عندما بدأتُ مشواري في التعليم، كنت أعتقد أنّ الصفّ المنضبط هو الصفّ الهادئ، حيث يجلس الجميع بصمت، الأيادي مرفوعة، والعيون مُتّجهة نحوي. كنت أظن أنّ هذا هو الشكل الصحيح للصفّ المثاليّ، وأنّ أيّ صوت أو حركة خارج هذا الإطار يعني فوضى يجب إيقافها فورًا.
لكن مع مرور السنوات، وعملي مع الطلبة، تغيّرت نظرتي تمامًا. اكتشفت أنّ الضجيج أحيانًا يحمل في طيّاته فضولًا وحماسًا، ورغبة في المشاركة. وأنّ الهدوء المبالغ فيه قد يخفي خوفًا أو مللًا أو حتّى غيابًا حقيقيًّا عن الدرس.
في أحد الأيام، كنت أدرّس الرياضيّات للصفّ السادس. وبينما كنت أشرح، بدأ الطلّاب يتحدّثون معًا بصوت منخفض. توقّفت، نظرت إليهم وقلت: "أنا أراكم مشغولين بشيء... هل من الممكن أن تشاركوني فيه؟" تردّدوا قليلًا، ثمّ قالت إحدى الطالبات: "كنّا نحاول أن نفهم السؤال بطريقتنا". بدلاً من كتم أصواتهم، طلبت منهم شرح فكرتهم أمام الجميع. ومن هناك بدأت حصّة مليئة بالنقاش الحقيقيّ.
هذا الموقف وغيره كثير علّمني أنّ ضبط الصفّ لا يعني أن يسكت الجميع طوال الحصّة، بل أن يُحسِن كلّ طالب استخدام صوته، ويعرف متى يتحدّث، ومتى يصغي. وأنّ دوري ليس فقط أن أشرح، بل أن أستمع وأفهم وأتفاعل.
المسؤوليّة مشتركة
المعلّم في الواجهة، نعم، لكنّه ليس وحده في هذا الميدان. الإدارة المدرسيّة لها دور كبير، والأهل كذلك. حين يشعر المعلّم أن هناك من يسانده، يصبح أكثر مرونة، وأقوى في التعامل مع التحدّيات اليوميّة.
أذكر أنّي مررت بفترة كان فيها أحد طلّابي يمرّ بظروف عائليّة صعبة، وبدأ يظهر ذلك في سلوكه. بدل أن أكتب فيه "ملاحظة سلبيّة"، جلست مع المرشدة التربويّة وتواصلنا مع أهله. وتدريجيًّا، تغيّر سلوكه، فقط لأنه شعر أنّ هناك من يفهمه، لا من يُعاقبه فورًا.
العلاقة أولًا
ضبط الصفّ لا يبدأ من لوائح مكتوبة على الحائط، بل من العلاقة بيني وبين طلّابي. حين يشعر الطالب بالأمان في الصفّ، وبأنّه غير مهدّد أو معرّض للإهانة، فإنّه تلقائيًّا يتّجه إلى الانضباط. لا من باب الخوف، بل من باب الاحترام والرغبة في التعلّم.
في أحد الصفّوف، كتبت مع الطلبة "اتّفاقيّة صفّيّة" نابعة منهم هم، بكلّ بساطة ووضوح. كتبوا: "نساعد ونستمع إلى بعضنا البعض، نحكي ما نحتاج، ونعتذر إذا أخطأنا." هذه الاتّفاقيّة كانت أكثر فاعليّة من أيّ لائحة جاهزة.
التدريب وحده لا يكفي
حضرت الكثير من الدورات، بعضها مفيد وبعضها نظريّ بعيد عن الواقع. أكثر ما أفادني كان الجلوس مع معلّمات مثلي، نشارك همومنا، ونضحك على المواقف الصعبة، ونتبادل الحلول التي جرّبناها بأنفسنا. وكوني أيضًا مدرّبة، دائمًا أبدأ الورشات التدريبيّة بسؤال بسيط: "شو أكثر شيء بتتمنّيه يتحسّن في صفّك؟" وغالبًا ما تكون الإجابة: "بدّي طلّابي يسمعوني بدون ما أصرخ." وهنا تبدأ الحكاية.
***
الصفّ ليس مكانًا للسيّطرة، بل للعيش والتفاعل والتعلّم. لا أبحث عن صفّ صامت، بل عن صفّ حيّ، فيه احترام، وفيه نظام، وفيه أيضًا ضحك وأسئلة وتجريب. ضبط الصفّ ليس بيد المعلّم وحده، بل يحتاج إلى بيئة داعمة، وإدارة متفهّمة، وأهل واعين، وأهم من كلّ ذلك: قلب معلّم يعرف أنّ التربية قبل التعليم، وأنّ العلاقة قبل الشرح.


