في قلب التغيّرات المتسارعة التي يشهدها التعليم في العالم العربيّ عامّة، وفي الأزهر الشريف خاصّة، يقف معلّم اللغة العربيّة محاصرًا بين متطلّبات المناهج الرسميّة وتحدّيات الواقع العمليّ في الفصول؛ فبينما تتعالى الأصوات المطالبة بتجويد التعليم وتطوير أدواته، يظلّ المعلّم مطالبًا بأداء أدوار متزايدة لا تنحصر في التلقين، بل تشمل التوجيه والتربية والدعم النفسيّ والاجتماعيّ، في بيئة قد تفتقر أحيانًا إلى أبسط أدوات التمكين المهنيّ والمعنويّ.
ولمعلّم اللغة العربيّة في الأزهر خصوصيّة مزدوجة؛ فهو لا يعلّم قواعد النحو والصرف والأساليب البلاغيّة فقط، بل يُنَشِّئ الطلبة على فقه اللغة وروحها، ويغرس فيهم احترام النصّ وفهم المعنى واستيعاب المقاصد. وقد رأيت في فصولي أنّ الطالبة التي تتذوّق اللغة تفهم الدين بصورة أعمق، وتتعامل مع القرآن الكريم لا بوصفه محفوظًا فحسب، بل بوصفه بناءً لغويًّا وإعجازًا بلاغيًّا ومساحة للتأمّل.
لكنّ هذا الهدف النبيل يصطدم أحيانًا بالمنهاج الجافّ، أو الخطّة الزمنيّة الضيّقة، أو الكثافة العدديّة، أو التقييمات الشكليّة التي تهتمّ بالملفّ والأوراق أكثر ممّا تهتمّ بالحصّة ذاتها.
كثيرًا ما شعرت بأنّ المنهاج الموضوع لا يراعي سياق طالباتي، ولا خلفياتهنّ اللغويّة. فقد وجدت نفسي في كثير من الحصص مضطرّة إلى الاختيار بين تغطية الكمّ المطلوب، وبين الوقوف مع فكرة تستحقّ التأمّل والمناقشة؛ مثلما حدث حين تناولنا نصًّا عن الهجرة، فتوقّفت الطالبات عند مفهوم الوطن والانتماء، وفوجئت بتجاوب كبير وكلمات مؤثّرة خرجت من الطالبة فاطمة التي لم تكن تشارك من قبل. عندها أدركت أنّ بعض الأهداف التربويّة لا تُقاس باكتمال الشرح، بل بأثره في القلوب.
ومن أكبر التحدّيات التي واجهتني، التفاوت الشديد في مستوى الطالبات في مهارات القراءة والاستيعاب؛ فصمّمت خطّة دراسيّة مرنة تقوم على تقسيم الفصل إلى مجموعات حسب القدرات. وأعطيت كلّ مجموعة اسمًا مشوّقًا، وربطت الأنشطة بالاهتمامات الحقيقيّة للطالبات. وخصّصت ركنًا للقراءة الحرّة يحوي قصصًا مبسّطة ومجزّأة، مع وقت أسبوعيّ للمناقشة الجماعيّة. كما استخدمت استراتيجيّة الكرسيّ الساخن، حيث تجلس الطالبة لتجيب عن أسئلة زميلاتها حول ما قرأته. ولاحظت بعد أسابيع قليلة ارتفاع مستوى الحماس والجرأة لدى الطالبات، بخاصّة الطالبة مريم التي تحوّلت من الصمت إلى المبادرة بطلب القراءة أمام الجميع.
كما واجهت تحدّيًا آخر في تعليم التعبير الكتابيّ، إذ كانت أغلب الطالبات يكرهن الكتابة، ويعتبرنها عبئًا. فابتكرت نشاطًا بسيطًا سمّيته دفتر التأمّل، تكتب فيه الطالبة خواطرها بحريّة من دون تقييم. ثمّ أقرأ لهنّ أجمل ما كُتب، وأعلّق عليه بإيجابيّة. فبدأت الطالبات يطلبن أن تُعرض كتاباتهنّ، وشعرت أنّ التعبير أصبح مساحة للبوح والتفكير لا مجرّد واجب منزليّ.
وفي تدريس النحو أيضًا لجأت إلى أساليب تفاعليّة غير تقليديّة؛ ففي درس المفعول به، وبدلًا من العرض النظريّ، حضّرت بطاقات مكتوب عليها جمل من الحياة اليوميّة، وطلبت من الطالبات استخراج المفعول به بأنفسهنّ عبر لعبة التتابع. وكانت المفاجأة أنّ أغلبهنّ فهمن القاعدة من الممارسة، بغير الحاجة إلى شرح طويل.
هذه التجارب علّمتني أنّ المعلّم لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى مساحة من الحريّة. وإلى دعم فعليّ يُشعره أنّ اجتهاده موضع تقدير، لا مجرّد مخالفة للمألوف.
لكنّ الواقع لا يخلو من العقبات، فالمعلّم كثيرًا ما يُثقل بالتقارير والمتابعات والزيارات الرسميّة التي لا تركّز على الأثر التربويّ، بل على الأوراق والملفّات. وقد حدث أن حضرت موجّهة أثناء حصّة كنت قد خطّطت لها باستخدام نشاط قصصيّ وربط بلاغيّ، فطُلِب إليّ الالتزام بخطوات الكتاب كما هي، فشعرت أنّ الإبداع قد يُعاقب أحيانًا بدلًا من أن يُحتضن.
لمواجهة هذه التحدّيات أرى أنّ هناك مجموعة من الحلول الواقعيّة التي يمكن البدء بها، أوّلها تمكين المعلّم من التصرّف في المنهاج بما يناسب واقعه من دون الإخلال بالأهداف. ثانيها تقليل النصاب المرهق لمعلّمي اللغة العربيّة، ولا سيّما في التعليم الأزهريّ الذي يتطلّب تحضيرًا ذهنيًّا ونفسيًّا أعمق. ثالثها توفير تدريبات عمليّة لا ورقيّة تُمكّن المعلّم من تبادل الخبرات مع زملائه داخل الفصل، لا في القاعات المغلقة فقط. رابعها إشراك المعلّم في بناء السياسة التعليميّة، لا جعله مجرد منفّذ لما لا يعرف سياقه.
المعلّم ليس موظّفًا ينفّذ تعليمات، بل هو مربّي أجيال وباحث ميدانيّ وصانع أثر. والنجاح الحقيقيّ للتعليم يبدأ حين يشعر هذا المعلّم أنّ له دورًا حقيقيًّا في اتّخاذ القرار، وأنّ جهده محفوظ وصوته مسموع.
وفي التعليم الأزهريّ على وجه الخصوص، لا بدّ أن نستحضر دائمًا أنّ اللغة التي نُعلِّمها ليست أداة، بل هويّة. وأنّ الكلمة التي نشرحها قد تكون جسرًا لفهم أعمق لمعاني الدين وكنوز الثقافة.
لهذا كلّه، إعادة الاعتبار إلى المعلّم ليست ترفًا، بل ضرورة. والإصلاح الحقيقيّ لا يبدأ من أعلى، بل من قاعة الدرس حيث يقف المعلّم كلّ يوم بين المطرقة والمنهاج، حاملًا حلمًا لا يراه أحد، لكنّه يصنع الفرق في مستقبل كلّ طالب وطالبة.


