ندوة: عافية ورفاه واستعداد: ماذا يفعل المعلّم في إجازة الصيف؟
ندوة: عافية ورفاه واستعداد: ماذا يفعل المعلّم في إجازة الصيف؟

عقدت منهجيّات ندوتها لشهر حزيران/ يوليو 2026، بعنوان "عافية ورفاه واستعداد: ماذا يفعل المعلّم في إجازة الصيف؟"
وركّزت على محاور مختلفة، هي: 
1.    استعادة عافية المعلّم.
2.    الإجازة بوصفها مساحة نموّ مهنيّ وشخصيّ.
3.    الاستعداد لعامٍ جديد بتوازن أكبر.

استضافت الندوة مجموعة من المتحدّثين، هم: أ. زهرة الشكيلي، معلّمة فيزياء- سلطنة عُمان؛ أ. روزين رزق، معلّمة ومنسّقة لمادّة اللغة العربيّة- من لبنان/ قطر ؛ أ. أسماء حسين الفقهاء، معلّمة أطفال تمهيديّ- فلسطين؛ ميس قواس منسّقة مادّة الأحياء لصفوف التاسع إلى الثاني عشر في مدرسة الأهليّة والمطران، ومعلّمة أحياء في برنامج البكالوريا الدوليّة( ،(وIBDPمديرة نموذج الأمم المتحدّة (MUN Director) الأردن.
أدارت الندوة ؛ أ. مرام عبد العزيز غانم، معلّمة صفّ في برنامج السنوات الابتدائيّة - الأردن/قطر .استهلّت أ. غانم الندوة بالتعريف بمنهجيّات مجلّة تربويّة إلكترونيّة دوريّة، موجّهة لكلّ العاملين في القطاع التربويّ في السياق المجتمعيّ. تعمل المجلّة على نشر المساهمات العربيّة والعالميّة المثرية والملهمة دوريًّا، وبأشكال تعبير مختلفة ووسائط متعدّدة، وتتابع المستجدّات في الحقل، وتشجّع الحوار الذي يثري التجربة التربويّة في العالم العربيّ، ويجعل منها مصدرًا إنسانيًّا ومعرفيًّا قيّمًا للأفراد والمؤسّسات. ودعا جمهور الندوة إلى متابعتها والمُشاركة في أقسامها.


المحور الأوّل: استعادة عافية المعلّم

كيف تؤثّر الضغوط المتراكمة خلال العام الدراسي في الصحّة النفسيّة والجسديّة للمعلّم؟ 

أجابت الأستاذة أسماء الفقهاء معتمدة على تجربتها في تدريس مرحلة رياض الأطفال، موضحة أنّ هذه المرحلة تُعدّ مرحلة تأسيسيّة تبني شخصيّة الطفل. وهي لا تقتصر على التعليم فقط، بل تمتدّ لتشمل بناء الطفل من مختلف الجوانب. وأشارت إلى أنّ معلّم رياض الأطفال لا يؤدّي دور المعلّم فقط، بل يتحوّل إلى مصدر أمان واحتواء يشبه دور الأمّ والأب والأخ، إضافة إلى كونه داعمًا نفسيًّا واجتماعيًّا للأطفال.
وبيّنت أنّ طبيعة هذه المرحلة العمريّة تتطلّب طاقة عالية، واحتواءً مستمرًّا لشخصيّات مختلفة من الأطفال، من شديدي الحركة إلى الهادئين وغيرهم. إضافة إلى التعامل مع الأطفال الذين يمرّون بمشاعر بسيطة لكنّها مؤثّرة بالنسبة إليهم، مثل الحزن بسبب موقف عائليّ بسيط. وأضافت أنّ المعلّم في هذه المرحلة يكون في حالة نشاط وحركة مستمرّة طوال اليوم، ما يؤدّي إلى استنزاف كبير في الطاقة مع نهاية العام الدراسيّ.
وأكّدت أنّ الإجازة الصيفيّة ضروريّة لاستعادة العافية وإعادة شحن الطاقة، مشيرة إلى أنّ غياب هذه المساحة قد يؤدّي إلى إرهاق شديد لدى المعلّم. كما تطرّقت إلى تجربة شخصيّة خلال سنوات الحرب والضغوط في فلسطين، حيث انعكست الظروف السياسيّة والأمنيّة بشكل مباشر على الحياة اليوميّة والتعليم، ما زاد من الضغط النفسيّ على المعلّمين والأطفال على حدّ سواء، وجعل الحاجة إلى التعافي أكثر إلحاحًا.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أنّ هذا الضغط المتراكم لا يرتبط فقط بطبيعة العمل، بل أيضًا بظروف خارجيّة إضافيّة، وأن المعلّم بحاجة فعليّة إلى الإجازة مساحةً ضروريّة لاستعادة التوازن.

ما دور الرفاه النفسيّ والاجتماعيّ للمعلّم خلال العام الدراسيّ في تسريع استعادة العافية، ورفع جودة الأداء المهنيّ، وتعزيز علاقته بالطلبة؟ وهل يمتدّ هذا الأثر إلى فترة الإجازة الصيفيّة أم ينقطع خلالها؟

أجابت أ. ميس قوّاس بأنّ رفاه المعلّم النفسيّ والاجتماعيّ يُعدّ أساس العمليّة التعليميّة. وأن شعور المعلّم بالراحة والدعم داخل بيئة إيجابيّة ينعكس مباشرة على أدائه داخل الصفّ، وعلاقته بالطلبة. وأضافت أنّ الطالب يتأثّر ليس فقط بالمادّة العلميّة، بل بالطاقة التي ينقلها المعلّم داخل الصفّ.
وأشارت إلى أن أثر رفاه المعلّم لا يتوقف مع بداية الإجازة، بل يمتدّ خلال الصيف، خصوصًا في سياقات تعليميّة معيّنة. وشرحت أنّ الطلبة في الصفّ الحادي عشر يستمرّ عملهم خلال الصيف بكتابة التقارير العلميّة والمشاريع البحثيّة التي تشكّل جزءًا مهمًا من تقييمهم النهائيّ في مادّة العلوم.
كما أشارت إلى استمرار بعض المهام المتعلّقة بالطلبة والمشاريع والمؤتمرات مثل نموذج الأمم المتّحدة، والذي يتطلّب تحضيرًا ممتدًّا خلال الصيف في اجتماعات وعمل مستمرّ. وبيّنت أنّ هذا الاستمرار في العمل خلال الصيف يرتبط أيضًا بالشغف المهنيّ، معتبرة أنّ حبّ المهنة يجعل المعلّم مستمرًّا في العطاء حتّى خارج العام الدراسيّ.

بعد عام دراسيّ طويل، كيف يستعيد المعلّم عافيته؟

انتقلت أ. غانم بعد ذلك إلى أ. روزين رزق، متسائلة حول فكرة التعافي بوصفه عمليّة تدريجيّة بعد عام دراسيّ طويل، وكيف يمكن للمعلّم أن يستعيد عافيته فعلًا من منظور تربويّ وإنسانيّ؟
أجابت أ. رزق بأنّ التعافي ليس أمرًا لحظيًّا أو سهلًا، بل إنّ استعادة العافية عمليّة تدريجيّة بعد عام دراسيّ طويل. وأضافت أنّ الإجازة الصيفيّة ليست رفاهية، بل ضرورة مهنيّة وشخصيّة تساعد المعلّم على استعادة طاقته استعدادًا لعام دراسيّ جديد.
وأشارت إلى أنّ المجتمع غالبًا ما يظن أنّ المعلّمين يحصلون على شهرين من الراحة الكاملة. في حين أنّ هذه الفترة بالنسبة إلى المعلّمين ليست فصلًا عن العمل، بقدر ما هي مساحة ضروريّة لإعادة التوازن، مؤكّدة أنّ المعلّمين ينتظرون هذه الإجازة كما ينتظرها الطلبة تمامًا.
كما شدّدت على أهمّيّة الاهتمام بالمعلّم من الناحية العاطفيّة والنفسيّة، تمامًا كما يتمّ الاهتمام برفاه الطلبة، معتبرة أنّ رفاه المعلّم أساس العمليّة التعليميّة. وأنّ العلاقة بين رفاه المعلّم وجودة التعليم علاقة مترابطة. وعبّرت عن ذلك بقولها "المعلّم السعيد يصنع صفًّا سعيدًا"، في إشارة إلى أنّ الحالة النفسيّة للمعلّم تنعكس مباشرة على بيئة التعلّم داخل الصفّ.
وانتقلت بعد ذلك إلى الحديث على خطوات استعادة العافية، مشيرة إلى أهمّيّة الفصل الحقيقيّ بين الدور المهنيّ والحياة الشخصيّة بعد انتهاء العام الدراسيّ، بحيث يتمكّن المعلّم من الابتعاد مؤقّتًا عن التحضير والتخطيط والاجتماعات، من دون الشعور بالذنب، معتبرة أنّ هذا الفصل حقّ أساسيّ للمعلّم.
وتحدّثت كذلك على أهمّيّة استعادة التوازن الجسديّ، موضّحة أنّ طبيعة العمل خلال العام الدراسيّ تجعل المعلّم في حالة من الانشغال المستمرّ، ما يؤدي إلى عشوائيّة في العادات الغذائيّة على سبيل المثال. وبالتالي فإنّ الإجازة تشكّل فرصة لإعادة تنظيم نمط الحياة الصحّيّ، والانتباه إلى التغذية.
كما أكّدت على ضرورة الاهتمام بالصحّة النفسيّة، بنسيان الضغوطات والتحدّيات التي مرّ فيها المعلّم خلال العام، والتركيز على الإنجازات بدلاً من الإخفاقات، مع تخصيص وقت للتأمّل والهدوء.
وأشارت أيضًا إلى أهمّيّة العودة إلى الهوايات التي قد يهملها المعلّم خلال العام الدراسيّ بسبب ضغط العمل، مثل الطبخ والزراعة والفنون، أو أيّ نشاط إبداعيّ آخر، إضافة إلى إمكانيّة استكشاف هوايات جديدة. كما شدّدت على أهمّيّة قضاء وقت نوعيّ مع العائلة والأصدقاء، معتبرة أنّ الإجازة فرصة لبناء ذكريات اجتماعيّة إيجابيّة.
واختتمت إجابتها بالإشارة إلى أهمّيّة استثمار الإجازة في مراجعة العام الدراسيّ بطريقة تأمّليّة، بتقييم ما تمّ إنجازه، والتفكير في التحدّيات، وتحديد ما يجب الاستمرار به أو التوقّف عنه، بما يشبه مراجعة شخصيّة منظّمة للتجربة المهنيّة.
حدّثينا عن تجربتك مع نهاية العام الدراسيّ وبداية الإجازة الصيفيّة: كيف تبدئين رحلة استعادة عافيتك وتوازنك بعيدًا عن ضغوط المدرسة، وما مدى إسهام التأمّل في هذه المرحلة في دعم الاسترخاء وتجديد الطاقة؟
قدّمت الأستاذة زهرة الشكيلي مداخلة تناولت فيها تجربتها الشخصيّة مع نهاية العام الدراسيّ وبداية الإجازة الصيفيّة، متحدّثة عن كيفيّة استعادة التوازن والعافية بعيدًا عن ضغوط العمل المدرسيّ، ودور التأمّل في هذه المرحلة.
استهلّت حديثها بالإشارة إلى أنّ العام الدراسيّ يمتدّ ما بين ثمانية إلى تسعة أشهر من الضغط المتواصل، موضحة أنّ طبيعة عملها تشمل تدريس عدّة صفوف، يتراوح عدد الطلبة في كلّ صفّ ما بين 38 إلى 43 طالبًا، وهو ما يجعل الصفوف مكتظّة بالطلبة ومتطلّباتهم المختلفة.
وأوضحت أنّ هذا الازدحام لا يقتصر على الحضور داخل الصفّ فقط، بل يمتدّ إلى العمل المنزليّ، حيث تقوم بإعداد الأنشطة للطلبة ومتابعتها بشكل مستمرّ، إضافة إلى إعادة تطوير الدروس وتحديثها بما يتناسب مع احتياجات الطلبة.
كما أشارت إلى أنّ هذا الجهد يتضاعف مع وجود التزامات إضافيّة، ولا سيّما للمعلّمين ذوي الخبرة، حيث يُستعان بهم في مهام متعدّدة داخل المدرسة، إلى جانب مبادرتهم المستمرّة لتقديم الدعم في أيّ عمل جديد يُطلب إليهم.
وبيّنت أنّ هذا النمط من العمل يؤدّي إلى انشغال كبير خلال العام الدراسيّ، بحيث يصبح الوقت المخصّص للعائلة محدودًا جدًّا، مشيرة إلى أنّ اللقاءات العائليّة غالبًا ما تكون مساحة لتفريغ الطاقة واكتساب طاقة إيجابيّة، لكنّها لا تكون متاحة بشكل كافٍ بسبب ضغط العمل المستمرّ.
وأكّدت أنّها تحتاج إلى استعادة عافيتها خلال الإجازة الصيفيّة حتّى تتمكّن من بدء عام دراسيّ جديد بطاقة أفضل، موضحة أنّ بداية شعورها بالتعافي يظهر بخطوات بسيطة، مثل ترتيب المكتب المدرسيّ، والتخلّص من الأوراق غير الضروريّة، وهو ما يمنحها شعورًا بانتهاء مرحلة وبداية أخرى.
كما تحدّثت على طقوسها الشخصيّة في بداية الإجازة، مثل ترتيب خزانتها وغرفتها، والاستيقاظ بهدوء في الصباح، معتبرة أنّ هذه الممارسات تمنحها إحساسًا عميقًا بالراحة، وكأنّها تأخذ نفسًا جديدًا يعيد لها توازنها الداخليّ.
وأشارت إلى أنّ هذه المرحلة تسمح لها بإعادة التخطيط للحياة الشخصيّة والاجتماعيّة، مثل زيارة الأهل، واللقاء بالأصدقاء، وتنظيم الرحلات والأنشطة العائليّة، إضافة إلى ممارسة الهوايات المؤجّلة، مثل القراءة أو تطوير اللغة الإنجليزيّة أو السفر.
وأضافت أنّ هذه العودة التدريجيّة إلى الذات والهوايات تجعل المعلّم يدخل في حالة من الهدوء النفسيّ، وكأنّ هناك تحوّلًا داخليًّا واضحًا بعد انتهاء العام الدراسيّ، بحيث تبدأ ملامح الراحة بالظهور بشكل طبيعيّ.

وأوضحت أنّ هذه الطريقة في استعادة العافية تطوّرت لديها مع الخبرة، مشيرة إلى أنّها في بداياتها المهنيّة كانت تشعر بالإحباط في نهاية العام الدراسيّ، وتقارن نفسها بزميلاتها الأكثر خبرة، ما كان يدفعها إلى الاستمرار في العمل حتّى خلال الإجازة من أجل تطوير ذاتها.
كما تحدّثت عن تغيّر علاقتها بوسائل التواصل الاجتماعيّ، حيث أصبحت أكثر وعيًا في التعامل معها وعدم الانشغال بما يشتّت تركيزها خلال فترة التعافي. وأضافت أنّها في بعض الفترات كانت لا تستطيع الاستفادة من الإجازة بشكل كامل إلّا بعد الاطّلاع على المناهج المستقبليّة، والاستعداد لها مسبقًا، كما حدث عند استعدادها لتدريس منهج الصفّ الثاني عشر، حيث منحها ذلك الاستعداد شعورًا بالأمان والثقة قبل بداية العام الدراسيّ الجديد. واختتمت حديثها بالإشارة إلى أنّ لحظة الشعور الحقيقيّ ببداية التعافي كانت عندما انتهت من تجهيز المنهج والموادّ التعليميّة بشكل كامل، ما سمح لها بالدخول في الإجازة بحالة من الهدوء والاسترخاء.
وفي تعليق لاحق، أشارت أ. غانم إلى نقطة إنسانيّة مشتركة، وهي أنّ أوّل شعور بالعافية لدى البعض يبدأ من رؤية الأهل بصحّة جيّدة، خصوصًا لدى من يعيشون في الغربة، معتبرة ذلك شكلًا أوّليًّا من استعادة التوازن والطمأنينة.

 

المحور الثاني: الإجازة بوصفها مساحة للنموّ المهني والشخصيّ 

بما أنّ المعلّم يعتاد على إيقاع العمل اليوميّ، وقد يشكّل الانقطاع عنه تحدّيًا لدى البعض، كيف تمكن قراءة الإجازة بوصفها مساحة للنموّ وإعادة التوازن، لا مجرّد توقّف عن الممارسة المهنيّة؟

بدأت الأستاذة أ. الفقهاء مداخلتها بالتأكيد على ما طرحته زميلاتها، موضّحة أنّ المعلّم يحتاج في بداية الإجازة إلى فترة فصل حقيقيّة بسبب الإرهاق الكبير الذي يرافق نهاية العام الدراسيّ، وغالبًا ما تمتدّ هذه الفترة لأسابيع يشعر فيها المعلّم بالحاجة إلى التوقّف الكامل عن التفكير بالعمل.
وأشارت إلى أنّ هذه المرحلة في سياق عملها في رياض الأطفال في فلسطين تترافق مع تغيّرات مهمّة، من أبرزها تطبيق المنهاج الجديد لرياض الأطفال، والذي يتضمّن أربعة كتب ووحدات تعليميّة تحتاج إلى دراسة معمّقة وتخطيط جديد، مع تركيز أكبر على بناء شخصيّة الطفل من الجوانب الاجتماعيّة والنفسيّة والتعبيريّة قبل الجانب الأكاديميّ.
وبيّنت أن هذه التغيّرات تتطلّب من المعلّم إعادة تأهيل نفسه مهنيًّا خلال الإجازة، من خلال قراءة المناهج الجديدة والتخطيط للعام الدراسيّ القادم، على رغم وجود فترة قصيرة من الإجازة الفعليّة قبل بدء تسليم الخطط في بداية شهر تمّوز.
وأضافت أنّ المعلّم، وعلى رغم محاولته الفصل عن العمل، إلّا أنّه لا ينقطع عنه تمامًا، إذ يتابع الأفكار والمقالات والموادّ التربويّة بشكل تلقائيّ، ويحتفظ بما يراه مفيدًا لتطوير ممارساته، مشيرة إلى أنّ هذا جزء من طبيعة المهنة.
كما تحدّثت عن أهمّيّة الدورات التدريبيّة خلال الإجازة، مشيرة إلى تجربتها في دورات مثل "المعلّم المحترف" ودورة الإيقاع والموسيقى، والتي انعكست إيجابًا على تفاعل الأطفال داخل الصفّ، من خلال توظيف الإيقاع في الأنشطة اليوميّة مثل تحيّة الصباح والحضور والغياب.
وأكّدت أنّ الإجازة تشكّل فرصة لتطوير الذات مهنيًّا بما يتناسب مع بيئة العمل واحتياجات الأطفال، إضافة إلى فرصة للتأمّل في نقاط القوة والضعف، وإعادة تقييم الممارسات التربويّة. وأشارت كذلك إلى أنّها تبدأ خلال الإجازة بإعداد الملفّات والخطط للعام الدراسيّ الجديد، بما في ذلك تنظيم البيئة الصفّيّة والتفكير في أساليب التعزيز المناسبة، إضافة إلى محاولة فهم طبيعة الطلبة الجدد قبل بداية العام الدراسيّ. واختتمت مداخلتها بالإشارة إلى أنّ المعلّم خلال العام الدراسيّ غالبًا ما ينشغل بشكل كبير عن حياته الاجتماعيّة والعائليّة، إلى درجة تراجع التواصل حتّى مع الأقارب، ما يجعل الإجازة فرصة لإعادة بناء هذا الجانب من الحياة.
كيف يمكن للإجازة أن تغيّر نظرة المعلّم إلى ذاته خارج دوره المهنيّ، وما أثر ذلك في حضوره داخل الصف عند العودة؟
أجابت أ. ميس قواس بأنّ الإجازة تذكّر المعلّم بأنه ليس فقط معلّمًا، بل إنسان له حياة واهتمامات وأدوار متعدّدة، غالبًا ما تُهمَل خلال العام الدراسيّ بسبب كثرة المسؤوليّات. وأوضحت أنّ الإجازة تمثّل فرصة لإعادة التوازن، ولا سيّما في ما يتعلّق بقضاء الوقت مع العائلة، والسفر والاهتمام بالصحّة والنشاط الرياضيّ، إضافة إلى ممارسة الأعمال التطوعيّة، مشيرة إلى تجربتها في تأسيس جمعيّة الرحمة لإنقاذ الحيوان في الأردن، والتي توفّر لها مساحة مختلفة من العطاء الإنسانيّ خارج إطار التعليم.
وأضافت أنّ هذا النوع من الأنشطة يمنحها راحة نفسيّة، ويساعدها على الابتعاد عن ضغوط العمل المدرسيّ، كما أكّدت أنّ المعلّم يجب أن يبقى متعلّمًا دائمًا، وأنّ الإجازة توفّر فرصة مثاليّة لمواكبة التطوّرات العلميّة والتربويّة، خصوصًا في مجال تخصّصها في مادّة الأحياء. وأشارت إلى أهمّيّة الاطّلاع على الأبحاث العلميّة الجديدة، معتبرة أنّ الإجازة تمنح المعلّم وقتًا أوسع للتعلّم بعيدًا عن ضغط الوقت .وأكّدت أنّ هذا التوازن بين الراحة والتطوير المهنيّ ينعكس بشكل مباشر على أداء المعلّم داخل الصفّ، حيث يعود المعلّم بطاقة إيجابيّة أكبر وقدرة أفضل على التواصل مع الطلبة. وشدّدت على أنّ العناية بالنفس ليست أمرًا ثانويًّا، بل جزء أساسيّ من استمراريّة العطاء المهنيّ على المدى الطويل.
في ظلّ التوازن بين قضاء الوقت مع العائلة والاستمتاع بالإجازة الصيفيّة، كيف تتمكّنين من إيجاد مساحة خاصّة للتطوير المهنيّ خلال هذه الفترة؟ وكيف تصنعين هذا التوازن؟
أجابت أ. رزق بأنّ المعلّم خلال العام الدراسيّ غالبًا ما يضطر إلى تقديم العمل على العائلة، ما يؤدّي إلى خلل في التوازن. وبالتالي تأتي الإجازة فرصةً لتعويض هذا النقص. وأوضحت أنّ التطوير المهنيّ خلال الإجازة يختلف عنه خلال العام الدراسيّ، إذ يكون المعلّم في الإجازة حرًّا في اختيار الدورات والورش والتوقيت والموضوع، ما يجعل التجربة أكثر راحة ومتعة، مقارنة بالورش الإلزاميّة خلال العام.
وأضافت أنّ هذا الاختيار الحرّ يشبه الذهاب إلى فيلم سينمائيّ يختار الشخص مشاهدته بنفسه في السينما، بدلًا من متابعة شيء مفروض عليه بالتلفزيون، ما يجعل التعلّم أكثر متعة وتأثيرًا. كما أشارت إلى إمكانيّة استثمار الأوقات الصغيرة خلال اليوم في القراءة أو متابعة المحتوى التربويّ أو البودكاست، بما يسهم في تطوير المعلّم بشكل تدريجيّ ومستمرّ من دون ضغط. وأكّدت أنّ التوازن بين العائلة والتطوير المهنيّ لا يعني المساواة الدقيقة في الوقت، بل وجود جرعات صغيرة مستمرّة من التعلّم، إلى جانب وقت نوعيّ للعائلة. واختتمت إجابتها بالتأكيد على أنّ التطوير المهنيّ خلال الإجازة يجب أن يكون نابعًا من اختيار شخصيّ وحريّة كاملة، ما يجعل أثره أعمق وأكثر استدامة.
كيف يمكن للتجارب الشخصية خلال الإجازة الصيفية مثل القراءة، السفر، العزلة، والتأمّل أن تسهم في تطوير المعلّم مهنيًّا، وإعادة تشكيل شخصيّته بشكل غير مباشر؟
بالنسبة إليّ، أوّل ما أبدأ به هو السفر. عندما نذهب إلى أيّ مكان، لا أستطيع أبدًا أن أفصل نفسي عن مهنتي: انتهت السنة الدراسيّة، والآن أنا في إجازة صيفيّة وأنسى أنّني معلّمة. فالمهنة وأحداثها وطلبتنا وزملاؤنا تبقى دائمًا حاضرة في الذهن.

في كلّ ما نراه تقريبًا، نبدأ مباشرة بالربط؛ هذا المشهد يمكن أن أستفيد منه مع زميلاتي في النقاش، أو يمكن أن نطبّقه مع طالباتنا. خصوصًا في الوقت الحاليّ، أصبحت المدارس أكثر تجدّدًا، وتبحث دائمًا عن إضافات جديدة، ويصبح بيننا نوع من التنافس الشريف: من سيأتي هذا العام بالفكرة الأحدث؟ 

فنحن أثناء السفر، بشكل لا شعوريّ، يكون ذهننا في حالة بحث دائم عن فكرة جديدة: ماذا يمكن أن أضيف إلى مدرستي؟ أذكر أنّه في السابق كنت في زيارة إلى السعودية، ورأيت هناك أنّ طلبة الكشافة يُوظّفون في فصل الصيف في خدمة المعتمرين. كانت فكرة جميلة جدًّا، لأنّنا أصلًا اليوم نتّجه نحو رؤية عُمان 2040، التي تهدف إلى بناء جيل قادر على خدمة المجتمع، لا مجرّد طالب منغلق داخل الكتب والأوراق، يفرّغ ما تعلّمه في ورقة اختبار وينتهي الأمر.
أعجبتني الفكرة، وبدأت أفكر: كيف يمكن أن أوظفها مع طالبات إناث وليسوا ذكورًا؟ وفي مرّة أخرى، كانت إحدى زميلاتي في سفر إلى سوريا، فكانت تلاحظ وتصوّر أفكارًا مختلفة، ومع كلّ فكرة كنّا نناقشها ونبني عليها، حتّى نؤسّس لفكرة قابلة للتطبيق في مدرستنا. أذكر أنّها صوّرت أعمال الطلّاب الفنيّة المعروضة في شوارع المدينة وعلى أسوارها، وكان شيئًا مدهشًا وجميلًا جدًّا. وتخيّلت نفسي طالبةً، والأستاذ يثق بي ويكلّفني بتنفيذ عمل على سور المدينة؛ هذا بحدّ ذاته ثقة كبيرة، ويعزّز مواهب الطلبة بشكل واضح.
أما بالنسبة إلى القراءة، فقديمًا كنّا نعتمد على الكتب. أمّا اليوم فأغلب القراءة أصبحت عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، أو الكتب الإلكترونيّة، وهي أيضًا تضيف إلينا وتفيدنا. وغالبًا عندما أطّلع على شيء في الصيف، أجد نفسي أفكّر: عند العودة لا لا بدّ أن أقدّم شيئًا جديدًا، وأحبّ أن أقدم إنماءً مهنيًّا لا أكون فيه مجرّد متلقٍّ، بل أمتلك فيه هويّة خاصة ومميزّة. وبدل أن أكرّر كلّ عام طريقة التدريس التقليديّة نفسها، أحاول أن أضيف تجديدًا حقيقيًّا.
أمّا العزلة والتأمّل، فأنا من الأشخاص الذين يحبّون جدًّا أن يكون لهم عالمهم الخاصّ؛ أراجع فيه نفسي، وأنظّم أموري، وأفكّر في المواقف التي حدثت: كيف أتعامل معها؟ كيف يمكن أن أطوّرها؟ وما الأخطاء التي تحتاج إلى تصحيح؟ هذه العزلة تمنحني تأمّلًا عميقًا وراحة نفسيّة كبيرة جدًّا.
عندما أعود من العام الدراسيّ، يبقى في ذهني دائمًا ما يمكن تطويره في السنة القادمة. لكن بعد هذا التأمّل، أعود بحالة من التجدّد، وأقول: بعد المراجعة وربط الخبرات، يمكن أن نطبق فكرة جديدة. وهذا لا ينعكس فقط عليّ، بل على زميلاتي أيضًا، ويجعل المدرسة دائمًا متقدّمة بخطوة من خلال تنفيذ أفكار جديدة ومبتكرة.
 

المحور الثالث: الاستعداد لعام جديد بتوازن أكبر

كيف يمكن للتخطيط القياديّ أن يوسّع مفهوم "الاستعداد" في السياق التربويّ، ليشمل إلى جانب الخطط والأدوات إعادة تشكيل رؤية المعلّم وحضوره داخل الصفّ؟

قالت أ. رزق إنّه عندما نعود من العطلة الصيفيّة نكون نحن أيضًا مثل الطلّاب: ففي الأسبوع الأوّل لا نرغب بالعودة، وفي الليلة الأولى لا ننام، ونتساءل كيف سنعود إلى الدوام؟
يكون الأسبوع الأوّل والأسبوع الثاني من المدرسة، ولا سيّما في المدارس الدوليّة التي تتعامل مع جنسيّات مختلفة، مخصّصين تقريبًا للتخطيط والإرشاد والتوجيه. وفي الأسبوع الأوّل خاصّة، يجب أن يكون البرنامج خفيفًا؛ فنحن عائدون من عطلة صيفيّة. لا نريد أن نضغط على المعلّمين منذ بداية العام، ولكن في الوقت نفسه يجب أن تكون البداية قويّة. لا نريد أن ندخل المدرسة، وأنا أتحدّث هنا بوصفنا فريق قياديّ، وكأنّنا نتعثّر. فإذا تعثّرنا في بداية العام سنظلّ نتعثّر طواله، لذلك يجب أن تكون خطواتنا ثابتة منذ بداية العام الدراسيّ. لذلك يجب أن يكون الجدول خفيفًا، ولكن في الوقت ذاته مدروسًا. في الأسبوع الأوّل أيضًا ينضم إلينا أفراد جدد من الكادر، وهؤلاء لا يعرفون المدرسة ولا نظامها ولا سياساتها، وأحيانًا يكونون جددًا على البلد أيضًا، ولذلك هم بحاجة إلى وقت للتعرّف إلى هذه الأنظمة الموجودة في المدرسة، وهذا يكون جزءًا من الجدول.
وفي الأسبوع الثاني ينضم إلينا الكادر الذي كان موجودًا سابقًا، فتكون المدرسة قد اكتمل كادرها بالكامل. وهنا يكون الدور القياديّ، كما ذكرت، هو الدعم والتوجيه والإرشاد والمساعدة في التخطيط. وأوّل ما يجب علينا القيام به، خصوصًا مع وجود كادر جديد، هو توحيد أولويّات المدرسة. وأكدّت أ. رزق: على ضرورة أن يكون لدى الفريق كلّه فهم مشترك لأولويّات المدرسة. كما يجب أن يكون لديه فهم لرؤية المدرسة ورسالتها، وما الأهداف التي وضعتها لهذا العام الدراسيّ؟ وما الورش وبرامج التطوير المهنيّ التي سيعملون عليها؟
كذلك، نحن كمدرسة نعمل مع بداية العام الدراسيّ على وضع أهدافنا، فيكون لدينا هدف للفريق، وهدف للمدرسة، وهدف شخصيّ، ونعمل جميعًا على هذه الأهداف. كما ننظّم أنشطة ترفيهيّة في بداية العام الدراسيّ وبناء فرق العمل حتّى يتعرّف الأفراد إلى بعضهم بعضًا ويكسروا الحواجز، ولا سيّما أفراد الفريق الجدد. فالهدف ليس فقط أن نخطّط ونوزّع الجداول ونوضّح لكلّ معلّم مهامه في بداية العام الدراسيّ، بل أن يكون هناك أيضًا تفكير استراتيجيّ. نريد أن تكون الرؤية موحّدة، وأن نتأكّد من أنّ الأهداف واضحة للجميع، وألّا يكون الأمر مقتصرًا على الاستعداد لبداية العام الدراسيّ، بل أن نتأكّد من أنّ الجميع يمتلك فهمًا واضحًا ومشتركًا لرؤية المدرسة، وأنّ لدينا ثقافة موحّدة وأهدافًا واضحة، حتّى نتمكّن من الاستمرار في التطوّر والتعلّم خلال العام الدراسيّ.
وهذا لا يعني أنّنا لن نواجه تحدّيات أو مشكلات خلال العام الدراسيّ، ولكن عندما نكون جميعًا منذ البداية متّفقين على أهداف واضحة ونتحدّث اللغة نفسها، فإنّ ذلك سيساعد المعلّم ليس فقط في التخطيط لدروسه، بل أيضًا في كيفيّة مواجهة التحدّيات خلال العام الدراسيّ. انطلاقة المعلّم تكون أقوى عندما يكون مرتاحًا نفسيًّا ويعرف ما ينتظره. ومن هنا تأتي أهمّيّة الأسبوع التحضيريّ أو الأسبوعين اللذين يسبقان حضور الطلّاب، فهما يساعدان المعلّم على الاندماج أكثر والتكيّف مع البيئة الجديدة أو مع الفريق الجديد الذي أصبح جزءًا منه، والتعرّف إليه.
كيف يمكن أن يسهم إنهاء العام الدراسيّ بصورة إيجابيّة، بحيث يكون الطلبة سعداء ومستعدّين للإجازة، في تعزيز تعافي المعلّم وبناء استعداد أفضل للعام الدراسيّ القادم؟
قالت أ. قواس إن إنهاء العام الدراسيّ بصورة إيجابيّة أمر مهمّ جدًا؛ لأنّه عندما ينتهي العام الدراسيّ والطلّاب سعداء ومرتاحون، ويشعرون أنّهم أنجزوا وتعلّموا واستفادوا، فإنّ هذا الشعور يصل بالتأكيد إلى المعلّم أيضًا. وفي الوقت نفسه،
فنحن، المعلّمين، نستثمر الكثير من الوقت والجهد والطاقة طوال العام. وعندما أرى الطلّاب سعداء وفخورين بإنجازاتهم، خصوصًا أنّنا نتحدّث على فئة عمريّة عملت كثيرًا في الصفّ الحادي عشر، ولا يزال أمامها الكثير من العمل في الصفّ الثاني عشر، أشعر أنّ هذا التعب كان له معنى حقيقيّ.
أما بالنسبة إلى المعلّم، فلكي يدخل العطلة الصيفيّة مرتاحًا، من المهمّ جدًّا ألّا يكون هناك شيء معلّق أو ناقص في الترتيبات. فعلى سبيل المثال، يكون شهر يونيو لدينا في المدرسة مقسّمًا بحيث تُعقد امتحانات نهاية العام خلال الأسبوعين الأوّلين، بينما يخصص الأسبوعان الأخيران لاستكمال الطلّاب المتطلّبات منهم، مثل الأعمال المخبريّة، والاجتماعات الفرديّة مع المعلّمين، وغيرها من الأمور المهمّة المتعلّقة ببرنامج البكالوريا الدوليّة.
كما يكون لدى الطلّاب قائمة بجميع مواعيد التسليم الخاصّة بالعام الدراسيّ القادم. وبالتالي، عندما يكون الطالب على دراية بما هو مطلوب منه، وتكون أموره مرتبة، ويعود إلى برنامجه الخاصّ، يستطيع تنظيم وقته خلال الصيف بصورة صحيحة. وهذا ما يحدث عندما ينتهي العام الدراسيّ بصورة إيجابيّة؛ إذ يكون الطالب سعيدًا ومرتاحًا وفخورًا بإنجازاته، وقد أنجز عملًا مهمًّا، ولا يبقى أمامه سوى بعض المهام الأخف التي يمكنه إنجازها خلال الصيف، حتّى يعود في شهر سبتمبر إلى عامه الأخير في المدرسة، وهو عام يتّسم عادة بكثير من الضغوط.
كذلك، فإنّ إنهاء العام الدراسيّ بصورة إيجابيّة يحمل أهمّيّة كبيرة بالنسبة إلى المعلّم أيضًا، من ناحية شعوره بالتقدير. فعندما يشعر المعلّم بأن إدارة المدرسة تقدّر جهوده، وأنّ طلّابه يقدّرون عمله، فإن ذلك يمنحه دافعًا كبيرًا. وعندما ينتهي العام الدراسيّ، والمعلّم سعيد ويشعر بالتقدير، فإنّ كثيرًا من التحدّيات تصبح أسهل في التعامل معها، ويصبح شعوره تجاه مهنته أجمل، ويشعر براحة أكبر، على رغم كلّ التغيّرات التي نشهدها في الأجيال الجديدة.
فبعد أربعٍ وعشرين سنة في مجال التعليم، أستطيع أن أرى بوضوح حجم التغيّر الذي طرأ على الأجيال الجديدة. ولا تظنّوا أنّ التواصل مع الطلّاب خلال العطلة الصيفيّة أمر سهل. ولهذا، إذا لم ننتهِ من العام الدراسّي بصورة إيجابيّة، فقد لا ينجز الطالب الأعمال التي ستساعده وتريحه في العام الذي يليه. أما إذا شعر الطالب بوجود تواصل إيجابيّ بينه وبين المعلّم، وكان الطرفان مرتاحين لهذا التواصل الذي سيستمرّ خلال العطلة، فإنّ ذلك يساعدنا جميعًا على العودة كلّ عام ونحن مستعدّون للبدء من جديد، وممتلئون بالطاقة والأمل عامًا بعد عام.

كيف تستعدّينِ بشكل شخصيّ لعام دراسيّ جديد يحقّق توازنًا بين الجوانب المهنيّة والإنسانيّة في ممارستك التعليميّة؟

أكّدت أ. الفقهاء على ما ذكرته سابقًا: من الجميل خلال العطلة الصيفيّة أن نعطي أنفسنا وقتًا للترفيه، ووقتًا لإعادة التوازن النفسيّ والجسديّ والفكريّ. وطبعًا، نبدأ الاستعداد في الشهر الأخير من العطلة. حيث أبدأ بالتجهيز والعمل، سواء على الوسائل أو البطاقات. وبما أنّنا نتعامل مع فئة رياض الأطفال، فإنّنا نحتاج إلى أشياء ترفيهيّة أكثر، وأشياء حركيّة أكثر، وأشياء تجذب الأطفال بصورة أكبر.
وفي روضتنا، يداوم المعلّمون قبل الطلّاب بأسبوعين. وهنا نبدأ الاستعداد وتجهيز الصفوف من حيث الوسائل، وأدوات الأطفال، وكلّ ما يتعلّق بهم. وفي بعض الأحيان، وقبل بداية كلّ عام، يكون لدينا برامج تفريغ للمعلّمين، أي أنشطة تفريغيّة ينظّمها المرشدون لدينا، كما يستضيفون مختصّين من خارج المؤسّسة لتقديم موضوعات تتعلّق بالتطوير المهنيّ، مثل كيفيّة استخدام الدراما بطريقة أكثر فاعليّة.
وكما ذُكر، فإنّ الأطفال الذين يأتون كلّ عام يختلفون فعلًا عن أطفال العام الذي سبقه، ونحن نلاحظ هذا الاختلاف في كلّ شيء، سواء من الناحية السلوكيّة أو النفسيّة أو الأكاديميّة أو الاجتماعيّة. وربّما يعود ذلك إلى هذا التطوّر التكنولوجيّ الكبير الذي نشهده. لذلك أصبحنا نحاول إدخال الذكاء الاصطناعيّ في التعليم، وهو أمر يجذب الأطفال كثيرًا، ولكن بطريقة مناسبة لأعمارهم. وأنا شخصيًّا من المعلّمين الذين لا يؤيّدون الإفراط في استخدام الوسائل الإلكترونيّة في الروضة، ولكن لدينا حدود وقوانين في كلّ مؤسّسة تعليميّة تنظّم ذلك، فقد يكون الاستخدام مرّة واحدة أسبوعيًّا لمدّة نصف ساعة أو ساعة كحدّ أقصى، وهذا أمر جميل.
ونحن المعلمين، نطرح أيضًا على الإدارة الأمور التي نرغب في تطويرها في أنفسنا، أو الموضوعات التي نرى أنّ طبيعة الأطفال القادمين تحتاج إلى العمل عليها، وربّما لم نكن نركز عليها سابقًا، لكنّنا بحاجة إلى تطويرها بما يتناسب مع طبيعة الأطفال الجدد.
في العام الماضي. كنت مستعدّة للعام الدراسيّ. لكن في نهاية العطلة تعرّضت ابنتي إلى وعكة صحيّة واُجريَت لها عمليّة جراحيّة، واضطررت إلى أخذ إجازة خلال الفصل الأوّل. وصدقًا، كان الأمر مرهقًا جدًّا نفسيًّا وجسديًّا. لم أعد إلى العمل إلّا بعد أن اطمأننت على أمور ابنتي الصحّيّة. فأطفالنا هم دائمًا من نشعر أنّنا مقصرون معهم خلال العام الدراسيّ، ونشعر تجاههم بالذنب باستمرار. لذلك، فإن أوّل ما أفكّر فيه عند بداية العطلة هو: ماذا سنقدّم إليهم؟ وكيف سنعوّضهم خلال هذه الفترة؟ وكيف سنجلس معهم؟ وإلى أين سنذهب معهم؟ وكيف سنقضي أكبر وقت ممكن مع أطفالنا؟ لأنّنا بالفعل مقصّرون معهم خلال العام الدراسيّ.
كانت تجربتي قاسية نوعًا ما، ولذلك بدأت العودة بشكل تدريجيّ. ونصيحتي ألّا يعود الإنسان في مثل هذه الظروف دفعة واحدة. فقبل انتهاء إجازتي بدأت أعود بصورة تدريجيّة؛ ذهبت متطوّعة إلى العمل يومًا واحدًا في الأسبوع، ثمّ يومين، ثمّ ثلاثة أيّام، حتّى أشعر بالراحة النفسية وأطمئن أنّ ابنتي بخير. ولو عدت مباشرة إلى الدوام لكان الأمر صعبًا عليّ وعليها. لذلك كانت العودة التدريجيّة مريحة جدًّا؛ لأنّ الإنسان يحتاج إلى أن يكون مطمئنًّا ومرتاحًا نفسيًّا حتّى يستطيع أن يعطي ويحقّق مع طلّابه وأطفاله ما يطمح إليه.
هذا هو التوازن الذي نحاول تحقيقه بين صحّتنا النفسيّة وحياتنا الشخصيّة وعملنا، وبين ما نريد أن نقدّمه إلى طلّابنا. وصدقًا، أشعر أنّني في هذا العام قدّمت نحو 80% من طاقتي، لأنّني، على رغم محاولتي استعادة توازني النفسيّ، فنحن في النهاية بشر، ولا يمكن للإنسان أن يكون في أفضل حالاته بنسبة 100%. ولذلك شعرت أنّني قدّمت 80% من طاقتي. وعلى رغم أنّني لم أبدأ العام الدراسيّ مع الطلّاب منذ بدايته، فإنّني شعرت بإرهاق شديد في نهاية العام.
كيف يمكن للبيئة المحيطة بالمعلم (الأصدقاء/ العائلة)  أن تسهم في تعزيز استعداده وبناء توازن صحّيّ مع بداية عام دراسيّ جديد؟ 
أعادت أ. الشكيلي التأكيد على استغلالها الإجازة الصيفيّة في لقاءات مع العائلة، والتجمعات مع الزملاء والأصدقاء. وخلال هذه اللقاءات لا يخلو الحديث أبدًا من شؤون المدارس والممارسات التدريسيّة. وسواء كان المتحدّثون طلبة أو أولياء أمور أو أشخاصًا من خارج السلك التعليميّ. فلا بدّ أن يتحدّثوا عن هذه الأمور. ومن خلال هذه الأحاديث ننتبه أحيانًا إلى أمور لم تكن حاضرة في أذهاننا. فإذا تحدّث ولي أمر أو زميل أو زميلة على موقف تعرّض إليه ابنه أو ابنته، فإنّنا نلتفت إلى بعض الممارسات التي قد لا نكون منتبهين إلى أثرها النفسيّ في الطالب، ومدى أهمّيّة الحرص والدقّة فيها. وأحيانًا أجد نفسي أوضّح لولي الأمر أمرًا ربّما لم يكن منتبهًا له، فألفت نظره إلى خطورة تصرّف معيّن أو ما شابه ذلك.
وأذكر من ضمن المواقف أنّ ابنة أختي كانت تتحدّث عن مادّة دراسيّة معيّنة، وكانت من النوع الذي يكثر من الأسئلة. وأحيانًا يمرّ علينا طلبة نشعر أنّ طريقة طرحهم للأسئلة توحي وكأنّهم يشكّكون في قدرة المعلّم. وكانت تحكي دائمًا أنّ المعلمة توبّخها وتشعر بأنّها تستهزئ بها. وعندما كانت تروي ذلك، كنت أراجع مباشرة طريقة حديثي مع طالباتي في المدرسة. فربّما يأتي الطالب بهذه الطبيعة من دون قصد، وهو ما يزال صغيرًا. وإذا لم أتحلَّ بسعة الصدر، فعليّ أن أوجّهه أو أن أتحدّث معه على انفراد، وأساعده على تطوير طريقة طرحه للأسئلة بأسلوب لا يجعلني أشعر بالضيق نفسيًّا.
ومتى ننتبه إلى هذه الأمور؟ عندما يحدثنا شخص يهمّنا أمره من موقع الطالب. عندها أنتبه إلى نفسي. وهنا تحقّق لدي نموّ مهنيّ لأنّ طالبة أو شخصًا قريبًا منّي حكى لي موقفًا أثّر فيّ. وعندما أعود إلى المدرسة أصبح أكثر انتباهًا. وحتّى عندما تدور النقاشات في غرفة المعلّمات، وتقول إحداهنّ إنّ طالبة أزعجتها بطريقة حديثها أو أسلوبها في طرح الأسئلة، أتذكّر هذه المواقف وأقول لهن إنّني كنت أشعر بالمثل، لكن بعد أن سمعت الموقف الذي روته ابنة أختي بدأت أراه من زاوية مختلفة.


أسئلة الجمهور 

ما إحساسكن عند فراق التلاميذ عند نهاية العام الدراسيّ؟

شبّهت أ. رزق الأمر بالعائلة التي يكون لديها أبناء، ثمّ يأتي الوقت الذي يزوّجون فيه أبناءهم، فيغادر منهم عريس أو عروس إلى بيت جديد. فنقول: الله يبارك بالبيت الذي خرج منه بيت. ومثلما يحزن الأهل على أبنائهم، وهم يعلمون أنّهم ذاهبون لبدء حياة جديدة وتأسيس أسرة جديدة، فيشعرهم ذلك بالفرح. هذه هي الحياة. وكما يقول جبران: أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة. فأنتِ تدرّبينهم وتعلّمينهم ليواصلوا طريقهم في الحياة.
وبالتأكيد نحن لا نريدهم أن يبقوا معنا إلى الأبد. نعم، نشعر بالحزن، لكنّ هذا الإحساس يكون لحظيًّا ومؤقّتًا، لأنّنا نعلم أنّهم ذاهبون إلى مكان أفضل، ويتقدّمون في مسيرتهم التعليميّة، وسيلتحقون بالجامعات، ثمّ في العمل، ثمّ يؤسّسون عائلاتهم. لذلك يكون الحزن مؤقّتًا، لأنّه في سبيل شيء أفضل، وهذه هي الحياة التي لا بدّ أن تستمرّ.
من ناحيتها أجابت أ. الفقهاء: بصراحة، يكون الفراق بالنسبة إلينا مزيجًا من الحزن والفرح في الوقت نفسه، ولا أعرف لماذا. لكن، كما قالت الأستاذة روزين، يصبح الطلّاب جزءًا من عائلتنا، ويصبحون كأنّهم أطفالنا. نصل إلى مرحلة نشعر فيها أنّنا مسؤولون عنهم، فنفكّر: لماذا هو حزين؟ ولماذا عاد منزعجًا؟ وغدًا أريد أن أعرف سبب ذلك. وتبقى أفكارنا مشغولة بهم، فهم أطفالنا فعلًا، ويقضون أكثر من نصف يومهم معنا، ولذلك هم جزء منّا بالتأكيد.
وفي إحدى السنوات تعلّقت كثيرًا بمجموعة من الطالبات. كنّ يأتين إليّ بمشط الشعر وفرشاته، ويطلبن إليّ أن أصفّف لهنّ شعورهنّ قبل المغادرة، ويجلبن ربطات الشعر أيضًا. وصدقًا، كنت متعلّقة بهنّ كثيرًا في تلك السنة. وعندما جاء وقت التخرّج، كنّ يقلن: "نحن لا نريد أن ننتقل إلى الصفّ ّالأوّل، نريد أن نبقى عندك."صدقًا، بكيت. الأطفال بكوا، وبعضهم بكى بشكل هستيريّ، وكذلك أولياء أمورهم، وأنا أيضًا بكيت كثيرًا جدًا في ذلك اليوم، ولا أنساه أبدًا. 
وفي ختام الحوار وجهّت أ. قوّاس رسالة إلى المعلّمين بأن يكونوا سعداء ومرتاحين، وأن يحبّوا ما يقومون به، وأن يحبّوا طلّابهم، لأنّ هذا يساعد كثيرًا جدًّا في حياتهم المهنيّة وفي صحّتهم النفسيّة أيضًا. مؤكّدة على إيمانها أنّ الإنسان عندما يكون سعيدًا ومرتاحًا، يبدع ويستمرّ في الإبداع، ويشعر بأنّ لديه مساحة واسعة. ولا يحسّ بأنّه يعيش داخل قفص. وكما نعلّم طلّابنا أن ينطلقوا بأجنحتهم ويحلّقوا، أحبّ أن أقول الأمر نفسه للمعلّمين."
من ناحيتها نصحت أ. الشكيلي المعلّمين أن يستمتعوا بالصيف وأن يستعيدوا عافيتهم. فهم مرهقون طوال العام، ويعملون وكأنّهم في وضعية تشغيل مستمرّة بأقصى طاقة، ولذلك هم بحاجة فعليّة إلى الراحة. فلا تحرموا أنفسكم من هذه الراحة، مهما كانت الظروف العائليّة أو المفاجآت أو الأزمات التي لم تكن في الحسبان. لا بدّ أن يمنح الإنسان نفسه أسبوعًا على الأقلّ ليستريح. خذوا هذه الراحة؛ لأنّكم تشحنون خلالها طاقتكم. فأنتم تحملون أمانة أبناء الناس، وهؤلاء الطلبة أمانة. وإذا دخلت عليهم وأنا منهكة، فكيف أفيهم حقّهم؟ كيف أفيهم حقّهم في المادّة العلميّة والمنهج الدراسيّ، أو حتّى في طريقة تعاملي معهم؟
وأكّدت أ.رزق أنّ رسالتها إلى المعلّمين أن يكونوا متعلّمين مدى الحياة، وأن يواصلوا التطوّر والتجدّد المستمرّ ّعلى الصعيد المهنيّ. أمّا على الصعيد الشخصيّ، فعليهم أن يستعيدوا عافيتهم ورفاهيتهم. وأينما وجدوا ما يمنحهم الراحة فليفعلوه. إذا كنتِ تجدين راحتك في التسوّق فافعلي ذلك، وإذا كنتِ تجدينها في تجديد خزانة ملابسك فافعلي ذلك، وإذا كنتِ ترغبين في العناية بنفسك فافعلي ما يجعلك تشعرين بالراحة. المهم أن تعودي بطاقة إيجابية تبدئين بها عامك الدراسيّ؛ لأنّ بين يديك أطفالًا، وهؤلاء الأطفال هم المستقبل. وإذا لم نهتم بهم ونعطهم من قلوبنا، فحينها لا خير في الأمر.
وأكّدت أ. الفقهاء أنّ التعليم من أعظم المهن على الإطلاق. ووجّهت تحيّة كبيرة لكلّ المعلّمين، لأنّ المعلّم إنسان استثنائيّ، قادر على التعامل في اللحظة نفسها مع ما لا يقلّ عن عشرين طالبًا، إضافة إلى أولياء أمورهم. فشكرًا جزيلًا لكلّ المعلّمين، وأتمنّى لهم كل التوفيق. وأقول لكلّ معلّم: إذا لم تستطع أن تكون معلمًّا، فكن إنسانًا. نحن قدوة لأطفالنا في كلّ شيء. كثيرًا ما نلاحظ أنّ الأطفال يقولون: معلّمتي قالت كذا، أو معلّمتي تفعل كذا، أو أستاذي يفعل كذا. فهم يقلّدوننا باستمرار.
وأحيانًا عندما نسأل الطفل: لماذا فعلت ذلك؟ يجيب: لأنكِ تفعلين ذلك. ولهذا فنحن قدوة كبيرة لهم، وأتمنّى ممّن لا يستطيع القيام بهذا الدور أن يعيد التفكير في استمراره في مهنة التعليم

ختمت أ. غانم بتمنّيها للجميع إجازة صيفيّة هانئة تحمل وافرًا من الراحة والتجدّد والنموّ. وشكرت المُشاركات على مداخلاتهم المهمّة، والجمهور على تفاعله واستفساره.