ندوة: استعادة الصوت المهنيّ للمعلّم
ندوة: استعادة الصوت المهنيّ للمعلّم

عقدت منهجيّات ندوتها الثانية لشهر كانون الثاني/ يناير 2026، بعنوان "استعادة الصوت المهنيّ للمعلّم". وركّزت على محاور مختلفة، هي:

1. الصوت المهنيّ للمعلّمين: تعريف هذا الصوت وكيف يتشكّل؟

2. تجارب وشهادات ميدانيّة.

3. نحو استعادة صوت المعلّمين المهنيّ.

 

استضافت الندوة مجموعة من المتحدّثين، هم: أ. هيام صفير، مربّية ومنسّقة تربويّة، متخصّصة في تطوير المعلّمين – لبنان؛ أ. مرام عبد العزيز غانم، معلّمة صفّ في برنامج السنوات الابتدائيّة - الأردن/قطر؛ أ. فداء عُمران فاتوني، معلّمة لغة عربيّة ودراما- فلسطين؛ د. عادل حمدي، مستشار عام خبير في الحياة المدرسيّة بوزارة التربية – تونس.

أدار الندوة أ. يسري الأمير رئيس تحرير مجلّة منهجيات ومستشار تربويّ في تعليم اللغة العربيّة - لبنان. استهلّ أ. يسري الندوة بالتعريف بمنهجيّات مجلّة تربويّة إلكترونيّة دوريّة، موجّهة لكلّ العاملين في القطاع التربويّ في السياق المجتمعيّ. تعمل المجلّة على نشر المساهمات العربيّة والعالميّة المثرية والملهمة دوريًّا، وبأشكال تعبير مختلفة ووسائط متعدّدة، وتتابع المستجدّات في الحقل، وتشجّع الحوار الذي يثري التجربة التربويّة في العالم العربيّ، ويجعل منها مصدرًا إنسانيًّا ومعرفيًّا قيّمًا للأفراد والمؤسّسات. ودعا جمهور الندوة إلى متابعتها والمُشاركة في أقسامها.

قدّم أ. يسري للندوة بإشارته إلى أماكن غياب الصوت المهنيّ للمعلّم، فنراه غائبًا في العلاقة بين المعلّم والقرارات الإداريّة التي تقوم بها المؤسّسة، وغائبًا في وضع الخطّط التربويّة الخاصّة بالعمليّة التعليميّة أو المادّة التي يعلّمها، أو حتّى في سلوكيّاته أو ممارساته داخل الصفّ.

ونجد ذلك الخفوت في صوت المعلّم مؤثّرًا في علاقة المعلّمين ببعضهم البعض، إذ كيف تكون هذه العلاقة بين مجموعة من الذين يشعرون بأنّ صوتهم ليس فاعلًا؟

كما يمكن أن نرى أنّ اتّخاذ المؤسّسات قرارات بغياب صوت المعلّم يؤدّي إلى علاقة غير صحّيّة بين المعلّم وما يقوم به، وهذا ما يمكن تسميته بالاغتراب؛ حيث يتحوّل المعلّم إلى مؤدٍّ لا فاعل أو مقدّم أو مبادر.

 كذلك إذا كان صوت المعلّم غير موجود ضمن علاقة الأهل والإدارة المدرسيّة، ولا سيّما أنّه خطّ التماس الأساسيّ في هذه العلاقة، تقع أزمة. هذا الأمر سوف يؤثّر في قيمة المعلّم أمام نفسه، عندما لا يجد حضورًا في هذه العلاقة، إضافة إلى التأثير في حضوره بالصفّ و في علاقته مع المتعلّمين.

وكلّ ذلك من غير أن ننسى الوضع الحاليّ لموقع المعلّم الاجتماعيّ، والذي لم يعد كما كان بالسابق حين كان المعلّم " معلّمًا"، تستشيره الناس وتقدّر رأيه، اليوم لم يعد للمعلّم ذلك الوقع، ولا سيّما بأنّ المردود الماليّ للمعلّم لا يسمح بالتمظهر الاجتماعيّ الذي نعرفه اليوم، بخاصّة مع ترويج مواقع التواصل الاجتماعيّ للحياة الاستهلاكيّة، بحيث تكون قيمة المرء بما يستهلكه لا بما يقدّمه.

 

المحور الأوّل: الصوت المهنيّ للمعلّمين

ما تعريف هذا الصوت؟ وكيف يتشكّل؟

عرّفت أ. هيام صفير الصوت المهنيّ للمعلّم على أنّه تعبير المعلّم عن رأيه بحريّة وأمان ومسؤوليّة ومهنيّة. ونجده في عدّة مساحات: داخل الصفّ، وداخل فريق العمل، وداخل المؤسّسة، وفي المجال العام مثل النقابات.

بالنسبة إلى صوت المعلّم داخل الصفّ: يحتاج المعلّم إلى الابتعاد عن التبرير، واللجوء إلى الشرح ومشاركة الخبرات والملاحظة والتجربة.  للأسف في كثير من الأحيان، يظهر أحيانًا صوت المعلّم بشكل كبير داخل الصفّ، ويختفي خارجه. مع أنّه أكثر شخص يتواجد مع الطلّاب والأكثر قدرة على فهم حاجاتهم، وفهم جوانب العمليّة التعليميّة، وما يجب تبديله وتعديله فيها.

يشعر المعلّم في أوقات عديدة أنّه مقيّد باتّباع الخطّة الدراسيّة التي تفرضها الإدارة حتّى مع عدم تجاوب التلاميذ، فيصبح المعلّم أمام خيارين: إمّا أن يغيّب صوته ويطبّق الخطّة حتّى لا يصطدم مع الإدارة، أو يفعّل صوته ويعدّل الخطّة مع الإدارة ضمن ملاحظاته داخل الحصّة.

من جهتها، قالت أ. مرام غانم أنّ صوت المعلّم المهنيّ لا يشمل فقط صوته في اتّخاذ القرارات داخل الغرفة الصفّيّة، بل يشمل أيضًا قدرته على التعبير عن رأيه التربويّ، واتّخاذ القرارات والمشاركة في صناعتها. وبالتأكيد هذا الصوت نابع من خبرته التربويّة المتراكمة، وممارساته اليوميّة داخل الغرفة الصفّيّة. وأيضًا من فهمه العميق للطلبة والسياق التعليميّ والمنهاج.

ترى غانم أن المعلّم كلّما شعر أنّ صوته مسموع، يعلو هذا الصوت أكثر؛ وكلّما شعر المعلّم بأنّ لرأيه دورًا في العمليّة التعليميّة، يتحسّن أداءه داخل الصفّ وعلاقته بالطلبة، وانتماءه إلى المؤسّسة التي يعمل فيها.

كما أكّدت على أنّ الصوت المهنيّ ليس رفاهيّة، بل حاجة تربويّة أساسيّة، لبناء مؤسّسة تعليميّة تحافظ على جودة التعليم وتسعى للتطوير. وهو ليس اعتراضًا أو شكوى كما يراه بعض أصحاب القرار، بل هو صوت خبرة، وممارسة واعية،  ومسؤوليّة تربويّة. هو صوت يبحث عن حلول ولا يتصيّد الأخطاء أو يلقي اللوم على الآخرين، يهدف إلى التغيير والتطوير.

 

ما الدور المُناط بالمعلّمين لتكوين صوت المعلّم المهنيّ على المستوى الذاتيّ ومستوى الممارسة والتكوين؟

على المستوى الذاتيّ، قالت أ. فداء فاتوني أنّه لا يمكن مقارنة مفهوم المعلّم اليوم بمفهومه في الجيل السابق، من ناحية هيبته وتأثيره الاجتماعيّ، فالواقع الذي نعيشه اليوم مختلف.

المعلّم على الصعيد الشخصيّ يجب أن ينمّي من مهاراته وقدراته حتّى يتمكّن من إعلاء صوته. ويجب أن يركّز على علاقته مع الطلّاب، لأنّ الطلّاب هم النافذة التي تفتح صوت المعلّم للعالم. تحديدًا في المدارس الخاصّة، قبول الطلّاب والأهل يعني أنّ المعلّم مقبول، على عكس المدارس الحكوميّة التي يكون فيها رأي الطلّاب والأهل أقلّ تأثيرًا في وظيفة المعلّم. مع أنّ حقوق الطلّاب والمعلّمين وحدة واحدة لا يمكن فصلها عن بعضها. وصوت المعلّم صوت يعبّر عما يحتاج إليه هو والطالب، فمصلحة المعلّم من مصلحة المتعلّم.

أما على مستوى الممارسة والتكوين، فأكّد د. عادل حمدي أنّ صوت المعلّم لا يهمّ فقط المعلّم، بل هو شأن مجتمعيّ وحضاريّ؛ إذا صلح حال التعليم نكون مطمئنين على مجتمعاتنا.

اتّفق د. حمدي مع أ. فداء على أنّ المعلّم يجب أن يطوّر من نفسه ومهاراته، وينسجم مع تغيّرات المجتمع وتطوّراته الحاليّة. فالمتعلّم له مكانة جديدة اليوم، وهي ليست سلبيّة. فالتوجّهات اليوم أنّ الطالب محور العمليّة التربويّة ولا بدّ أن ننسجم مع هذه التغيرّات.

كذلك لا بدّ من التعاطي الإيجابيّ مع التغيّرات السريعة الحاصلة، وهي ناتجة عن وفرة التعليم. قبل 40 أو 50 سنة كان المتعلّمين قلّة، وكان المعلّم جوهرة المجتمع. اليوم زادت نسبة المتعلّمين ونتج عن ذلك تدنٍّ لصورة المدرسة بوصفها مظهرًا اجتماعيًّا، الأمر الذي ينعكس على التلاميذ. كما إنّ وسائل التواصل الاجتماعيّ تنشر ثقافات أخرى بعيدة عن ثقافة المدرسة. على سبيل المثال تروّج هذه الوسائل أنّ النجاح الاجتماعيّ ليس مرتبطًا بالنجاح المدرسيّ.

الالتزام بأخلاقيّات المهنة هي الدرع الواقي للمعلّمين، ومن بين هذه الأخلاقيّات احترام التلميذ وحقوقه. كما إنّ صوت العاملين بأيّ قطاع يرتبط بشكل مباشرة بجودة الأداء الذي يقدّمه هذا القطاع، وهذه مسؤوليّتنا. ويكون ذلك بالانخراط في مسار التكوين المستمرّ.

 

ما أثر القوانين الناظمة لعمل المعلّمين في هذا الصوت؟

قالت أ. فاتوني إنّ القوانين موجودة في كلّ شيء، ووجودها ليس بحدّ ذاته نقطة الخلاف؛ إنّما نقطة الخلاف هي أنّها تسقط من الأعلى، ويجب الالتزام والانصياع لها بشكل إجباريّ. وإذا كان لديك اقتراحات أخرى لا تؤخذ على محمل الجدّ، ولا تتحوّل إلى مرحلة التطبيق. بينما اقتراحاتك يمكن أن تحصر المعلّم في دائرة العدائيّ، المحرّض للزملاء في المؤسّسة.  

في القطاع الخاصّ، إمّا تقبل قرارات الإدارة، أو يُستَغنى عنك. في القطاع الحكوميّ، وعلى الرغم من المشاكل الأخرى التي يواجهها، إلّا أنّ مساحة التعبير لدى المعلّمين أكبر، فهم قادرون مثلًا على تنظيم إضرابات للتعبير عن صوتهم.

إذا كان المعلّم يعترض لمجرد الاعتراض، لواضعي السياسات الحقّ في الرفض. أمّا إذا اعترض المعلّم على قرار معيّن مع تقديم حلول، فما المشكلة في مناقشته في هذه الحلول المطروحة؟ على صعيد شخصيّ أشعر بالتناقض، لأنّي أعلّم الطلّاب على الحريّة وإبداء الرأي، وأنا في الواقع لا يمكنني ممارسة هذه الحرّيّة. لأسباب كثيرة ومن بينها خوف المعلّم من خسارة وظيفته.

 

ما أثر العلاقة مع إدارات المؤسّسات التربويّة في تشكّل صوت المعلّم المهنيّ؟

قسّمت أ. غانم الإدارات إلى نوعين:

1. الإدارة الداعمة: تكبّر صوت المعلّم وتعطيه المساحة لإعلائه. وفيها تكون القيادة تشاركيّة، والعلاقة المبنيّة بين المعلّم والإدارة قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، تسمح للمعلّم بالقيام بدوره شخصًا خبيرًا، ينفّذ السياسات ويشارك في إعدادها وتطويرها، وينظر إليه على أنّه شخص مبادر يعبّر عن رأيه.

2. الإدارة التي تكبح صوت المعلّم: تجعل هذه الإدارات الصمت يتراكم. فعندما يجرّب المعلّم أوّل مرّة التعبير عن رأيه ولا يجد ترحيبًا، وعوضًا عن الاستماع إلى صوته ومبادرته يتمّ تجاهله، يشعر بالإحباط وعدم الأمان، ما يؤدّي لاختياره للصمت لاحقًا.

هذا الصمت ليس ناتجًا عن ضعف المعلّم، بل عن تجارب متكرّرة من التهميش، أو تجاهل للرأي أو حتّى غياب الثقة المؤسّسيّة. تتراكم هذه الإحباطات للأسف، ما يؤثّر سلبيًّا في جودة الممارسات التعليميّة والتعلّم.

 

ما دور تصوّر الأهل لموقع المعلّم: هل تغيّر دور المعلّم -وبالتالي إحساسه بقيمته الاجتماعيّة – مع تبدّل أدواره بفعل ضغط الممارسات التربويّة الحديثة المطلوبة منه؟

الأهل من وجهة نظر أ. صفير قادرون على مساعدة المعلّم في إعلاء صوته، بوصفه تربويًّا ومرجعًا أعمل معه على خطّة لبناء الطالب.

لكن المشكلة اليوم أنّ المطلوب من المعلّم الكثير، مثل أن يكون داعمًا نفسيًّا، ومخطّطًا، وأحيانًا يقدّم متابعة فرديّة. والأهل يتوقّعون منه أن يعمل معجزات داخل الصفّ، بمعزل عن عدد التلاميذ الكبير في كثير من الصفوف. بعض الأهل قد يتواصلون مع المعلّم - المضغوط في العمل أصلًا - خارج أوقات الدوام بدون احترام وقته الخاصّ. من ناحية أخرى قد نجد أهلًا يحترمون مواعيد المعلّم ضمن المؤسّسة.

الإحباط الكبير يحدث عندما تتدخل الإدارة بشكل سلبيّ في العلاقة بين المعلّم والأهل. فنجد في أيّ مشكلة صغيرة يُستدعى المعلّم إلى غرفة الأهل ويُستجوَب بوجود الإدارة، وكأنّه متهمّ في قاعة المحكمة؛ ويحار الأستاذ حينها: هل يبرّر موقفه؟ أم ذلك سيدفعهم إلى الاستغناء عن خدماتي؟ هل أرضي الأهل الذي يدفعون رسومًا لهذه المدرسة؟ حتّى لو كان الحقّ مع الأستاذ، الإدارة تقف أحيانًا إلى جانب الأهل حتّى لا تخسر التلميذ. والأهل من جهتهم يشعرون أنّ المال الذي يدفعونه  إلى المدرسة يعفيهم من المسؤوليّة تجاه ابنهم الطالب.

وتحدّث د. حمدي عن انتظار الأهل اليوم تعلّمًا نوعيًّا من المعلّم؛ فهو يُحمّل مسؤوليّة الإخفاق الدراسيّ للتلاميذ. كذلك نجد السلطة داخل المدرسة تغيّرت، فقبل عقود كانت السلطة بيد المعلّم، وهو الذي يقررّ. اليوم السلطة بيد التلاميذ والأهل، والسلطة المطلوبة من المعلّم هي السلطة الناعمة التي تقوم على الكفاءة.

 

المحور الثاني: تجارب وشهادات ميدانيّة

من خبرتها في التنسيق والتدريب، لاحظت أ. صفير أنّه عندما يحضر معلّم حصّة لمعلّم آخر، ويتناقشون بعد الحصّة في الأساليب والاستراتيجيّات ويتبادلون الخبرات، نساعد بذلك في إعلاء صوت المعلّم؛ فذلك أفضل بكثير من أن يأتي مدرّب ويقدّم إلى المعلّمين نظريّات من دون اختبار داخل الصفوف.

عندما يجتمع المعلّمون ويتبادلون التجارب داخل الغرف الصفّية، يتفقّون على ملاحظات متشابهة مرتبطة بالعمليّة التعليميّة، ما يعلي من أصواتهم عوضًا عن أن تكون صوتًا لمعلّم واحد. ما يؤثّر إيجابيًّا في المؤسّسة ويدفعها إلى إعادة النظر في قراراتها الإداريّة، بما يتناسب مع ملاحظات المعلّمين. تضافر أصوات المعلّمين يُحدث فرقًا وأثرًا داخل المؤسّسات.

على الصعيد الشخصيّ، تعتبر أ. فاتوني أنّ أهم صوت للمعلّم هو صوته بينه وبين نفسه، وبينه وبين طلّابه. فمن الأشياء التي تجعلها تكمل مسيرتها في التعليم محبّتها للطلّاب. كما تعتبر أنّ الأستاذ الذي يعتبر نفسه المصدر الوحيد للمعلومة أستاذًا غبيًّا، لأنّ اليوتيوب وغيره من منصّات تقدم معلومات وشرحًا أكثر بكثير من المعلّمين. لكنّ الدور الثاني للمعلّم والأهم، هو التأثير في عقول الطلّاب. والدليل على ذلك هم الأساتذة الفلسطينيّون الذين اعتقلتهم سلطة الاحتلال الاسرائيليّ، كان يقال لهم أثناء التحقيق إنّهم مخيفون لأنّهم يؤثّرون في العقول. هذا يؤكّد أنّ المعلّم له صوت وتأثير، ليس فقط على مستوى الصفّ، بل على مستوى العالم.

تقول أ. فاتوني إنّ صوتها يكون في اكتشاف طلّاب يمتلكون موهبة الكتابة سنويًّا، والعمل معهم على تنمية هذه الموهبة والتواصل مع أهاليهم. وربّما بعد عشرين عامًا أحد هؤلاء الطلّاب يكون كاتبًا أو كاتبة.

من جهتها، تحدّثت أ. غانم عن بعض المعلّمين الذي يتردّدون في المشاركة برأيهم حتّى في الإدارات الداعمة، وذلك لقدومهم من مؤسسّات لا تدعم صوت المعلّم. وشاركت تجربة تمّ تطبيقها في المدرسة التي تعمل بها:

جُمِع المعلّمون في قاعة واحدة، وطُلب إليهم الكتابة على بطاقة من دون ذكر أسمائهم، أيّ رأي أو شعور يخصّ المدرسة. بما يشمل التحدّيات التي تواجه المعلّمين، والنقاط التي يشعرون أنّها بحاجة إلى تطوير. وبعد الانتهاء وُضعت البطاقات في صندوق.

جمعت الإدارة الآراء وعقدت المدرسة اجتماعًا لدراستها وتحليلها. وعملت على تصنيفها إلى نقاط قابلة للتطوير أو التعديل على المدى القريب والعمل عليها، ونقاط غير قابلة للتطوير أو التعديل ويصعب العمل عليها. المهمّ في هذه التجربة كان احترام جميع الآراء، ما أشعر المعلّم بأنّ صوته مسموع، وأنّه لا مشكلة في التعبير عن الرأي، الأمر الذي ساعده على تقديم رأيه لاحقًا.

ترى أ. غانم أنّه طالما عندي تبرير تربويّ للرأي الذي أطرحه، وأتحدّث بطريقة مقنعة وفي وقت مناسب، فهذا يعني أنّي عبّرت عن صوتي المهنيّ بطريقة صحيحة.

لفت د. حمدي إلى وجود مدارس تثمّن مبادرات المعلّمين وتعترف بها، وتستدعي في احتفالات الأولياء والسلطات للتعريف بهذا المعلّم المبدع؛ إن كان في المجال الأدبيّ أو في مجال الممارسات التربويّة. هذا الاعتراف المؤسّسيّ فيه إحياء لدافعيّة المدرّس، وإعلاء لصوته.

ومن التجارب التي شاركها د. حمدي معايشته لجلسات بين الإدارة والمعلّمين، يستمعون فيها إلى آراء المعلّمين واقتراحاتهم يأخذون بها. كما أشار إلى تقديم بعض المعلّمين ساعات دعم إلى بعض التلامذة بشكل مجّانيّ في أيّام العطل، وفي ذلك إعلاء لصوت المعلّم.

 

المحور الثالث: نحو استعادة صوت المعلّمين المهنيّ

 من المسؤول الأوّل عن غياب صوت المعلّمين المهنيّ؟

قالت أ. صفير إنّ غياب صوت المعلّم المهنيّ يبدأ من اللحظة التي يكون فيها المعلّم طالبًا على مقاعد الدراسة، ويقمع معلّمه صوته. على المعلّم إعطاء المساحة لطلّابه في التعبير عن آرائهم وأفكارهم حتّى يتمكّن من ذلك عندما يكبر ويصبح معلّمًا، فلا يكون لديه خوف ورعب من التعبير.

على المعلّم أن يثق بنفسه وقدراته لتفعيل صوته. بالتأكيد السياسات والإدارات لها علاقة بتفعيل هذا الصوت، ولكن إذا لم يعمل المعلّم بمهنيّة ويطوّر نفسه ويقدّم صوته مع زملائه بشكل جماعيّ، لا يمكن أن يعلو صوته.

من ناحيتها تجد أ. غانم أنّ نظام التعليم المعتمد داخل المدرسة، له دور كبير  في إعلاء صوت المعلّم؛ على سبيل المثال المدرسة التي تعمل فيها مدرسة تعتمد نظام البكالوريا الدوليّة، وجزء طبيعيّ من هذا النظام مشاركة المعلّم في وضع السياسات، والمشاركة في مخطّط الوحدات البحثيّة. حتّى في الدراسة الذاتيّة لأخذ المدرسة الاعتماد، يجتمع المعلّمون لتقييم وضع المدرسة والممارسات فيها. فالمنهج الذي تتبعه المدرسة له دور كبير في إعطاء مساحة لصوت المعلّم أو إضعافه.

وقال د. حمدي إنّ العمليّة التعليميّة منظوميّة، وكلّ له المسؤوليّة في غياب صوت المعلّم المهنيّ. فهناك أسباب مؤسّسيّة مثل ضعف الأجور وضعف الظروف المادّيّة للمعلّم، وكذلك ظروف العمل. أمّا في ما يرتبط بالمعلّم نفسه، فهو يحتاج إلى  التكوين المستمرّ والتطوير الذاتيّ، وتأمّل أفعاله وممارسته حتّى يطوّر منها. ومن الضروريّ تبادل الخبرات بين المعلّمين أنفسهم حتّى يتمّ إعلاء صوت التجارب القيّمة ذات الجودة.

أشارت أ. فاتوني اليوم إلى أنّ المعلّمين في فلسطين مطالبهم اليوم بديهيّة. في السابق، كان صوته متمثّلًا في تأسيس الأحزاب وإطلاق الجرائد. اليوم يطلب أن يقلّ نصاب حصّصه حصّتين، ومراعاة تأثير الدولار في رواتبنا. وهذا لم يحدث بين ليلة وضحاها، بل حدث بتخطيط مسبق من مؤسّسات وحكومات. ليركّز المعلّم في مطالبه الشخصيّة والبديهيّة، حتّى لا يكون لديه المجال للتفكير بأيّ مطالب أخرى، بعدما كان قائدًا وكاتبًا ومنتجًا، انحصر الآن في مطالبه الشخصيّة بمنأى عن الإطار العام. وهو أمر ممنهج منذ سنوات.

 

ما أثر غياب هذا الصوت في المعلّم بذاته، وفي العمليّة التعليميّة كاملة؟

أشارت أ. صفير إلى أنّ تهميش صوت المعلّم، تهميش لتطوير المنهاج نفسه. كما إنّ المعلّم الذي يجد اعتبارًا لرأيه وصوته، معلّم متعب نفسيًّا وجسديًّا، الأمر الذي يؤثّر في الطالب داخل الصفّ.

عندما يطبّق المعلّم منهاجًا أو طريقة غير مقتنع بها، إرضاءً للآخرين. يغيب عنه الحماس، في وقت يحتاج الطلّاب في يومنا هذا إلى الكثير من الأنشطة التي تجذبهم، الأمر الذي يحتاج إلى دافعيّة داخليّة وحماس من المعلّم، واللذين لا يمكن أن يكونا موجودين طالما صوته غير مسموع ولا يشعر بأنّ له قيمة وتقديرًا مادّيًّا أو معنويًّا. الطالب داخل الصفّ أكثر من يدفع ثمن غياب صوت المعلّم ويتأثّر فيه.

تحدّثت أ. غانم عن مصطلح الاغتراب المهنيّ، وهو لا يعني عدم وجود المعلّم أو قلّة كفاءته، لكنّ روحه تنفصل عن عمله؛ لأنّه يشعر أن صوته لا يحدث فرقًا؛ فيصبح المعلّم مغتربًا عن عمله وهو داخل العمل. وكثيرًا ما أسمع من زملاء جملة " أنا جاي بس أدرّس"، وبالفعل يكون مخلصًا في عمله ولكنّه يمارس نوعًا من الصمت الوقائيّ، ما يولّد لديه لاحقًا ما يعرف بالاحتراق الوظيفيّ، لأنّه دائمًا يشعر بالكبت وعدم القدرة على التعبير.

 

كيف يستعيد المعلّم بذاته صوته المهنيّ؟ ويشعر بقيمته الاجتماعيّة والاقتصاديّة؟

كرّر د. حمدي إشارته إلى ضرورة الانخراط في التكوين المهنيّ المستمرّ للتطوّر ومسايرة التطوّرات الاجتماعيّة، لتجنّب الانهاك المهنيّ والاحتراق الوظيفيّ. فقد يكون أحد أهمّ الصعوبات التي يواجهها المعلّم، إدارة الصفّ. وعليه البحث في الممارسات الفضلى لتطبيق الإدارة الصفّيّة الناجحة، الأمر الذي يخفّف من الاحتراق الوظيفيّ. من غير أن ننسى التشويش الذي بيّنت البحوث أنّه من أكثر المشاكل التي تقلق المعلّمين، وكذلك حفظ النظام والتأديب.

على المعلّم أيضًا أن يجد أساليب للتعامل مع القلق والتحكّم بالانفعالات، هذا كلّه من خلال التكوين المستمرّ، لتجنب الانهاك المهنيّ، ولضمان التطوّر ورفع صوت المعلّم؛ فالمعلّم الذي يعيش أوضاعًا طبيعيًّا مشجعة على العمل، يكون منتجًا وييسر تعلّم التلاميذ. ويبقى دعم المعلّم استثمارًا استراتيجيًّا، وهذا ما تلتقي فيه المنظّمات التي تعنى بالتعليم مثل اليونسكو واليونيسف والبنك الدوليّ.

من ناحيتها قالت أ. غانم إنّ علينا العودة إلى حقوق الإنسان، والاعتراف بحقوق المعلّم بصفته إنسانًا، وبعدها تمكن استعادة الصوت المهنيّ للمعلّم. ففي فلسطين على سبيل المثال، طالب المعلّمون بحقوقهم بمهنيّة، وحاولوا وطوّروا من أنفسهم بالتدريب، ومع ذلك كلّه لم تكن هناك استجابة إلى صوتهم.

تؤمن أ. فاتوني أنّ قيمة المرء في إحسانه. ففي أيّ مهنة يمارسها الانسان إذا كانت لديه صفة الإحسان وتعمل لفكرة أو هدف محدّد، سيصل صوته في النهاية؛ فلكلّ مجتهد نصيب. أمّا من الجانب الاقتصاديّ، فالمطالب الماليّة للمعلّم الفلسطينيّ اليوم في ظلّ الظروف الاقتصاديّة التي نمرّ فيها، تشبه مطالب الفلسطينيّين في الأراضي المحتلّة في سنة 1948. وعلى الصعيد الاجتماعيّ، على المعلّم أن يتخلّص من مقارنة نفسه بالأستاذ قبل 20 سنة، لأنّ الزمن تغيّر والمنظومة كلّها اختلفت.

خيار المعلّم الآن أن يطوّر من مهاراته، وأن يترك المهنة إن لم يكن يحبّها. فالخيارات مفتوحة أمامه وبدخول مادّيّة أفضل. وختمت كلامها تكفيني قيمتي عند طلّابي وأولادي ومن يعرفون قيمتي، وما دون ذلك غير مهمّ بالنسبة إليّ.

أكّدت أ. صفير على ضرورة انضمام المعلّم إلى فريق، وعدم انزوائه بشكل فرديّ، حتّى في ظلّ عدم وجود نقابات أو قوانين تحمي صوته. لكن على الأقلّ، الأفضل أن يكون ضمن فريق يسعى لإيصال صوته داخل المؤسّسة. كما أشارت إلى أن يفتح المعلّم مجالًا لنفسه للبحث عن مؤسّسة تعكس أفكاره وتسمع رأيه، حتّى لو كانت المؤسّسة التي يعمل فيها لا تعكس توقّعاته.

بينما أشار أ. الأمير إلى أنّ الوضع الاقتصاديّ يحكم، فالمعلّم في لبنان على سبيل المثال يُضرب عن العمل في القطاع الحكوميّ، لكنّه لا يمكن أن يضرب في القطاع الخاصّ، وهذا يعود إلى الأوضاع الاقتصاديّة، ما يؤثّر في قراراته المهنيّة.

 

أسئلة الجمهور

كيف نعلّم المتعلّمين تحصيل الحقوق إذا لم نكن قدوة؟

أكّد د. حمدي على أنّ المعلّم القدوة لتلاميذه يتماهون مع ما هو عليه، لذلك عليه أن يعلّمهم تحصيل الحقوق بطريقة حضاريّة وتربويّة، وبالكثير من الحبّ، والكثير من الإحاطة، ونعلّمهم الفكر النقديّ تجاه محيطهم.

 

هل يُنتج الطالب في بيئة غير آمنة؟

أجابت أ. فاتوني أنّه لا يمكن للطالب أن ينتج في بيئة غير آمنة. أحزن كثيرًا عندما نطلب من الطالب الرسم عن فصل الربيع وليست في جانبه مساحة خضراء يكتشف فيها الربيع. فنحن للأسف لا نمتلك مساحات لاحترام عقل الطفل وتدعم تطوّره، ولا نتملك مساحات حرّة، وهذه ظروف لا تحفّز الطالب على الإنتاج والإبداع.

 

ماذا المقصود بأنّ الصوت المهنيّ مرتبط بالمنتج؟

قال أ. حمدي أنّه يقصد بذلك أنّ الصوت المهنيّ مرتبط بجودة أداء الممارسة التعليميّة مع الحفاظ على أخلاقيّات المهنة، وهو السبيل الوحيد لانتزاع الاعتراف الاجتماعيّ بالمهنة. وهذا الذي يضمن علو صوت المعلّم. فهو مثل الطبيب والمهندس وغيرهما من المهن التي يجب على من يمتهنها الالتزام بالجودة ليتمّ الاعتراف به اجتماعيًّا.

 

وختم أ. يسري بالتأكيد على أنّه إذا كانت الأصوات غير مسموعة في المجتمعات، فعلى الناس أن ترفع أصواتها، فمسؤوليّة أيّ إنسان أن يرفع صوته بذاته أوّلًا. وشكر المُشاركات والمُشاركين على مداخلاتهم المهمّة، والجمهور على تفاعله واستفساره.