثلاثة للوصول إلى مدرستي، فوجدت أنّ مديرتي بدّلت لي الحصّة الأولى وأعطتني مساحة لشرب قهوتي، لأنّني كنت بحاجة إلى ذلك بعد ما مررت به قبل الوصول إلى المدرسة.
المعلّم المتعاون معلّم متعاون داخل الأزمات وخارجها، وقد يكون هدفه التطوّر المهنيّ وهذا لا يعيبه. أو قد تكون طبيعته أنّه شخص متعاون داخل مدرسته وعائلته ومجتمعه. والمطلوب من المعلّمين والقيادة ألّا يُنظر إلى المعلّم المتعاون على أنّه تهديد، فهو بطبيعته يحاول خلق ظروف أسهل للعمليّة التعليميّة تعكس أثرًا إيجابيًّا في الطلّاب.
في تجربتي في التعليم الإلكترونيّ كنت أبذل جهودًا كثيرة. نعم كانت مطلوبة منّي، لكن ليس بالجودة التي قدّمتها، ومع ذلك كنت أحاول أن أجعل تجربة زملائي في التعلّم الإلكترونيّ أفضل، ليس بهدف التباهي بمهارات تقنيّة، بل من أجل الحفاظ على سيرورة التعليم داخل الأزمة وعدم انقطاع الطلّاب عن التعليم.
دور القيادة هنا:
•    تعزيز المعلّم المتعاون.
•    ألّا يُبرز شكل من أشكال المشاحنات بين المعلّم المتعاون والمعلّم الذي لا يمتلك الكثير من المهارات في هذا الجانب، على رغم أنّه قد يكون رائعًا في تدريس مادّته. ويمكن للمدير أن يسلّط الضوء على مهارات أخرى لدى هذا المعلّم، مثل قدرته على احتضان الطلّاب. 
التعاون ليس خيارًا تنظيميًّا، بل ثقافة إنقاذ بالدرجة الأولى.

ما الذي يجعل قيادة تربويّة معيّنة أكثر دعمًا للتعاون مقارنة بغيرها؟ وكيف تؤثّر هذه الثقافة في رفاه المعلّم وتقليل ضغطه المهنيّ؟
بدأت أ. ميرنا رسلان بالحديث عن الثوابت، مذكّرة بكمّ الضغط الهائل على المعلّمين، ومشيرة إلى أنّ الإداريّين مطلوب منهم أسلوب إدارة حكيم واستراتيجيّ لتفعيل هذا التعاون وتقليل الضغط على المعلّم، وذلك من خلال:
•    البحث عن نقاط القوّة لكلّ عضو من أعضاء الفريق. 
•    تأطير التعاون بطريقة تقلّل من المشاحنات السلبيّة وتزيد من تجانس أعضاء الفريق. 
•    فرض تعاون مهنيّ واحترام بين جميع الموظّفين، مع اتّخاذ إجراءات مناسبة في حال حدوث أيّ مشاحنات بين أعضاء الفريق وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه. 
•    تصويب البوصلة وتحديد الهدف من التعاون بإشراك المعلّمين أنفسهم. 
•    تقريب وجهات النظر وتيسير اجتماعات تُنشئ جوًّا تعاونيًّا بين الأفراد. 
•    إزالة الحواجز بين المعلّم والمدير ليشعر المعلّم بالأمان. 
جميع ما سبق يجعل المعلّم يشعر بالرفاه والتقدير.
وأضافت: بصفتها مديرة، تعمل منذ استلامها هذا المنصب على خلق مجتمع مهنيّ متفكّر، إذ تقوم في نهاية كلّ فصل بعقد اجتماع تأمّلي مع كلّ زميل من العاملين في المدرسة، وتطرح خلال هذه الاجتماعات ثلاثة أسئلة:
o    ما الأشياء الإيجابيّة التي حدثت هذا الفصل بالنسبة إليك؟ 
o    ما الأشياء السلبيّة أو التحدّيات التي واجهتها هذا الفصل؟ 
o    برأيك، كيف يمكننا تطوير ممارساتنا حتّى نحسّن البيئة العامّة لك وللتلاميذ وللمدرسة؟
 

أدوّن بعد ذلك كلّ البيانات، ثم أحلّلها. وبعد تحليلها تتكوّن عندي فكرة عن الأشياء الإيجابيّة، والأشياء السلبيّة والمواضيع التي يجب التركيز عليها في الفصل القادم. هذه المحاور أشاركها مع الزملاء في بداية الفصل الثاني، أو في بداية العام الجديد في ورشة عمل نتناقش فيها. ويعمل الأساتذة بالاستناد على هذه البيانات بشكل فريقيّ ليخرجوا منها أهداف الفصل القادم أو السنة القادمة وخطط التنفيذ لهذه الأهداف. يشعر بذلك الأستاذ أنّ صوته مسموع.

كيف يمكن للمعلّم أن يحوّل خبراته اليوميّة داخل الصفّ إلى مصدر مستمرّ للتعلّم والتطوير المهنيّ من دون الاعتماد على الدورات الرسميّة وحدها؟
بحسب أ. آسيا شهاب يستطيع المعلّم تحقيق ذلك عندما:
•    ينظر إلى ممارساته اليوميّة الصفّيّة بوصفها فرصًا للتأمّل والتطوير، بتحليل استجابات الطلّاب وتقييم ما ينجح وما يحتاج إلى تحسين، ومن ثم يتشاور مع الأساتذة الآخرين الذين يدرّسون الصفّ نفسه، ويتشارك هذه التأمّلات معهم. 
•    تفتح المدرسة الباب للزملاء لمشاركة خبراتهم مع بعضهم البعض، إذ يمكن أن تندب المدرسة معلّما لحضور ورشة، ثمّ ينقل ما اكتسبه من خبرات إلى زملائه.
•    ترى القيادة العليا المعلّم يستخدم استراتيجيّة مميّزة في مادّته، وتطلب إليه نقلها إلى زملائه. يشعر المعلّم بالتقدير والدافعيّة إلى التعاون، وهذا ما قمنا بتطبيقه في مدرستنا ووجدنا فيه نتائج ممتازة على العمليّة التعليميّة.
•    الزيارات الصفّيّة المتبادلة بين الأساتذة. 
•    خلق ثقافة الثقة والانفتاح بإتاحة مساحة آمنة للمعلّمين لمشاركة أفكارهم، وأخذ القيادة العليا هذه الأفكار بعين الاعتبار.


المحور الثالث: التعاون ضرورةً لبناء الطالب.

انطلاقًا من تجربة غزّة، كيف يكون التعاون في عالم افتراضيّ وفي ظروف قاهرة؟ وكيف تدعم المنظومة التعاونيّة الطالب نفسيًّا وأكاديميًّا (مهارات البقاء)؟
قالت أ. ندى الأشقر إنّ تجربتها مع طلّاب غزّة في التعليم الإلكترونيّ هي التي صنعت المعلّمة التي تتحدّث الآن، وكانت تجربة تطوّعيّة على مرحلتين:
المرحلة الأولى مع طلّاب غزّة الذين نجحوا في الخروج من غزّة إلى مصر قبل إغلاق المعبر. وهنا نتحدّث عن طلّاب في مكان آمن يتوفّر فيه الإنترنت. هم ناجون من الحرب ولكن بظروف تختلف عن الطلّاب في المرحلة الثانية. وكنت في هذه المرحلة معلّمة تكنولوجيا معلومات للصفوف العاشر والحادي عشر والثاني عشر.
المرحلة الثانية كانت مع طلّاب غزّة الذين ما زالوا داخل غزّة، داخل الخيم وأماكن النزوح، وهنا كنت مهندسة دعم تقنيّ، ومسؤولة عن الأمور التقنيّة لـ 35 ألف طالب، يحتاجون مني أن أتواصل معهم وأحلّ لهم مشاكلهم التقنيّة. وما كان يحدث حقيقة من طرفنا هو محاولات للحفاظ على إنسانيّة هؤلاء الطلّاب، وعلى شعورهم بأنّهم طلّاب داخل صفّ ولديهم معلّمون ومدير ومرشد.
الطالب هنا كان يحتاج إلى نوعين من الدعم:
•    الدعم الأكاديميّ: نخفّف المادّة قليلًا ونركّز أكثر على الأساسيّات. لا نُخيف الطالب كثيرًا من موضوع الحضور الإجباريّ، يكفي أن ينفّذ بعض المهمّات ويقوم برفعها والمتابعة من خلال مجموعات الواتس آب لأنّها تستهلك إنترنت أقلّ من برنامج تيمز. 
•    الدعم النفسيّ: لم يكن الطالب مستعدًّا نفسيًّا للتعلّم. ومن خلال الشقّ التقنيّ، ساعدنا الطالب عبر التواصل السهل مع الدعم التقنيّ في مجموعات الواتس آب، أو التواصل الدائم على الهاتف، لأنّ الطالب في غزّة قد يسير ساعتين حتّى يشحن هاتفه. لذلك، كنّا جاهزين للردّ على مكالمته وإعطائه نصائح وتعليمات في الوقت الملائم له، وليس الوقت الملائم لي أنا المعلّم، فلم تكن هناك ساعات عمل محدّدة.
وجدنا تعاونًا كبيرًا من طلّاب غزّة أنفسهم؛ فكثير منهم ممّن كانوا يمتلكون إنترنت قويًّا في منازلهم كانوا يسجّلون الحصص ويرفعونها على يوتيوب بجودة منخفضة، حتّى يتمكّن زملاؤهم من مشاهدتها في وقت لاحق.
كما قام الطلّاب بإنشاء مجموعات متخصّصة على الواتس آب لكلّ معلّم لرفع ملخّصات كلّ مادّة، كما قاموا بإنشاء رابط لرفع جميع الملخّصات، وكلّ هذه أفكارهم وأعمالهم. كما ساعدوني في المشاكل التقنيّة عبر تصنيفها، فبدل أن أتعامل مع كلّ مشكلة، كانوا يجمعون المشاكل المتشابهة لأحلّها مرّة واحدة.
كما قاموا بإنشاء بوت تليغرام، وهو نظام يدخل إليه الطالب يحدّد فيه مشكلته، ثمّ يقوده البوت بخطوات متسلسلة حتّى يصل إلى الحلّ، فتُحلّ المشاكل من دون أن تصل إليّ مباشرة.

كيف يسهم العمل التعاونيّ بين المعلّمين في تحسين رحلة تعلّم الطالب بشكل مباشر وغير مباشر، داخل الصفوف اليوميّة؟
رأت أ. نجود الخوالدة أنّ أهمّيّة هذا السؤال تكمن في أنّه لا يحصر قيمة التعاون قيمةً تنظيميّة في المدارس، وإنّما يقدّمه بوصفه قيمة مؤثّرة في جودة التعلّم وجودة تجربة الطالب اليوميّة. ومن الممارسات التي تظهر في هذا السياق:
•    توحيد معايير التعلّم: لا يُترك الطالب بين توقّعات مختلفة واجتهادات فرديّة، بل لا بدّ أن يلتزم مع فريقه بمعايير مشتركة، تلتقي مع رؤى الجميع بالمستوى والكفاءة التي نريد تحقيقها. مثلًا، نعمل الآن على تدريب طلبة الصفّ العاشر على كتابة استجابة أدبيّة للنصّ الشعريّ، ولم نترك المجال لتوقّعات واجتهادات فرديّة، وإنّما خُطِّط للعمليّة للتقدّم بطريقة موحّدة للطلبة في جميع الصفوف. هذه الممارسات تحسّن من جودة كتابات الطلبة، ويظهر تعاون المعلّمين بشكل مباشر في الحصّة الصفّيّة.
•    الاستفادة من خبرات الفريق في توظيف أفضل استراتيجيّات التعلّم: لا يبني المعلّم الدرس بمفرده، بل لا بدّ من أن يستفيد من خبرات الفريق. وأعطي هنا مثالًا: دروس النحو والصرف والإملاء وهي دروس جامدة، إذا لم يستمع المعلّم لخبرات زملائه في كسر جمود هذه الدروس، مثل توظيف الألعاب الإلكترونيّة والأداء التمثيليّ وتقديم الدروس في قالب قصصيّ، فإنّ هذه الممارسات لا يمكن أن تُقدَّم إلا بتبادل الخبرات وتكاملها، وقد انعكس أثرها في تعلّم الطلبة.
•    الاستجابة لصعوبات الطلّاب بوعي مشترك: لا نترك المجال لمعلّم واحد ليفسّر ضعف اكتساب الطلبة لمهارة ما، بل يجب أن يعود إلى الفريق ويتعاون معه في مواجهة هذه الصعوبات والتحدّيات، لأنّ المعلّم من منظور واحد قد يقدّم أسبابًا غير شموليّة. في هذه الدائرة، لا بدّ أن نؤسّس لعمليّة تكامليّة في قراءة النتائج، بحيث تتمّ بنظرة جماعيّة من الفريق، وتُترجم إلى معالجة لنقاط الضعف، مع تأسيس نظام لقراءة البيانات ومعالجتها، وأيضًا الاستثمار في نقاط القوّة.
أمّا الأثر غير المباشر داخل الصفوف، فهو بناء تسلسل معرفيّ؛ فما أدرسه هو حلقة في مسار أكاديميّ واضح على مستوى المدرسة، فأنا على اطّلاع على رحلة الطالب في هذه المادّة من الصفّ الأوّل إلى الصفّ الثاني عشر، وبالتالي ما أقدّمه له هو حلقة في مساره الأكاديميّ. فمثلًا عندما أعلّم الطالب في الصفّ السادس مهارة توسيع الفقرة، فإنّ هذه المهارة تؤهّله لكتابة مقالة كاملة في الصفّ السابع. وإذا لم يعِ المعلّم ذلك، فلن يهيّئ الطالب للمرحلة القادمة بالجودة المطلوبة.
هذه الممارسات تصبّ في سياسات التجسير التي يجب أن تتنبّأ بها الدوائر الأكاديميّة في جميع الأقسام.
وفي سياق الأثر غير المباشر أيضًا، يمكننا الحديث عن تحقيق العدالة في جودة التعلّم. فأنا أضمن أن تُقدَّم الجودة ذاتها لجميع الطلبة في المستوى نفسه، باستخدام أدوات تقييم مشتركة ومقارنة عيّنات الطلبة. ولكن، من دون أن يتمّ ذلك في سياق المقارنة، لأنّ المقارنة آفة تنهش أجواء التعاون.
ومن خلال تعاون المعلّمين، أكون نموذجًا للتعاون الطلّابي. فمثلًا، إذا انخرط الطلبة في موقف تعليميّ أثار اهتمامهمّ، وكانت هذه الخبرة نتيجة تكاثف جهود الفريق، عليّ أن أُظهر لهم القيمة المضافة للتعاون مع زملائي، ويمكن أن أعرّفهم إلى الزملاء الذين تعاونوا في إنجاح هذه المهمّة، أو أن أدعو فريق العمل ليشارك الطلبة رحلة هذا العمل الذي أثرى تعلّمهم.
ولا أتردّد أيضًا في مشاركة الزملاء في نتائج عمل الفريق، كما أعكس قيمة تعاون الفريق في لقاءاتي مع مجتمع المدرسة مثل أولياء الأمور.
وقد يُفهم التعاون بالدرجة الأولى على أنّه يخفّف العبء عن المعلّم، ويضيف إليه خبرات كثيرة وغنيّة، ولكن، في عمق هذه الثقافة نجد أنّ المستفيد الأوّل هو الطالب وما يُقدَّم إليه من خبرات تعليميّة.

كيف يمكن إشراك الأسرة جزءًا من هذه الثقافة التعاونيّة لدعم الطالب بشكل متكامل؟
ترى أ. ندى الأشقر أنّ الأسرة كان لها، ولا يزال، دور مهمّ في العمليّة التعلّميّة. وداخل الأزمات يصبح هذا الدور أكثر أهمّيّة، إذ إنّ من كانوا يتواصلون معها من غزّة وبشكل لحوح هم الأهل، رغبةً منهم في الحفاظ على استمراريّة تعليم أبنائهم. فكانت الأسرة في غزّة تريد أن:
•    تحمي ابنها من الإبادة.
•    تؤمّن له الغذاء.
•    تحافظ على التعليم الإلكترونيّ.
ومن بين 100 مكالمة من غزّة، كانت 3 فقط تطلب مساعدات مادّيّة، بينما 97 مكالمة كانت تطلب أن ينضمّ ابنها إلى صفوف التعلّم الإلكترونيّ، ومن هنا يظهر دور الأسرة المهمّ جدًا.
وعطفًا على الدور الذي ذُكر في تعاون طلّاب غزّة، فإنّ هذا الدور كان يضيف إلى الطالب عبئًا مادّيًّا أو عبئًا على حساب وقته، لكنّ الأهل لم يكن لديهم أيّ مشكلة في ذلك. من هنا، فإنّ دور الأسرة في غزّة كان ولا يزال دورًا أساسيًّا ومتوازيًا مع دور المؤسّسة التعليميّة.
ومن ناحية أخرى، فإنّ المعلّم في الضفّة يعاني ظروفًا صعبة، وكذلك الأسرة هناك تعاني الظروف نفسها. وقد يداوم المعلّم ثلاثة أيّام بسبب الظروف الأمنيّة أو الماليّة، ومع ذلك لا نجد الأسرة الفلسطينيّة تنتقد ذلك، لأنّها تدرك الظروف التي يمرّ فيها المعلّم للوصول إلى صفّه أو مدرسته.
ولا تقتصر الأسرة هنا على أسرة الطالب فقط، بل تشمل أسرة المعلّم أيضًا؛ فكثير من المعلّمات والمعلّمين ينهون دوامهم الساعة 2:00، ثمّ يعودون إلى المنزل لبدء دوام آخر مع طلّاب غزّة حتّى تغيب الشمس، إذ يعتمد أهل غزّة على الطاقة الشمسيّة في الكهرباء، وبالتالي قد تتغيّر مواعيد العمل معهم.
فالأمّ المعلّمة يستمرّ عملها حتّى بعد عودتها إلى المنزل، وقد تقبّلت الأسرة الفلسطينيّة ذلك. وأذكر أنّه في مرحلة من المراحل كان اللابتوب يرافقني في زياراتي العائليّة.
هذه الندوة هي توضيح لقيمة التعاون في البيت والمدرسة، وكم أنّ المعلّم والبيئة المتعاونة مفيدان للمعلّم والطالب، وبالتالي للمجتمع في قضايا أكبر. هذه الجلسة مفتاح لمفهوم تربويّ نتمنّى أن نعيشه برفاهية، لكنّنا حاليًا مضطرّون لعيشه خلال الأزمات التي نمرّ فيها في عالمنا العربيّ.


ودعت د. لينا القوزي في ختام الندوة إلى أن يكون التعاون أوسع وأشمل، وعلى نطاق المعلّمين في العالم العربيّ. وشكرت المشاركات والمشاركين على مداخلاتهم المهمّة، والجمهور على تفاعله واستفساراته.