لما شوقي دبّوس - معلّمة كيمياء لمرحلة الدبلوم / علوم للمرحلة الثانويّة - قطر
لما شوقي دبّوس - معلّمة كيمياء لمرحلة الدبلوم / علوم للمرحلة الثانويّة - قطر
2025/11/27

ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتكِ إلى التعليم؟

لقد غيّرت الحروب والإبادة رأيي في دور التعليم: فلم يعد وسيلة لتحقيق مصالح شخصيّة، بل أصبح أداة للمقاومة والتعافي وبثّ الأمل. في الحروب نشهد مدى فظاعة الجهل، والتلاعب بالرأي العام. وهذا ما عزّز إيماني بأنّ التعليم يجب أن يكون متّصلًا بالواقع، يعزّز التفكير النقديّ، والقدرة على التعامل مع الصدمات، وحلّ المشكلات المجتمعيّة. في مناطق النزاع، يبقى المعلّمون حتّى في أصعب الظروف، ما زاد من احترامي لهم، ومن وعيي بأنّهم يحتاجون إلى دعم وتدريب أكبر، خصوصًا في مجال التعليم المراعي للصدمات النفسيّة.

 

ما الذي تتمنّين لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ ولماذا؟

أتمنّى لو يدرك صانعو القرار حقًّا، أنّ المعلّمين اليوم ليسوا مجرّد ناقلي محتوى، بل هم أوصياء على الصحّة النفسيّة للطلبة. يمسكون بيدهم الخيط العاطفيّ، والأكاديميّ والأخلاقيّ لنسيج مجتمعات بأكملها، وغالبًا ما يفعلون ذلك بموارد قد لا تكون محدودة، ولكنّ الضغوط هائلة.

أصبحت مهنة التعليم تتطلّب معرفة تربويّة عميقة، وقوّة عاطفيّة، والتزامًا لا يتزعزع في ظلّ ارتفاع التوقّعات.

لذا، نحن شركاء مع صنّاع القرارات التعليميّة في رسم مستقبل الطلبة.  وعندما نرفع من شأن معلّم، نرفع من شأن كلّ طالب يُدرّسه، وكلّ حياة يؤثّر فيها إيجابيًّا.  

 

هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟

في الفصول الدراسيّة الحديثة، لم يعد بإمكان الكتاب المدرسّي أن يكون المصدر الأساسيّ للتعليم، لكنّه لا يزال يؤدّي دورًا داعمًا. أستخدمه ـمرجعًا لتأكيد المفاهيم المهمّة، وتقديم أنشطة منظّمة، أو لتوضيح بعض النقاط عند الحاجة. التعليم اليوم قائم على الاستقصاء والاستكشاف، والتطبيق الواقعيّ. لذا علينا، نحن المعلّمين، أن نصمّم الدروس لتتجاوز حدود الكتاب المدرسيّ، بمحاكاة رقميّة، ومقالات علميّة، وتجارب عمليّة، ومشاريع جماعيّة من شأنها أن تساعد الطلّاب على تطوير التفكير النقديّ، وتطبيق المفاهيم في سياقات حقيقيّة، والمشاركة النشطة في مسار تعلّمهم.

 

هل سبق وفكّرتِ بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلكِ تبقين؟

لم أفكّر يومًا بشكل جدّيّ في ترك عملي، لكن أحيانًا تراودني تساؤلات من نوع "ماذا لو؟" – ماذا لو سلكت طريقًا مختلفًا؟ ماذا لو لم أعد أستطيع الاستمرار بالشغف والطاقة اللذين عهدتهما؟ هي لحظات تأمّل أكثر منها رغبة حقيقية في الرحيل.

مررت بلحظات من الشكّ نتيجة الضغط العاطفيّ، وكثرة الأعباء، والمتطلبات الإداريّة. سهرت ليالي طويلة في تخطيط الدروس، وحملت هموم الطلّاب معي إلى المنزل.

لكن لماذا أنا هنا مستمرّة؟  

أنا مستمرّة بسبب الطلّاب. فضولهم وصمودهم، ولحظات الاكتشاف الصغيرة لديهم تذكّرني دائمًا بأنّ لعملي قيمة. بقيت لأنّي أؤمن بأنّ التعليم قادر على كسر حلقات الظلم. بقيت، لأنّي حتّى في أسوأ الأيام، أعلم أنّي أُحدث فرقًا، حتّى وإن لم يكن واضحًا دائمًا.

 

ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟

لا تقتصر المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّمين عليها على المهارات التقنيّة فقط، بل تشمل أيضًا المهارات الإنسانيّة العميقة. فبينما يستطيع الذكاء الاصطناعيّ معالجة البيانات، وإنتاج المحتوى، وإتمام المهامّ. إلا أنّه لا يمكنه أبدًا أن يحلّ محلّ القدرات البشريّة الفريدة مثل التفكير النقديّ، والتصرّف الأخلاقيّ، وبناء علاقات ذات مغزى.  

في زمن الظلم والقهر وغياب العدالة يعجز الذكاء الاصطناعيّ عن فهم مشاعر الآخرين والتواصل معهم بإنسانيّة، كما لا يمكنه أن ينوب عن مستخدميه في القدرة على العمل مع الآخرين عبر ثقافات وتخصّصات متنوّعة. لذا، إعداد الجيل القادم لا يقتضي ترسيخ القيم والقدرات التي تجعلهم متميّزين بوصفهم بشرًا، في عالم يزداد اعتمادًا على الذكاء الاصطناعيّ.

 

ما أهمّ استراتيجيّاتكِ في شدّ انتباه المتعلّمين؟

جذب انتباه المتعلّمين، خصوصًا في عالم اليوم السريع والمليء بالمشتّتات، يتطلّب أكثر من مجرّد إيصال المعلومات؛ إنّه يتضمّن إثارة فضولهم، وإبراز أهمّيّة الموضوع، وبناء روابط عميقة معهم.

أحرص دائمًا على ربط المحتوى باهتمامات الطلّاب وتجاربهم الحياتيّة وطموحاتهم المستقبليّة، لأنّهم عندما يشعرون أنّ ما يتعلّمونه له علاقة بحياتهم؛ فاندماجهم يزداد بشكل ملحوظ. كما أعتمد على تنويع أساليب التدريس للحفاظ على حيويّة الصفّ وتفاعله، باستخدام الحركة، والوسائل البصريّة، والأنشطة العمليّة، والتحدّيات الجماعيّة التي تحفّز الطلّاب.

أعمل بوعي على بناء بيئة صفّيّة إيجابيّة حيث يشعر الطلّاب بأنّهم مرئيّون ومسموعون وآمنون. فعندما يشعرون بقيمتهم، يصبحون أكثر استعدادًا لطرح الأسئلة والمشاركة الفعّالة وتحمّل المخاطر الفكريّة.

 

هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيكِ؟

لا شكّ أنّ إدارة الصفّ لا تزال أمرًا بالغ الأهمّيّة، لكن مصطلح "الضبط" يوحي بالسلطة والخضوع، والتسلسل الهرميّ، في حين أنّ الفصول الدراسيّة الحديثة تقوم على المشاركة، والتعاون، والاحترام المتبادل. تغيّر دورنا ، نحن المعلّمين، في القرن الحادي والعشرين إلى مُيسّرين لبيئة تعليميّة شاملة، وآمنة، ومُمكِّنة. لم نعد نسعى إلى "التحكّم" بالطلّاب، بل إلى توجيه السلوك، وبناء العلاقات، وخلق بيئة إيجابيّة مشتركة يتحمّل فيها الطلّاب المسؤوليّة عن تصرّفاتهم وتعلّمهم.

 

ما الذي يجعلك تضحكين في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ ولماذا؟

ما يجعلني أضحك في المدرسة بصفتي معلّمة، هي تلك اللحظات العفويّة والمواقف الطريفة التي تحدث مع الطلّاب من دون تخطيط. مثل تعليقاتهم البريئة، ومحاولاتهم اللطيفة لإلقاء النكات، وحتّى أخطائهم البريئة التي تحمل في طيّاتها لمسة من الطرافة. كأن يصرّ أحدهم  على رفع يده، فقط ليسألني إن كنت أشجّع ريال مدريد! أو ليسرد لي قصّة حصلت معه في الفصل السابق.  تلك اللحظات البسيطة، تضيف لمسة من الفرح تخفّف من وطأة اليوم الدراسيّ.

هناك نوع آخر من الضحك لا يقلّ قيمة، ذلك الذي نتشاركه نحن المعلّمين في غرفة المعلّمين، حين نروي مواقف مضحكة من الحصص، أو نرسل صورة معبّرة في منتصف أسبوع مزدحم بالتصحيح. أو نلتقي بنظرة مليئة بالتفاهم بعد حصّة مليئة بالفوضى. تلك الروابط بين الزملاء عميقة، تمنحنا شعورًا بأنّنا لسنا وحدنا في هذا الطريق، وأنّ هناك من يفهم تمامًا ما نمرّ فيه من تعبٍ وبهجة في آنٍ معًا.

 هذه اللحظات من الفرح والضحك الحقيقيّ، هي ما يجعل من مهنة التعليم أكثر من مجرّد وظيفة.

 

أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأتِه في صفّحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟

آخر مقال قرأته كان للدكتورة ريام كفري عن دور مؤسّسات المجتمع المدنيّ في الاستجابة للإبادة التعليميّة في غزّة. لقد جعلني الوضع الكارثيّ في غزّة أكثر تعلّقًا عاطفيًّا بكلّ صفحة أو منشور أو رابط نصادفه على مواقع التواصل الاجتماعيّ. نشعر بحاجة ماسّة إلى قراءة المزيد، ليس فقط حول ما يحدث على أرض الواقع، بل أيضًا حول التأثير المدمرّ في مجال التعليم ومستقبل الطلّاب والمعلّمين الفلسطينيّين. رأينا في غزّة نموذجًا  لمعاني الصبر الحقيقيّ والبحث عن الأمل بين ركام الأمنيات.

 

إذا كتبتِ يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ ولماذا؟

 إذا قرّرت كتابة كتاب عن تجاربي في التدريس، سيكون بعنوان" مع نبضات القلوب: دروس تتجاوز المنهج".

اخترت هذا العنوان لأنّ التدريس لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب؛ بل يتعلّق أيضًا بالصلة الإنسانيّة، والمشاعر، والصراعات الهادئة، والانتصارات الصغيرة التي تحدث بين خطط الدروس. بينما يُعبّر "نبضات القلوب" عن الهدف الأعمق للمهنة – من رعاية وعلاقات ولحظات تغيّرنا بقدر ما تغيّر طلّابنا – فإنّ "المنهاج" يرمز إلى الروتين التقليديّ اليوميّ للتدريس، مثل استخدام الألواح البيضاء، وتصحيح الأوراق، وتخطيط للحصّة حتّى ساعات الليل المتأخّرة.

الواقعيّة المزدوجة للتعليم جزء منها بنية وهيكل، وجزء منها روح ومعنى تتجلّى في هذا العنوان.