سؤال يتجاوز الصفّ
حين نطرح سؤال التعليم في سياقه المعاصر، لا يعود كافيًا أن نتوقّف عند ما يُدرَّس، ولا عند مقدار ما يُتقنه المتعلّم من معارف ومهارات أكاديميّة قابلة للقياس والاختبار. فالتغيّرات المتسارعة في أنماط العمل والتواصل وبناء العلاقات الإنسانيّة، تفرض مساءلة أعمق لوظيفة المدرسة ذاتها، ولمعنى النجاح الذي تسعى له.
في هذا السياق، يبرز سؤال يتجاوز حدود الصفّ والمنهاج: ما الذي نُعدّ المتعلّم ليحمله معه بعد مغادرته المدرسة؟
هل نكتفي بتزويده برصيد معرفيّ قد يتغيّر أو يُستبدَل، أم نعمل على بناء كفايات أعمق تمكّنه من التعامل مع ذاته، ومع الآخرين، ومع عالم يتّسم بعدم اليقين والتعقيد؟
تنطلق هذه المقالة من تجربة صفّيّة تحاول تفكيك موقع الذكاء العاطفيّ والتواصل في الممارسة التعليميّة، لا بوصفهما إضافة تجميليّة أو أنشطة هامشيّة، بل باعتبارهما كفايات أساسيّة، تسهم في إعداد المتعلّم للحياة الاجتماعيّة والمهنيّة والإنسانيّة بعد المدرسة، في عالم لا تحكمه إجابات جاهزة ولا مسارات مستقيمة.
الصفّ ليس حيّزًا معرفيًّا محايدًا
تفترض كثير من المقاربات التعليميّة التقليديّة أنّ الصفّ حيّز معرفيّ محايد، تُنقل فيه المعرفة من المعلّم إلى المتعلّم وفق تسلسل منطقيّ ومنضبط. غير أنّ التجربة اليوميّة داخل الصفوف تكشف أنّ هذا التصوّر يتجاهل بعدًا أساسيًّا في عمليّة التعلّم، يتمثّل في كون الصفّ فضاءً إنسانيًّا مشحونًا بالمشاعر والتوقّعات والعلاقات والقلق والطموح وأحيانًا الإحباط.
المتعلّم لا يدخل الصفّ بوصفه صفحة بيضاء، بل يحمل معه خبراته السابقة، وصورته عن ذاته، ومخاوفه من الفشل أو الحكم، إضافة إلى توقّعات الأهل والمجتمع. هذه العوامل لا تقف على هامش التعلّم، بل تتداخل معه بعمق، وتؤثّر في مستوى المشاركة، والجرأة على التعبير، والاستعداد للمجازفة الفكريّة.
من هنا، تبيّن لي في الممارسة اليوميّة أنّ تجاهل هذا البعد الإنسانيّ لا يلغيه، بل يدفعه إلى الظهور في أشكال غير مباشرة، مثل العزوف عن المشاركة، أو التوتّر، أو السلوكيّات الدفاعيّة، أو الصمت الطويل الذي يُقرأ أحيانًا خطأ بوصفه انضباطًا. في المقابل، فالاعتراف بالمشاعر بوصفها جزءًا من عمليّة التعلّم يسهم في بناء مناخ صفّيّ أكثر أمانًا، وأكثر قدرة على التفاعل الحقيقيّ.
إعادة تعريف الانضباط: من الضبط الخارجيّ إلى التنظيم الذاتيّ
في ممارستي الصفّيّة، بدأت أُعيد التفكير في مفهوم الانضباط. لم أعد أتعامل معه بوصفه التزامًا صامتًا بالتعليمات، بل باعتباره قدرة داخليّة على إدارة الذات. كنت ألاحظ أنّ الصمت لا يعني دائمًا فهمًا، وأنّ الهدوء قد يخفي قلقًا أو خوفًا من الخطأ.
لذلك، بدأت بتطبيق خطوات عمليّة:
صياغة اتّفاق صفّيّ مشترك: في بداية العامّ، أجلس مع الطالبات وأطلب إليهنّ اقتراح قواعد للحوار والتفاعل. أسأل: "ما الذي يجعلنا نشعر بالأمان أثناء المشاركة؟" ثمّ نكتب القواعد معًا. هذه المشاركة تجعل الالتزام نابعًا من الداخل.
مساحات للتأمّل الذاتيّ: بعد كلّ نشاط نقاشيّ، أخصّص دقيقتَين لكتابة انعكاس شخصيّ: ماذا تعلّمت؟ ما الذي أربكني؟ كيف تعاملت مع شعوري؟ هذه اللحظات البسيطة تساعد الطالبات في ملاحظة ذواتهنّ أثناء التعلّم.
تغذية راجعة تركّز على العمليّة: حين تجيب طالبة إجابة غير مكتملة، أقول مثلًا: "أعجبني تسلسل فكرتك، هل يمكن أن نضيف مثالًا يدعمها؟" بذلك أحاول تعزيز الجهد، بدل تصنيف الإجابة بصواب أو خطأ فقط.
مع الوقت، لاحظتُ تحوّلًا واضحًا: أصبحت الطالبات أكثر جرأة في طرح أفكار غير مكتملة، وأكثر قدرة على ضبط انفعالاتهنّ عند الاختلاف. لم يعد الانضباط استجابة لسلطة خارجيّة، بل ممارسة ذاتيّة واعية.
الوعي بالمشاعر: مدخل للتعلّم العميق
أدركت أنّ تجاهل المشاعر لا يجعلها تختفي. لذلك، بدأت أفتتح بعض الحصص بسؤال بسيط: "كيف تشعرين اليوم بكلمة واحدة؟" لم يكن الهدف علاجًا نفسيًّا، بل إدخال الشعور إلى الوعي.
في إحدى الحصص، أجابت طالبة: "متوترة". سألتها: "هل نضع خطّة صغيرة تساعدك في المشاركة على الرغم من التوتّر؟" اقترحت أن تكتب فكرتها أوّلًا قبل أن تتحدّث. بعد الحصّة، أخبرتني أنّ الكتابة خفّفت من ارتباكها.
بهذه الممارسة، تعلّمت الطالبات أنّ تسمية الشعور خطوة أولى في تنظيمه. كما لاحظت أنّ المناخ الصفّيّ أصبح أكثر إنسانيّة، فحين تعبّر طالبة عن شعورها، تتعامل الأخريات معها بتفهّم أكبر.
هذا الوعي الذاتيّ لا يخدم الأداء الأكاديميّ فحسب، بل يؤسّس لقدرة مستقبليّة على إدارة الضغوط، وهي مهارة لا تُقاس بالاختبارات، لكنّها حاسمة في الحياة المهنيّة والاجتماعيّة.
التعاطف بوصفه ممارسة تربويّة منظّمة
لا أتعامل مع التعاطف بوصفه قيمة أخلاقيّة مجرّدة، بل مهارة يمكن اكتسابها. لذلك أستخدم أنشطة لعب الأدوار.
أعرض موقفًا: خلافًا بين طالبتَين حول توزيع الأدوار في مشروع جماعيّ. أطلب إلى كلّ واحدة تمثيل موقف الأخرى. في البداية يكون الأمر صعبًا، لكن مع التوجيه تبدأ كلّ طالبة بمحاولة فهم دوافع الطرف الآخر.
بعد التمثيل، أطرح أسئلة:
ماذا شعرتِ عندما كنتِ في موقع زميلتك؟
ما العبارة التي كان يمكن أن تغيّر مسار الحوار؟
أطلب إليهنّ صياغة بدائل لغويّة أقلّ حدّة، مثل تحويل "أنتِ لا تعملين" إلى "أشعر أنّني أحتاج إلى دعم أكبر في هذا الجزء".
ألاحظ أنّ هذه التمارين تقلّل من حدّة الخلافات الواقعيّة لاحقًا. كما أنّها تمنح الطالبات أدوات لغويّة تساعدهنّ في إدارة الاختلاف بوعي.
التواصل: ما بين التعبير والمسؤوليّة
في النقاشات الصفّيّة، كنت ألاحظ أنّ بعض الطالبات يشاركن بسرعة، بينما تتردّد أخريات. لذلك بدأت أعتمد مبدأ "فكّر–اكتب–شارك".
أمنح دقيقة للتفكير الفرديّ، ثمّ أطلب تدوين فكرة مختصرة، وبعدها يبدأ النقاش. هذا التدرّج يمنح الجميع فرصة متكافئة.
كما أطبّق تمرين "إعادة الصياغة": لا يُسمح بالردّ قبل تلخيص فكرة المتحدّثة السابقة. في البداية بدا الأمر شكليًّا، لكن سرعان ما أصبح الإصغاء أكثر عمقًا.
تدريجيًّا، تحوّل الصفّ إلى مساحة حوار منظّم. لم يعد الهدف أن تكون المشاركات كثيرة، بل أن تكون ذات قيمة. وهنا أدركت أنّ التواصل ليس كثرة كلام، بل مسؤوليّة عن أثر الكلمة.
الذكاء العاطفيّ في زمن التحوّلات الرقميّة
في عصر التواصل الرقميّ، يصبح أثر الكلمة مضاعفًا. لذلك أطرح مواقف افتراضيّة: تعليقًا غاضبًا على منشور، أو رسالة جماعيّة تحمل سوء فهم.
أطلب إلى الطالبات تحليل الموقف:
ماذا قد يشعر المتلقّي؟
هل يمكن إعادة صياغة العبارة؟
ما نتيجة الردّ المتسرّع؟
ثمّ نعيد كتابة التعليق بصيغة أكثر وعيًا.
بهذه الطريقة، لاحظت أنّ الطالبات بدأن بالتفكير قبل النشر، وبإدراك أنّ المسؤوليّة الأخلاقيّة لا تنفصل عن الفضاء الرقميّ.
بين المنهاج وتوقّعات الأهل: إدارة التوتّر التربويّ
لا يمكن إغفال ضغط المنهاج وتوقّعات الأهل المرتبطة بالتحصيل. في بعض الأحيان يُطرَح سؤال مباشر: "هل تؤثّر هذه الأنشطة في الدرجات؟"
أجيب بأنّ هذه الممارسات لا تستبدل المحتوى، بل تعزّز فهمه. حين تشعر الطالبة بالأمان، تصبح أكثر قدرة على التركيز والاستيعاب. وحين تتعلّم تنظيم وقتها ومشاعرها، يتحسّن أداؤها الأكاديميّ.
أسعى لإشراك الأهل في هذا الفهم، عن طريق عرض أمثلة عمليّة على تحسّن المشاركة وتحمّل المسؤوليّة. ومع الوقت، يتحوّل الحوار من سؤال عن العلامة فقط، إلى سؤال عن النموّ الشامل.
***
التعليم بوصفه إعدادًا للحياة
لا أدّعي أنّ هذه التجربة نموذج مكتمل، لكنّها محاولة لإعادة التفكير في وظيفة الصفّ.
حين تغادر الطالبة المدرسة، قد لا تتذكّر كلّ المفاهيم التفصيليّة، لكنّها ستحمل معها طريقة التفكير، والقدرة على تنظيم ذاتها، ومهارة التواصل، والاستعداد للتعاطف.
هذه الكفايات لا تُكتب في الشهادات، لكنّها ترافق الإنسان في العمل، وفي العلاقات، وفي اتّخاذ القرار.
من هنا، أرى أنّ الذكاء العاطفيّ والتواصل ليسا إضافة إلى التعليم، بل قلبه الإنسانيّ. فالمدرسة لا تُعدّ المتعلّم للامتحان فقط، بل للحياة.





نشر في عدد (24) ربيع 2026