ندوة: التعليم الشعبيّ.. مداخل وتجارب وتحدّيات
ندوة: التعليم الشعبيّ.. مداخل وتجارب وتحدّيات

عقدت "منهجيّات" ندوتها لشهر أيّار/ مايو 2026، بعنوان "التعليم الشعبيّ: مداخل وتجارب وتحدّيات". وركّزت على ثلاثة محاور، هي:

1. تفكيك مفهوم التعليم الشعبيّ والتعرّف إلى منطلقاته.

2. استكشاف التجارب الواقعيّة والممارسات التطبيقيّة.

3. التحدّيات التي تواجه التعليم الشعبيّ، وآفاقه المستقبليّة.

استضافت الندوة مجموعة من المتحدّثين، هم: أ. عبد السلام خدّاش، ناشط في المجال التربويّ والمجتمعيّ والثقافيّ - فلسطين؛ أ. سيرين حليلة، ناشطة ثقافيّة وباحثة وممارسة في العمل المجتمعيّ - فلسطين/ الأردن؛ أ. رهف أبو ضحى، محاضرة رئيسة في مساق "أهل" ومتخصّصة في التنظيم المجتمعيّ والتعلّم الشعبيّ - الأردن؛ أ. صفيّة الوافي، وكيلة مدرسة "نعمة رسام" للبنات ومعلّمة علوم - اليمن.

أدارت الندوة د. جمانة الوائلي، الباحثة في سوسيولوجيا التعليم والعدالة الاجتماعية لمرحلة ما بعد الدكتوراه. واستهلّت الندوة بالتعريف بـ "منهجيّات" بوصفها مجلّة تربويّة إلكترونيّة دوريّة موجّهة لكلّ العاملين في القطاع التربويّ في السياق المجتمعيّ. تعمل المجلّة على نشر المساهمات العربيّة والعالميّة المثرية والملهمة دوريًّا، وبأشكال تعبير مختلفة ووسائط متعدّدة، وتتابع المستجدّات في الحقل، وتشجّع الحوار الذي يثري التجربة التربويّة في العالم العربيّ، ويجعل منها مصدرًا إنسانيًّا ومعرفيًّا قيّمًا للأفراد والمؤسّسات. ودعت جمهور الندوة إلى متابعتها والمشاركة في أقسامها.

وفي بداية الحديث، أشارت د. جمانة الوائلي إلى أنّ الندوة تنطلق لتسليط الضوء على مفهوم التعليم الشعبيّ بوصفه ممارسة جماعيّة تحرريّة تتجاوز الأطر التقليديّة للتعليم، وتأتي في ظلّ أزمات وحروب تعصف بالعالم وتتطلّب مقاومة للإبادة المعرفيّة.

وأوضحت أنّ الفكرة ظهرت في أواخر ستينيّات القرن الماضي مقرّرًا تدريسيًّا وأسلوبًا للوعي النقديّ على يد الفيلسوف التربويّ البرازيليّ باولو فريري، في سياق تعليم الفقراء والمهمّشين سياسيًّا في بلاده. ويختلف التعليم الشعبيّ عن التعليم الرسميّ وغير الرسميّ بكونه جهدًا جماعيًّا يتطلّب مشاركة عالية، حيث يذوب التمييز التقليديّ بين المعلّم والمتعلّم، ويصبح لكلّ فرد القدرة على اتّخاذ القرار بشأن مسار تعلّمه. واستعرضت أبرز النماذج الواقعيّة الملهمة للتعليم الشعبيّ، وفي مقدّمتها تجربة فلسطين خلال الانتفاضة الأولى بين سنتي 1989 و1990، وتجربة البرازيل المستلهمة من فريري، مؤكّدةً سعي "منهجيّات" لاستكشاف كيف تتحوّل الممارسة التعليميّة في سياقات النزاع والنزوح الطارئة إلى أداة صمود ومقاومة وإعادة بناء للمعنى.

 

المحور الأوّل: تفكيك مفهوم التعليم الشعبيّ والتعرّف إلى منطلقاته

ما مفهوم التعليم الشعبيّ، وكيف يمكننا ترجمته اليوم على أرض الواقع؟

ناقش أ. عبد السلام خدّاش المفهوم موضحًا أنّ ما يميّز التعليم الشعبيّ هو كونه نابعًا من الناس ولأجلهم؛ فالمفاهيم العاديّة تأتي في الغالب نظريّاتٍ جاهزة ثم تُطبّق على المجتمعات، حتّى أفكار باولو فريري نبعت أصلًا من ارتباطه بالناس. وأكّد أنّ تجربة التعليم الشعبيّ في فلسطين شكّلت نموذجًا تعليميًّا فريدًا وأحد أشكال النضال الوطنيّ؛ لأنّه لم يكن مجرّد تعليم أكاديميّ بل كان تعليمًا من أجل الحياة. ففي ظلّ الانتفاضة الأولى، استعاد الناس زمام المبادرة والسيطرة على شؤونهم، وجاء التعليم الشعبيّ عملًا مشتركًا ضمن سياق مجتمعيّ متكامل، يتحرّر من قيود المناهج المفروضة، ليتعلّم الجميع معًا ممارساتهم اليوميّة تشاركًا من أجل البقاء.

كيف ننقل هذا التعريف إلى مساحات التقاطع بين الفنّ والتعليم؟

فكّكت أ. سيرين حليلة المصطلح برؤية نقديّة، مشيرةً إلى أنّ مصطلح التعليم الشعبيّ (Popular Education) المنقول من الإسبانيّة عبر الإنجليزيّة، يعاني عدم انسجام في صياغته العربيّة. فالكلمة الأولى "Education" لطالما ارتبطت في وعينا وسياق وزاراتنا بـ"التربية والتعليم"، قبل أن يُختزل المفهوم لاحقًا بـ"التعليم" وحده، ويغيب الشقّ التربويّ الحاضن للتعلّم. أمّا الكلمة الثانية  ،"Popular" ففضّلت استبدالها بمفهوم "الأهليّ" مستندةً إلى مراجعات د. منير فاشه؛ فالأهالي هم أصحاب القضيّة وحماة المجتمع والأطفال. وبناءً على ذلك، يصبح المفهوم الأدقّ هو "التربية والتعليم الأهليّ"، والذي ينطلق أساسًا من معرفة الناس وخبراتهم التراكميّة، ويتعامل مع المعلّمين والمتعلّمين بصفتهم أهلًا يتشاركون حماية مجتمعهم وتطويره.

كيف نستخدم هذا المفهوم والنمط أداةً تدعم العمل الميدانيّ والممارسات المجتمعيّة؟

داخلت أ. رهف أبو ضحى مبيّنةً انحيازها إلى استخدام مصطلح "التعلّم الشعبيّ" بدلًا من التعليم، تلافيًا للثنائيّة التقليديّة التي تفترض وجود ملقّن ومتلقّ، في حين أنّ التعلّم الحقيقيّ يحدث بأسلوب تشاركيّ وتبادليّ. وأوضحت أنّ التفكير في أنّ التعلم الشعبيّ أداة للتنظيم المجتمعيّ، جاء نتيجة مراجعة نقديّة للأنظمة التعليميّة الرسميّة، والتي تخرّج أفرادًا يفتقرون إلى مهارات الحياة الأساسيّة، مثل: العمل الجماعيّ، والتفكير النقديّ، والتساؤل، والقدرة على تأمّل التجارب الذاتيّة لتغيير الواقع.

وأضافت أنّ هذا المفهوم نُقل عمليًّا إلى ساحة الحملات المطلبيّة، مثل حملة "قُم مع المعلّم" التي ناضلت لأجل الحقوق العمّاليّة للمعلّمات، في مواجهة دوائر قهر متعدّدة تلتقي مع أدبيّات فريري. وعن ترجمة هذا المفهوم إلى أدوات حيّة، أشارت إلى تعدّد الممارسات؛ فمنهم من وظّف المسرح، ومنهم من ربطه بمواسم الحصاد والتجارب المجتمعيّة التشاركيّة. وفي سياق عملهم، ركّزوا على استثمار مساحات النقاش المنظّمة التي تجعل من التجربة الشخصيّة للمشارك معلّمًا أساسيًّا، وتدفع نحو "صحوة تحرّر" واعية تُفضي إلى تغيير السلوك الفرديّ والمجتمعيّ، ومواجهة المخاوف من السلطة، وبناء الثقة المشتركة.

 

المحور الثاني: التجارب الواقعيّة والممارسات التطبيقيّة

كيف ترتبط العلاقة بين التعليم الشعبيّ والوعي النقديّ التحرريّ في الممارسة العمليّة؟

توسّعت أ. رهف أبو ضحى في هذه الفكرة مستندةً إلى هيكليّة الجلسات التي ينفّذونها، وضربت مثالًا بكيفيّة التعامل مع مفهوم "السلطة والتسلّط"؛ حيث تبدأ الجلسة بسرد قصص واقعيّة من تجارب المشاركين وخبراتهم الصعبة. تلي ذلك مرحلة تلخيص المحتوى، ثمّ تمرين "إعادة صياغة المفاهيم"، حيث يقوم المشاركون أنفسهم، وليس الميسّر، بإعادة تعريف التسلط بناءً على وعيهم الجمعيّ.

بعد صياغة المفهوم، يطرح كلّ مشارك سؤالًا نقديًّا، وهو ما يعزّز مهارة التساؤل التي كانت تواجه صعوبات في البداية نتيجة النمط التعليميّ السائد. هذه الأسئلة تصبح هي "الأجندة" الفعليّة للنقاش، لتنتهي الجلسة بالتزام كلّ فرد بتغيير سلوكيّ محدّد في حياته اليوميّة إذا ما واجه التسلط مجدّدًا. وأكّدت أنّ هذه الرحلة التي تمتدّ عبر 8 جلسات منظّمة ومبنيّة على موضوعات يختارها المشاركون، تصنع تغييرًا ملموسًا على صعيد الأسرة، والعمل، والعلاقات، وهو جوهر الوعي التحرريّ الذي يعيد صياغة الواقع بسياق منظّم ومبنيّ على الإنصات المتبادل.

كيف ينعكس هذا النموذج في سياق المدارس والبيئات التعليميّة خلال الأزمات؟

تحدّثت أ. صفيّة الوافي عن واقع التجربة اليمنيّة، مشيرةً إلى أنّ التعليم الشعبيّ ظهر استجابةً متأخّرة أملتها ظروف الحرب القاسية في محافظة تعز، والتي تضرّرت بشدّة وشهدت موجات واسعة من النزوح. ومع توقّف المدارس تمامًا ونزوح الكوادر التدريسيّة، لم يعد التعليم الشعبيّ ترفًا نظريًّا بل تحوّل إلى آليّة عمليّة وتطوّعيّة للبقاء قادها أبناء المجتمع المحليّ والمثقّفون لحماية الأجيال من الجهل والتجنيد. وفصّلت المراحل على الشكل الآتي:
 

1. استشعار الأزمة وجمع الطلّاب: خطوة إنقاذ أولى.على الرغم من إغلاق مدرسة "نعمة رسام" التي تستوعب أكثر من 7000 طالبة بسبب الحرب، تحرّكت قلّة من التربويّين لجمع الطالبات والشباب المتبقّين في المدينة لمنع تسرّبهم نحو التجنيد أو النمطيّة.

2. فتح المساحات البديلة: لتجاوز تدمير البنية التحتيّة وإغلاق المؤسّسات، فتح المجتمع المحلّي المساجد، والمنازل، وأُنشئت خيام تعليميّة في أحياء بعيدة عن الضوضاء ومناطق الخطر لاستئناف الدراسة.

3. إدماج التعليم بالمهارات الحياتيّة: دمج المعرفة بالبقاء، فلم يقتصر التعليم على المناهج الصرفة، بل تطوّع المتخصّصون لدمج التعليم بالأنشطة العمليّة التي تفرضها ظروف الحرب، مثل تعليم الطالبات الخياطة، الرسم، والإسعافات الأولية.

4. ابتكار حلول للمشكلات المعيشيّةاستدامة دامت 3 سنوات، نجحوا فيها في خلق بدائل مجتمعيّة لمواجهة انقطاع الرواتب، وغياب الكهرباء، وانهيار الخدمات الأساسيّة الصرف الصحّيّ.

وعقّبت د. جمانة الوائلي على هذه التجربة الملهمة بالقول: "إذًا، تغيّرت العلاقة بين المعلّم والمتعلّم من علاقة ثنائيّة تلقينيّة تقليديّة، إلى مجتمع تعلّم حقيقيّ يتعلّم فيه الطرفان معًا على أرض الواقع".

وأكّدت أ. صفيّة الوافي هذا التحوّل، موضحةً أنّ تضافر الجهود المجتمعيّة والشبابيّة حوّل المتطوّعين إلى ميسّرين للعملية التعليميّة، يربطون المعرفة بواقع الحياة اليوميّة ويصنعون روابط أسريّة ومجتمعيّة متينة تسهم في استمرار التعليم في أصعب الظروف.

ما أوجه التشابه والافتراق بين هذه التجربة وتجربة الانتفاضة الأولى في فلسطين؟

ناقش أ. عبد السلام خدّاش تجربة فلسطين الفريدة، لافتًا إلى أنّ كلمة "التعليم الرسميّ" تشبه في دلالتها الفرد الذي يرتدي "زيًّا رسميًّا" يلتزم فيه بالأصول الجافّة، بينما تكمن جماليّة التعليم الشعبيّ في انعتاقه من هذه الرسميّة. وأوضح أنّ تجربة فلسطين في الانتفاضة الأولى انبثقت كلّيًّا من المبادرات الشعبيّة والأهليّة، وجاءت ردّ فعل مباشر على سياسة الاحتلال الرامية لتجهيل المجتمع عبر إغلاق المدارس.

وأضاف أنّ التعليم في فلسطين كان يدار بالكامل من قِبل سلطات الاحتلال التي فرضت رقابة صارمة تمنع مجالس الطلبة ومجلاّت الحائط، وتفرّغ المناهج من أيّ مضامين تحرّريّة. وحين اندلعت الانتفاضة، سعى كلّ فرد لترجمة نضاله من خلال مجاله: فحين كان الاحتلال يسمح بالمؤتمرات الصحفيّة التي تشجب إغلاق المدارس شكليًّا، قام المعلّمون والناس بخطوة جوهريّة تمثّلت في "تحرير تعبيرهم" وتطبيق التعليم الشعبيّ في الحارات، والمساجد، وتحت الأشجار.

واستعادت المجموعات الشعبيّة السيطرة الكاملة على العمليّتين التعليميّة والفنّيّة بعيدًا عن رقابة المحتلّ. كما تميّز هذا النمط بتجاوز التلقين والبنكيّة؛ إذ لم يلتزموا بالمنهاج المقرّر حرفيًّا، بل ربطوا تعليم اللّغة العربيّة والرياضيات بواقع الثورة، والاستقلال، وقصص الحياة اليوميّة، ما دفع سلطات الاحتلال لاحقًا إلى إعادة فتح المدارس، بعد أن أدركت فقدانها السيطرة التامّة على عقول الطلبة في الفضاءات الشعبيّة.

 

المحور الثالث: التحدّيات التي تواجه التعليم الشعبيّ والمجالات والآفاق المستقبليّة

كيف تتشكّل العلاقة التكامليّة بين التعليم الأهليّ والفنون أداةً للمقاومة المعرفيّة؟

استكملت أ. سيرين حليلة الحديث بطرح مثالين حيّين من التجربة الفلسطينيّة. تمثّل الأوّل في لجان الأحياء والحارات إبّان الانتفاضة الأولى، عندما أغلقت المدارس وتعطّلت الخدمات البلديّة تمامًا، فتشكّلت لجان حارات لإدارة شؤون الحياة والدراسة والنظافة والزراعة المنزليّة لمواجهة حظر التجوّل الطويل. والسمة الأبرز في هذه اللّجان كانت كسر الهرميّة؛ إذ كانت تضمّ الأطفال والشباب والمسنّين (من عمر 17 إلى 80 سنة)، يجلسون معًا لاتّخاذ القرار وتقاسم المسؤوليّات. وهذا يرسّخ فكرة أنّ التعلم الأهليّ ممارسة وفعل حقيقيّ لا يقتصر على الوعي النقديّ النظريّ، بل يتبعه فعل ثمّ تأمّل في حلقة دائريّة مستمرّة ومسيّسة تمنح الناس قوّة المبادرة.

أمّا المثال الثاني، فيرتبط بتأسيس "فرقة الفنون الشعبيّة الفلسطينيّة" سنة 1979، والتي بدأت بمبادرة من مجموعة أصدقاء في سياق استعادة التراث الشعبيّ وحمايته من الطمس.

وعدّت أ. سيرين هذه الفرقة مدرسة تعلّميّة حقيقيّة تخرّج فيها مئات الشباب؛ حيث كانوا يتعلّمون الدبكة والأغاني بالنزول إلى القرى وتوثيقها من الأهالي، ثم يطوّرون أدواتهم المسرحيّة بالممارسة والبحث. ولم تقتصر التجربة على الفنّ، بل كانت مساحة لتعلّم الحوار الديمقراطيّ، وقبول الاختلاف، والالتزام بقرار الأغلبيّة، ثمّ مراجعة النتائج وتعديلها. وهو ما يفسّر استمرار الفرقة وعطائها الممتدّ لقرابة خمسين سنة.

وعقّبت د. جمانة الوائلي مؤكّدةً أنّ دوائر التعلّم الشعبيّ أو الأهليّ تجاوزت حفظ التعليم لتصبح فعل مقاومة وصمود وهويّة بحدّ ذاتها في ظروف الحروب والنزوح، محتضنةً الفنون والتجارب الحياتيّة جنبًا إلى جنب مع العلوم. ثمّ توجّهت بالسؤال إلى أ. صفيّة الوافي حول دور المعلّم في المدرسة، وكيف برز الفرق بين النمطين التقليديّ والشعبيّ؟

أوضحت أ. صفيّة الوافي أنّ دور المعلّم في سياق التعليم الشعبيّ في اليمن، تحوّل جذريًّا بفعل المبادرات المجتمعيّة؛ فمع غياب المعلّمين الأساسيّين وانقطاع الرواتب والخدمات، تسابق المتطوّعون لفتح المساجد والمخيّمات، ولم يمارسوا دور المعلّم الملقّن، بل دمجوا المناهج بالأنشطة والتجارب الحياتيّة والمهنيّة الصعبة، واضعين البدائل العلميّة لكلّ مشكلة واجهت المجتمع في تلك الفترة.

من واقع التجربة الميدانيّة، كيف ينتقل أثر التعلّم الشعبيّ ومبادئه إلى داخل الغرف الصفيّة الرسميّة؟

شاركت أ. رهف أبو ضحى تجربتها الشخصيّة، مستعيدةً ذكريات طفولتها في ريف دمشق ونفورها المبكر من "التعليم البنكيّ" القائم على التلقين. وذكرت كيف كان لوالديها دور في كسر هذا النمط بالتنسيق مع معلّمتها في الصفّ الثاني، والتي كانت تسمح لها بالخروج للعب تحت المطر لدقائق تلبيةً لشغفها قبل العودة إلى الصفّ، وهو ما يمثّل مرونة ووعيًا مبكرًا بضرورة تلبية احتياجات الطفل الإنسانيّة.

وعن انتقال هذه الفلسفة إلى عملها ميسّرةً مع المعلّمات، أوضحت أنّ المعلّمات اللّواتي انخرطن في رحلات التعلّم الشعبيّ نقلن ممارسات نوعيّة إلى بيئاتهنّ الصفيّة:

1. تشارك الأعراف والقواعدأصبحت المعلّمات يضعن قواعد الصفّ بمشاركة الطلاّب أنفسهم في بداية الفصل، ما ولّد لدى الطلبة مسؤوليّة ذاتيّة لحمايتها.

2. تشجيع مهارة التساؤلتفعيل ثقافة السؤال داخل الصفّ وهدم فكرة "السؤال الغبيّ"، ما حفّز التفكير النقديّ لدى الطلّاب.

3. تطوير طرق نقل المعرفةتحويل المناهج المقرّرة من قوالب جامدة إلى تجارب حيّة قائمة على اللّعب، والزراعة، واختبار الجغرافيا عمليًّا.

وأشارت إلى أنّ الحملة بدأت سنة 2017 بـ 55 معلّمة، وتضمّ اليوم قرابة 3600 معلّمة يمارسن أدوات التعلم الشعبيّ والعمل الجماعيّ والديمقراطيّة الصفيّة بشكل مستقلّ، ما يمنح أملًا حقيقيًّا في جعل التعليم مساحة لبناء مهارات التعامل الإنسانيّ وحلّ النزاعات، وليس فقط لحفظ المناهج.

كيف يتحدّد الفرق الجوهريّ بين دور المعلّم في المنظومة الرسميّة ودوره ميسّرًا في التعليم الشعبيّ؟

ناقش أ. عبد السلام خدّاش الفروق الهائلة بين التعليم المُمأسس والتعليم الشعبيّ؛ فالتعليم الرسميّ تملكه مؤسّسة، مثل الوزارة، تقدّم منهاجًا جاهزًا ومقرّرًا من قِبل كبار يفترضون أنّهم أفهم من الصغار. ويقوم دور المعلّم فيه على شحن عقول الطلبة بالحفظ والتلقين. وذكر تجاربه مع معلّمات الصفّين الحادي عشر والثاني عشر اللّواتي يقلن له: "كل ما تحكيه على عيننا ورأسنا، لكن امتحانات التوجيهيّ قائمة على التلقين، وإذا علّمنا الطلاب النقد والتحليل فلن ينجحوا"، ما يضطرّ الطلّاب إلى حفظ المادّة وتفريغها في الامتحان، ثمّ تمزيق الكتب مع انتهاء العام، لانتهاء علاقتهم بالمعرفة.

وأوضح أنّه في المقابل، يتجلّى دور المعلّم في التعليم الشعبيّ مُيسّرًا يتبادل المعرفة مع المشاركين؛ إذ لا يوجد منهاج فوقيّ، بل ينطلق الدرس من قصص الناس وحياتهم اليوميّة، مثلماذا حدث معك اليوم؟ هذا النمط يدمج المعرفة بما يُعرف اليوم بـ "مهارات الحياة"، والتي أكّد أ. عبد السلام أنّه اكتسبها شخصيًّا من واقع الحياة في المخيّم، ومجموعات نقاش الكتب التي علّمته احترام رأي الآخر والإنصات. في حين أنّ التعليم الرسميّ غالبًا ما يعجز عن تقديم حلول للمشكلات الواقعيّة.

وأوضح أنّ تركيزه الحاليّ ينصبّ على العمل مع الخرّيجين الجدد في المراكز المجتمعيّة لابتكار أدوات تخلق دافعيّة التعلّم الذاتيّة لدى الطلّاب، لمواجهة الفاقد التعليميّ الهائل في فلسطين، بدلًا من إعادة إنتاج أساليب التدريس الرسميّة الجافّة؛ فالتعليم الشعبيّ يقوم أساسًا على علاقة تبادليّة تتوفّر فيها الدافعيّة لدى المعلّم والمتعلّم معًا.

وعقّبت د. جمانة الوائلي بالتساؤل عمّا إذا كان قرار التعلّم الشعبيّ يتطلّب بنية مؤسّسيّة متكاملة ليدوم، بدلًا من كونه مجرّد قرار فرديّ.

أجاب أ. عبد السلام خدّاش بأنه إذا تُرِك الأمر للمؤسّسة الرسميّة بصيغتها الحاليّة فلن يتحقّق التغيير الجوهريّ، ودعا المؤسّسات التربويّة المعاصرة إلى إعادة قراءة تجربة المربّي الفلسطينيّ خليل السكاكيني في عشرينيّات القرن الماضي، واستلهام المدارس الفلسطينيّة القديمة التي كانت تقوم على احترام كرامة المعلّم واستقلاليّة الطالب، بدلًا من الاكتفاء باستيراد تجارب غربيّة، مثل فنلندا والنرويج، وتجاهل النماذج الأهليّة الملهمة الغنيّة بدافعيّة التعلّم.

وفي السياق نفسه، طرحت د. جمانة الوائلي سؤالًا نقديًّا استقبلته من الجمهور: هل يمكن لاستراتيجيّات التعليم الشعبيّ أن تمكّن المتعلّمين من استيعاب القواعد العلميّة العامّة والضروريّة لاستكمال تعليمهم بعد المدرسة؟

وأكّد أ. عبد السلام خدّاش أنّ التعليم الشعبيّ قادر تمامًا على ذلك، مشيرًا إلى أنّ هذا السؤال يمسّ جوهر المقارنات الدائرة بين النظامين الرسميّ والشعبيّ؛ فبينما تحصر وزارات التربية والتعليم رؤيتها في شعارات، مثل "تهيئة طالب يؤمن بوطنه"، يجدر بها ترك المساحة للطالب ليكتشف اهتماماته الحقيقيّة. واستشهد بمقولة تربويّة تفيد بأنّ "التعليم إشعال للنار داخل المتعلّم، وليس إطفاءً للحريق"، منتقدًا المدارس الحاليّة التي تعمل بوصفها "مطفئة حريق" تقمع أيّ رغبة خارجيّة للاستكشاف، مثل منع طالبة من اللّعب تحت المطر، وتجبر الطلاّب على نمط جامد يمتدّ من الصباح حتّى الظهيرة للحصول على ترتيب طبقيّ (الأوّل والثاني).

وضرب مثالًا تجربة "يراعات" التابعة لمؤسّسة تامر للتعليم المجتمعيّ، والتي ركّزت على الكتابة الإبداعيّة والتأمّلية؛ حيث اكتشف بعض اليافعين بعد سنوات من الانخراط في المجموعة، أنّهم لا يحبّون الكتابة، وهو ما اعتُبر نجاحًا باهرًا للتجربة لأنّها ساعدتهم على اكتشاف ذواتهم واهتماماتهم البديلة. وأوضح أنّ جوهر التعليم الشعبيّ يكمن في خلق الأجواء والبيئات التي تساعد على استكشاف الإمكانيّات الهائلة والمتباينة للطلاّب، بدلًا من صهرهم في كتاب واحد، وامتحان واحد، وعلامات متطابقة.

 

مواجهة شحّ الموارد وإعادة تعريف "الوفرة"

طرحت د. جمانة الوائلي تساؤلًا وجّهته إلى أ. صفيّة الوافي حول كيفيّة التعامل مع غياب الإمكانيّات والموارد الضروريّة لتأطير العمليّة التعليميّة، مستحضرةً نموذج مدرسة "نعمة رسام" في اليمن خلال الحرب والنزوح.

أوضحت أ. صفيّة الوافي أنّ العمل بأكمله قام على التطوّع، وأنّ المتطوّعين الجدد طوّروا أفكارًا قديرة مستوحاة من الواقع الميدانيّ للتغلب على الانعدام التام للسبّورات، والطباشير، والأقلام، والدفاتر، والوسائل التعليميّة التقليديّة. حيث كان المعلّم والمتعلّم يتحاوران في اليوم الأوّل لتصميم درسهما في اليوم التالي بلا موارد، واقتباس تجارب العلوم والكيمياء من موادّ الحياة اليوميّة البسيطة، بأسلوب تشاركيّ جعل المتعلّم معلّمًا والمعلّم متعلّمًا.

وأضافت أنّ هذه الظروف منحت الطلاب قوّة وشجاعة أثبتت أنّ الحرب لا تضع الإنسان في عجز بل في صمود؛ لدرجة أنّ الطلاّب كانوا يجمعون من مصروفهم البسيط لشراء وسائل إيضاح أساسيّة. واستعرضت نماذج عمليّة لمواجهة غياب الخدمات:

1. بدائل الإضاءةالاعتماد على الشموع والمصابيح البسيطة داخل الخيام التعليميّة، وتبرّع الأسر الميسورة بالطاقة الشمسيّة لصالح مساحات التعلّم.

2. إعادة التدويرجمع الكراتين الفارغة من الشوارع والدكاكين، وتحويلها إلى وسائل تعليميّة بصريّة لطلاّب الصفوف الأولى (الأوّل والثاني والثالث) الذين يحتاجون إلى تجسيد مادّيّ للمعلومات.

وعقّبت أ. سيرين حليلة على هذه النقطة برؤية مغايرة لمفهوم "الشحّ والوفرة"، مؤكّدةً أنّ ما يراه البعض شحًّا ماليًّا هو في الحقيقة وفرة في موارد أخرى بديلة لا نراها، لأنّنا اعتدنا النظر إلى اتّجاه واحد. واستدلّت بدراسة مرجعيّة أجرتها مؤسّسة تامر سنة 1989 (إبّان الانتفاضة الأولى)، لتقييم التحصيل المدرسيّ في اللّغة العربيّة والرياضيّات لطلبة الصفّين الرابع والسادس الابتدائيّ في كافة مناطق الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، في ظلّ إغلاق الاحتلال المتواصل للمدارس.

وجاءت نتائج الدراسة لتكشف عن ثلاثة استنتاجات شكّلت فلسفة عملهم اللاحقة:

1. تحصيل طلبة الصفّ الرابع كان أفضل من الصفّ السادس، على الرغم من الغياب الطويل عن المقاعد الدراسيّة.

2. تدنّي التحصيل في الرياضيّات مرتبط بضعف الفهم اللّغوي والسياقيّ، وليس بالقدرة الحسابيّة المجرّدة (حيث تنخفض نسبة الإجابات الصحيحة بمقدار 30% فور تحويل المسألة الحسابيّة إلى مسألة لغويّة وقصّة واقعيّة).

3. المفاجأة الأكبر تمثّلت في تطابق نتائج التحصيل للطلّاب الذين داوموا 60 يومًا فقط، بفعل الإغلاقات مع نتائجهم في سنوات الدوام الكامل (200 يوم) قبل الانتفاضة.

وبناءً على هذه المؤشّرات، ركّز التعلّم الأهليّ على "التعبير بكافة أشكاله" أصلًا للفهم والوعي، من دون حصر التعليم في المنهج المدرسيّ الضيّق، وفتح المساحات للتأمّل والتجريب، مستشهدةً بتجربة الباحث الحكواتيّ الراحل حمزة العقرباويّ الذي لم ينخرط في مسارات أكاديميّة تقليديّة، لكنّه من خلال الشغف والتعلّم التبادليّ في "مشروع حكايا"، نجح على مدار عشر سنوات في جمع التاريخ الشفويّ وقصص الأماكن والأشخاص، ملهِمًا قطاعات واسعة من المجتمع بما تعجز المدارس عن تعليمه بنصف وقتها. ودعت سيرين المدارس إلى الانفتاح على المجتمع بصفتهم أهلًا وموظّفين وطلّابًا يمثّلون معلّمين حقيقيّين، مؤكّدةً أنّ أيّ معرفة علميّة (فيزياء أو كيمياء) لا ترتبط بفعل وسياق خارجيّ مصيرها النسيان.

 

استدامة التعلّم الأهليّ وتحدّيات البنية المؤسّسيّة

وردًّا على تساؤل د. جمانة حول مدى استدامة هذا النموذج وقدرته على إحداث تأثير طويل المدى، أكّدت أ. رهف أبو ضحى إمكانيّة الاستدامة بربط المفهوم بالتمويل. وأوضحت أنّ تجارب منطقتنا التاريخيّة، من الانتفاضة إلى حرب اليمن، أثبتت قدرة الشعوب على التعلّم عبر التكافل الاجتماعيّ وإيجاد البدائل دون ارتهان للمؤسّسات والتمويل الخارجيّ.

وأعطت مثالًا بحلقات التعلم الشعبيّ التي نظّمتها المعلّمات الـ 55 في بيوتهنّ، حيث اتُّفقَ على عدم إثقال كاهل المضيفة بأكثر من فنجان قهوة سادة، فكان المورد الحقيقيّ هو البيت والإنصات المتبادل. واستحضرت فلسفة المربّي خليل السكاكيني في جعل محيط المدرسة حديقة وعالمًا تفاعليًّا ينظّفه الطلّاب ويمارسون فيه الأنشطة. كما أشارت إلى تجربة "الملتقى التربويّ العربيّ" الذي استمرّ على الرغم من اتّخاذ قرار إغلاقه كمؤسّسة سنة 2013، بفضل مبادرات الشباب الذاتيّة في تنظيم "المجاورات" والتجوال والسفر في الضفّة الغربيّة بلا تمويل، مشدّدةً على أنّ الاستدامة تتطلّب صدقًا من الميسّر باعتباره متعلّمًا شريكًا يتبنّى قيم باولو فريري في تحويل التأمّل إلى سلوك واعي.

وفي مقاربته للصعوبات الميدانيّة التي تحول دون المشاركة الفعليّة للمتعلّمين، شخّص أ. عبد السلام خدّاش الأزمة في بنية المؤسّسات التعليميّة المركزيّة ذاتها؛ موضحًا أنّ المؤسّسات المعاصرة تعجز عن إنتاج متعلّمين متحرّرين نظرًا إلى غياب الممارسة الفعليّة للحرّية ضمن المؤسّسة، فضلًا عن قيام المدرسة بسحب دور المجتمع والأهالي في التربية واحتكار المعرفة.

وأضاف خدّاش مفارقة صادمة مستندة إلى دراسة ميدانيّة حول البيئة التعلّميّة، كشفت عن ارتفاع معدّلات العنف داخل البيوت؛ وعند فحص الأسباب تبيّن أنّ "المدرسة هي المصدّر الأساسيّ لهذا العنف" بسبب عبء الواجبات المدرسيّة والمنهاج المتكدّس، ما يحوّل الأمّهات قسرًا إلى معلّمات يمارسن الضغط والتوتر على الأبناء لإنهاء المواد. وجاءت أطروحات المتحدّثين لتلخّص التحدّيات والحلول في النقاط الآتية:

وجه المقارنة

منظومة التعليم الشعبيّ والأهليّ (المجتمعيّ)

المنظومة التعليميّة الرسميّة (المركزيّة)

الدافعيّة والالتزام

طوعيّ وذاتيّ (يقوم على الرغبة والشغف بممارسة الفنون والرياضة والأنشطة).

إلزاميّ وقسريّ (ينتج نفورًا لدى الطلاّب منذ الصفوف الأولى).

محور العمليّة

قائم على السؤال والنقد والتحليل واستكشاف إمكانيات الذات.

قائم على الجواب الجاهز والتلقين لحماية سلطة النظام وهيبته.

مصير المعرفة

مستدام ويرتبط ببناء مهارات الحياة وفهم الذات ومن ثم فهم العالم.

ينتهي أثرها بانتهاء امتحانات "التوجيهيّ" وتفريغ المعلومات وتمزيق الكتب.

وأشار أ. عبد السلام خدّاش إلى وجود خوف بنيويّ لدى السلطات التعليميّة والمؤسّسيّة من التعليم القائم على السؤال، لأنّ الطالب المتحرّر والناقد سيرفض الأنظمة الجامدة وينتقد المدرسة في أوّل خطوة. ودعا إلى عدم استنساخ تجربة التعليم الشعبيّ الفلسطينيّ حرفيًّا لكونها وليدة سياق نضاليّ خاصّ واجه إغلاقات الاحتلال وعقوباته، بل استلهام جوهرها المتمثّل في احترام كرامة المعلّم. وأكّد (مستندًا إلى 6 دراسات تتبّعيّة من عام 1989 حتى العام الحاليّ 2026) أنّ مشكلة التعليم الكبرى لا تُحلّ بتغيير المناهج أو تكرار التدريب، أو تكرار الدراسة لأنّ النتائج ستُعيد نفسها، بل بإعادة الاعتبار لكرامة المعلّم وتقديره، والعودة إلى نماذج تاريخيّة أصيلة مثل مدارس السكاكيني بدلًا من استيراد نماذج غربيّة جاهزة.

 

دمج النموذج الشعبيّ في الأنظمة المستقرّة والتعليم الرقميّ

وفي سؤال مركزيّ طرحته د. جمانة حول إمكانيّة تحويل استراتيجيّات التعلّم الشعبيّ من خطّة طوارئ بديلة إلى بنية أصيلة ومدمجة في الأنظمة المستقرّة، جزمت أ. سيرين حليلة بنجاح الأمر، مؤكّدة وجود الكثير من التربويّين في المدارس والجامعات الذين يطبّقون فكرة "المجاورة"بمبادرات فرديّة، حيث يتجاور المعلّم مع الطلاّب بوصفهم جيرانًا شركاء في الوعي والخبرة.

وانتقدت سيرين إدارات التعليم إبّان جائحة كورونا التي هرعت نحو "التعلّم عن بُعد" وتجاهلت "التعلّم عن قُرب"؛ إذ كان المعلّمون والطلّاب متواجدين في العمارات والحارات نفسها، وكان يمكن تقسيمهم في مجاورات تعلّميّة حيّة بدلًا من حشر الأطفال وتكبيلهم أمام الشاشات والأيباد وإرهاق الأسر، فقط تلبيةً لقيود إداريّة تفرض دوام المعلّم في مدرسة محدّدة لاستحقاق راتبه.

وهذا الانفتاح هو ما طبّقته أ. صفيّة الوافي في اليمن؛ حيث نجحت مدرستهم في تحويل الأنشطة الميدانيّة الطارئة، مثل تعليم الفتيات الخياطة، والرسم، والتدبير، والصيانة، والحدادة لمساعدة الأسر ماليًّا ومواجهة الفقر، إلى ممارسات ومناهج ثابتة ومستمرّة حتّى بعد تفكّك قيود الحرب والعودة إلى المبنى المدرسيّ. بل امتدّ الأثر لافتتاح مراكز صيفيّة ومشاغل خياطة ومعارض رسم مستقلّة خارج أسوار المدرسة تديرها الخرّيجات، بالإضافة إلى تطوير مسار "التعليم الرقميّ".

وفي ما يخصّ تقاطع التكنولوجيا مع التعلّم الشعبيّ، أكّدت أ. رهف أبو ضحى ضرورة الاستمرار في الاستثمار في "القرب الإنسانيّ والمجاورات الحقيقية على الأرض"؛ معتبرةً أنّ التكنولوجيا السريعة قد تسرق منّا قيمة العيش المشترك، فضلًا عن كون تجارب التعلّم الشعبيّ الناجحة منذ سنة 2017 وحتّى اليوم، بُنيت واختُبرت على الأرض وليس عبر الإنترنت.

وشاطرها أ. عبد السلام الرؤية ذاتها، موضّحًا أنّ المشكلة ليست في أدوات التعلّم عن بعد أو الأزمات مثل كورونا، بل في البنية التلقينيّة التي تجعل الطالب عُرضة لفاقد تعليميّ هائل فور حدوث أيّ طارئ. بينما لو بُني التعليم على البحث والاستنتاج، لامتلك الطالب آليات ذاتيّة للوصول إلى المعرفة وتحليلها برفض قيود المؤسّسة الرسميّة ومقاومتها، مستشهدًا بكلمة غاندي: "أنا مستعدّ أن أفتح نوافذي لأيّ شيء بشرط أن أكون ثابتًا على الأرض". والثبات هنا هو قدرة الطالب على فهم ذاته واستكشاف إمكاناته لتترك له المدرسة مساحة حلّ مشكلاته بنفسه.

 

خاتمة الندوة وآفاق العدالة الاجتماعيّة

عبّرت د. جمانة الوائلي في ختام هذه المناقشات الثريّة، عن رؤيتها الاستشرافيّة لمستقبل هذا النمط التعليميّ البديل؛ إذ أشارت إلى أنّها، وعلى الرغم ممّا قد يبدو في نظرتها من تفاؤل مفرط أو طابع ورديّ، ترى في التعلّم الشعبيّ حلًّا مستدامًا لمشكلات التعليم المعاصر. هذا الحلّ يرتكز أساسًا على خلق الوعي النقديّ، وتمكين المتعلّم من تبادل الأدوار مع الميسّر ليكون هو الآخر معلّمًا، والمضيّ معًا على قدم المساواة والتكافؤ لبناء مجتمع تعلّميّ حقيقيّ يقطع دابر التلقين والبنكيّة.

وأضافت د. جمانة أنّها تُثمن وتدعم فكرة التحاور الإنسانيّ المباشر وجهًا لوجه أصلًا في العمليّة التعليميّة، مع التأكيد على أنّ التكنولوجيا ليست أداة سلبيّة بالضرورة، بل يمكن استثمارها بذكاء لتعزيز التعلّم الشعبيّ وتوسيع نطاق أثره. وأكّدت أنّ الهاجس الأكبر والسؤال الذي سيبقى حيًّا لديها ولدى جمهور "منهجيّات"، هو البحث الدائم عن العدالة الاجتماعيّة من وراء التعلّم، والسعي لجعل التعلّم الشعبيّ أداة حقيقيّة لإنتاج هذه العدالة التي تغيب مع الأسف عن الكثير من مدارسنا ومؤسّساتنا التعليميّة التقليديّة.

واختتمت ميسّرة الندوة بالتأكيد على الخلاصات المشتركة التي طرحها المتحدّثون؛ ومفادها أنّ ديمومة هذا النمط تتطلّب بالضرورة تحوّلًا يتجاوز الجهود الفرديّة للمعلّم أو الميسّر نحو بناء تعاون مؤسسيّ متكامل، وتوفير التمويل والدعم اللازمين لتصدير فكرة التعلّم الأهليّ والشعبيّ منهجيّةً بنيويّةً ومستدامة داخل أنظمتنا ومؤسّساتنا التربويّة العربيّة.