في زمن تتسارع فيه التحوّلات التقنيّة وتُعاد فيه صياغة مفاهيم المعرفة، تبرز أسئلة تربويّة لا يمكن تجاهلها: كيف نُحفّز الإبداع لدى المتعلّمين؟ وهل ما يزال للإبداع مكان في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟ وهل يمكن للمعلّم أن يُعلّم الإبداع في بيئة باتت فيها الآلة قادرة على التفكير، بل على إنتاج ما يشبه الإبداع ذاته؟
في عصر الذكاء الاصطناعيّ، لم تَعُد الإجابات حكرًا على العقل البشريّ، بل باتت الخوارزميّات قادرة على تقديم حلول جاهزة، حتّى للأسئلة التي تتطلّب تفكيرًا نقديًّا وتحليليًّا. هذه التحوّلات تضعنا أمام مفارقة تربويّة وفلسفيّة عميقة: إذا كانت الآلة تُفكّر بالنيابة عنّا، فهل ما زلنا بحاجة إلى تعليم التفكير؟ وإذا كانت قادرة على توليد نصوص إبداعيّة، فهل ما يزال للخيال البشريّ قيمة تُذكَر؟
هذه الأسئلة لا تعكس قلقًا وجوديًّا فحسب، بل تفتح الباب لإعادة النظر في جوهر العمليّة التعليميّة ومفهوم الإبداع ذاته. فالأكاديميّ تحسين الشيخليّ يرى في الذكاء الاصطناعيّ "أداة ستُعيد تشكيل العالم نحو مزيد من الإبداع والكفاءة والتقدّم العلمي" (فيّاض، 2025)، ويصفه بأنّه "شريك معرفيّ يُعيد تعريف طريقة صياغتنا للأسئلة نفسها"، لا مجرّد وسيلة تقنيّة. من هذا المنظور، يصبح الذكاء الاصطناعيّ محفّزًا لإبداع من نوع جديد، يتجاوز التلقين إلى إعادة تشكيل أدوات التفكير.
وتتماهى هذه الرؤية مع التوجّهات التربويّة الحديثة التي تتبنّاها منظّمات دوليّة كاليونسكو، والتي ترى أنّ الإبداع لن يُلغى في عصر التحوّلات الرقميّة، بل سيُعاد تعريفه ضمن سياقات جديدة. فالثورة التربويّة المرتقبة لا تقتصر على أدوات التعلّم، بل تمتدّ إلى طرائق التفكير وسبل الانتفاع بالمعرفة. والإبداع، في جوهره، لا يكمن في تقديم الإجابات الجاهزة، بل في القدرة على طرح الأسئلة العميقة، والربط بين الأفكار، وتجاوز المألوف، وتوظيف المعرفة توظيفًا أخلاقيًّا يخدم المجتمع والإنسانيّة.
لكنّ هذا التفاؤل لا يخلو من تحذيرات. إذ يرى الباحث التربويّ علي أسعد وطفة، أنّ الذكاء الاصطناعيّ "يستحوذ على التعليم، ويستولي على عقول الأطفال والناشئة" (وطفة، 2025)، مُحذّرًا من أنّ الأنظمة التعليميّة التقليديّة تواجه تحدّيات وجوديّة، قد تُهدّد بُنيتها ومضامينها. فالتكنولوجيا، بالرغم من إمكاناتها، قد تدفع المتعلّمين خارج طبيعتهم الإنسانيّة، إذا لم تُضبَط تربويًّا وأخلاقيًّا.
وفي السياق ذاته، يذهب الأكاديميّان خوسيه أنطونيو بوين وإدوارد واتسون في كتابهما "التعليم بالذكاء الاصطناعيّ" (Teaching with AI)، إلى أنّ الذكاء الاصطناعيّ "لم يَعُد مجرّد أداة مساعدة، بل أصبح قادرًا على توليد أفكار وتحليلات معقّدة" (Bowen & Watson, 2024)، ما يستدعي إعادة تعريف مفهوم الإبداع الأكاديميّ، ووضع معايير جديدة لتقييم الأعمال الفكريّة. ومع ذلك، يُشدّدان على أنّ الذكاء الاصطناعيّ لا يمكن أن يكون بديلًا من القدرة البشريّة على الابتكار والتفكير النقديّ، بل يجب اعتباره شريكًا يُعزّز إمكانيّات الإنسان، ويوفّر له أدوات غير مسبوقة للتطوير والإنتاج المعرفيّ.
من "ماذا" إلى "لماذا" و"ماذا لو"
لم يَعُد الإبداع البشريّ يُنافس الذكاء الاصطناعيّ في سرعة إنتاج المحتوى أو تنظيم البيانات، بل يجب أن يتحوّل إلى مستوى أعلى من الإبداع الوجوديّ والسياقيّ. بينما يُنتج الذكاء الاصطناعيّ لوحة فنّيّة بناءً على مليون صورة، يأتي الإبداع البشريّ من رغبة الفنّان في التعبير عن ألمه أو فرحه أو رؤيته إلى العالم. الإبداع البشريّ يمثّل القدرة على طرح أسئلة غير متوقّعة: "ماذا لو جمعنا بين الفلسفة القديمة وأزمة المناخ؟" أو "كيف يمكن للشعر أن يصف شعورًا لم يُوصَف من قبل؟" هنا، يصبح دور المعلّم قيادة الطلّاب إلى مناطق التفكير "غير المأهولة" التي تفتقر إليها قواعد بيانات الآلة.
الذكاء الاصطناعيّ بوصفه "خصمًا تدريبيًّا" وليس عدوًّا
في ظلّ التحوّلات الرقميّة المتسارعة، لم يَعُد الذكاء الاصطناعيّ مجرّد تقنيّة مساعدة، بل أصبح جزءًا من البيئة التعليميّة ذاتها. وبينما يخشى البعض أن يحلّ محلّ التفكير البشريّ، يرى تربويّون ومختصّون أنّه يمكن توظيفه بوصفه "خصمًا تدريبيًّا" لا عدوًّا. فبدلًا من أن يُنظر إليه على أنّه منافس للإبداع، يمكن للمعلّمين استخدامه لتحفيز الطلّاب على التفكير النقديّ، والتمييز بين الإنتاج الآليّ والبشريّ.
تخيّل أن تُطلَب إلى الطلّاب كتابة مقال حول قضيّة معيّنة، ثمّ يُنتج الذكاء الاصطناعيّ مقالًا آخر في الموضوع ذاته. يُطلَب إلى الطلّاب بعدها مقارنة العملين وتحليل الفروق: أين كانت لمسة الإنسان؟ أين تجلّى العُمق العاطفيّ؟ وأين ظهر الربط غير المتوقّع؟ هذه العمليّة لا تُعلّم الطلّاب النقد فحسب، بل تُظهر لهم قيمة إبداعهم الفريدة بشكل ملموس، وتحوّل الآلة إلى محفّز ذهنيّ يُعيد شحن العقل البشريّ.
وتتقاطع هذه الفكرة مع رؤية المستشارة التربويّة تهاني ياسين، والتي تؤكّد أنّ دمج الذكاء الاصطناعيّ في التعليم يتطلّب استراتيجيّة تربويّة واضحة، تبدأ من بناء الوعي الرقميّ، وتنتهي بإشراك الطالب والمعلّم في استكشاف الأداة ومناقشة نتائجها (أسما، 2025). فحين يُستخدَم الذكاء الاصطناعيّ لتوليد محتوى يُحلَّل ويُناقَش، يتحوّل من تقنيّة صامتة إلى شريك في التعلّم، يُعزّز التفاعل ويُعيد تعريف الإبداع بوصفه قدرة بشريّة على التمييز والتأويل.
إبداع "ما بعد الذكاء الاصطناعيّ": التركيز على المهارات الإنسانيّة الفائقة (Hyper-Human Skills)
إذا كان الذكاء الاصطناعيّ قد أتقن المهارات التقنيّة، وأصبح قادرًا على تنفيذ مهامّ معقّدة بكفاءة عالية، فإنّ مستقبل التعليم لا بدّ أن يُوجّه تركيزه نحو المهارات الإنسانيّة الفائقة، والتي تظلّ حكرًا على العقول البشريّة. من بين هذه المهارات يتصدّر التعاطف العميق القائمة، وهو القدرة على فهم المشاعر المعقّدة والسياقات الثقافيّة والاجتماعيّة التي تُنتجها، وهو جانب يختصّ به الإنسان من دون الآلة. إلى جانب ذلك، تأتي الحكمة التي تتمثّل في توظيف المعرفة برؤية أخلاقيّة وبآفاق طويلة الأمد، وليس فقط لتحقيق نتائج فوريّة أو حلول مؤقّتة. كما إنّ القيادة الوجدانيّة تمثّل مهارة جوهريّة، إذ تنطوي على قدرة الإنسان على تحفيز الآخرين وإلهامهم، لا سيّما في ظروف غامضة وغير مؤكّدة، يصعب فيها الاعتماد على البيانات وحدها. وأخيرًا، يبرز الفضول الوجوديّ، أي السعي المستمرّ لفهم الأسئلة الكبرى المتعلّقة بالحياة والهدف والمعنى، وهي تلك الأسئلة التي تظلّ خارجة عن نطاق قدرة خوارزميّات الذكاء الاصطناعيّ، ما يؤكّد أهمّيّة هذه المهارات في تشكيل مستقبل التعليم والإنسانيّة نفسها.
ولتوضيح هذه المهارات في سياق تطبيقيّ مدرسيّ، يمكن تصوّر مشروع تعليميّ ثانويّ بعنوان "رحلة إلى الذات والآخر"، يهدف إلى تنمية المهارات الإنسانيّة الفائقة في مراحل متعدّدة. يبدأ المشروع بمقابلات مع أفراد من خلفيّات متنوّعة لتعزيز التعاطف، ثمّ مناقشة قضايا أخلاقيّة معقّدة لتفعيل الحكمة، يليه تكليف طالب بقيادة الفريق لتجسيد القيادة الوجدانيّة، وأخيرًا كتابة مقالات تأمّليّة لتعزيز الفضول الوجوديّ. يهدف هذا النموذج إلى إعادة تعريف المدرسة بوصفها مكانًا لتشكيل الإنسان، وإعداد جيل قادر على مواجهة تحدّيات المستقبل، متجاوزًا حدود التقنيّة، ومستندًا إلى عُمق إنسانيّ وأخلاقيّ وفلسفيّ لا يمكن تقليده رقميًّا.
التقييم في عصر الذكاء الاصطناعيّ
أصبح تقييم الإبداع بناءً على المنتج النهائيّ، مثل مقال أو لوحة فنّيّة أو تصميم، أمرًا بالغ الصعوبة، في ظلّ قدرة الآلة على إنتاج هذه الأعمال ذاتها. لذلك، من الضروريّ أن تتحوّل أنظمة التقييم إلى التركيز على عمليّة الإبداع ذاتها، وليس فقط على النتيجة النهائيّة. يمكن تحقيق ذلك باعتماد مقابلات المنطق التي تُتيح مناقشة الطالب حول رحلته الإبداعيّة، مُستفسرين عن أسباب اختياره طرقًا معيّنة، والبدائل التي فكّر فيها، وكيف توصّل إلى الفكرة الأساسيّة. إضافة إلى ذلك، يصبح حفظ المسوّدات وعمليّات التفكير جزءًا لا يتجزّأ من التقييم، ما يعكس تطوّر الفكرة وتعمّق الطالب في تجربته. كما ينبغي تبنّي التقييم القائم على المشاريع طويلة الأمد، والتي تُوثّق تطوّر الفكرة من مجرّد بذرة إلى ثمرة متكاملة، فتُبرز بذلك مسار التفكير والابتكار المستمرّ، بدلًا من التركيز فقط على المنتج النهائيّ. في درس الفنون، على سبيل المثال، يُطلَب إلى الطالب تطوير مشروع بصريّ طويل الأمد، يبدأ بمسوّدة أوّليّة، ويخضع لتعديلات متعدّدة. يُجرى معه حوار حول اختياراته الفنّيّة، والبدائل التي فكّر فيها، وكيفيّة تطوّر الفكرة. وهكذا، يُقيَّم بناءً على عُمق تفكيره ومسار تطوّره، لا على اللوحة النهائيّة وحدها، ما يعكس فهمه الحقيقيّ لعمليّة الإبداع.
تحدّي الأخلاقيّات
يطرح الذكاء الاصطناعيّ أسئلة أخلاقيّة يجب أن تكون في صُلب العمليّة التعليميّة الإبداعيّة: من يملك إبداعًا أسهم الذكاء الاصطناعيّ في إنتاجه؟ ما التحيّزات الخفيّة في البيانات التي دُرّب عليها الذكاء الاصطناعيّ، والتي قد تُكرّسها أعماله "الإبداعيّة"؟ كيف نضمن أن يظلّ إبداعنا البشريّ في خدمة الإنسانيّة، وألّا يُوظَّف لأغراض ضارّة بمساعدة أدوات أكثر كفاءة؟ تعليم الإبداع اليوم يعني أيضًا تعليم المسؤوليّة الإبداعيّة، والوعي النقديّ بتقنيّاتنا.
الإبداع جوهر التعلّم
في الختام، أحبّ أن أُبيّن أنّ تحفيز الإبداع لدى المتعلّمين لا يتمّ بالتلقين، بل عبر إثارة الفضول، والاحتفاء بالخطأ باعتباره جزءًا من التعلّم، ودمج النظريّة بالتطبيق، والعقل بالوجدان. يجب ألّا يكون الطالب مُستهلكًا للمعرفة، بل مُنتجًا لها، مُشاركًا في صياغتها، ناقدًا لها، ومؤثّرًا فيها.
أمّا تعليم المعلّمين كيف يُعلّمون الإبداع، فهو ممكن، لكنّه يتطلّب إعادة تعريف جذريّة لدور المعلّم. لم يَعُد المعلّم ناقلًا للمعلومة، بل صار مُيسّرًا للتفكير، وشريكًا في البحث، وحارسًا للقيم. وهذا يستدعي تغييرًا في المناهج التي تُدرَّس للمعلّمين أنفسهم، وتوفير مساحة للتجريب والتأمّل، لا مجرّد تطبيق تعليمات جاهزة.
المناهج التي تحترم الزمن وتبتعد عن التلقين، تطرح أسئلة بدلًا من أن تقدّم إجابات، وتربط التعلّم بالحياة لا بالامتحان، وتدمج بين المهارات المعرفيّة والوجدانيّة والاجتماعيّة، وتُبنى على مشاريع لا على حفظ نصوص. وكما تشير مقالة منشورة في موقع "منهجيّات"، فإنّ "الذكاء الاصطناعيّ لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره بديلًا عن المعلّم، بل أداة تكامليّة تدفعنا إلى إعادة النظر في أسئلتنا التعليميّة، والتأمّل في أيّ نوع من المعلّمين نطمح أن نكون" (بيطار، 2025).
***
الذكاء الاصطناعيّ غيّر قواعد اللعبة، لكنّه لم يُلغِ الحاجة إلى الإنسان المُفكّر والمُتأمّل والمُبدع. ربّما لم نَعُد بحاجة إلى تعليم "كيف نحلّ المسألة"، لكنّنا ما زلنا بحاجة إلى تعليم "لماذا نحلّها؟" وما الذي تعنيه لنا، وما الذي يمكن أن نفعله بها في عالم يتغيّر أسرع ممّا نتصوّر.
إنّنا لا نقف اليوم أمام تحدّ تقنيّ فحسب، بل أمام اختبار حقيقيّ لإنسانيّتنا التربويّة: هل نكتفي بمراقبة الذكاء الاصطناعيّ وهو يُعيد تشكيل المعرفة؟ أم ننهض بدورنا لنعيد تشكيل التعليم ذاته؟ الإبداع ليس رفاهيّة تربويّة، بل جوهر وجودنا معلّمين ومتعلّمين. وإذا كان الذكاء الاصطناعيّ قد علّمنا كيف نُسرّع الإجابة، فإنّ مسؤوليّتنا الأخلاقيّة والتربويّة هي أن نُبطئ قليلًا لنعيد طرح السؤال، ونعلّم الجيل القادم كيف يُفكّر، لا فقط كيف يُجيب.
فلنُعلّم أبناءنا أنّ الإبداع لا يُستعار من آلة، بل يُولَد من شغف، ومن شكّ، ومن تجربة، ومن حلم. ولنعلّم معلّمينا أنّ دورهم لم ينتهِ، بل بدأ من جديد، أكثر عُمقًا، وأكثر مسؤوليّة. فالمستقبل لا يُكتَب بالخوارزميّات وحدها، بل يُصاغ بالعقول التي تجرؤ على السؤال، وبالقلوب التي تؤمن أنّ التعليم ما يزال أداة للتغيير، لا مجرّد وسيلة للتكيّف.
المراجع:
- فيّاض، معد. (2025). الأكاديميّ تحسين الشيخليّ لرووداو: الذكاء الاصطناعيّ شريك معرفيّ وليس بديلًا عن الإنسان. رووداو.نت.
- وطفة، علي أسعد. (2025). إرهاصات التعليم في زمن الذكاء الاصطناعيّ. صحيفة المثقّف.
- أسما، روان. (2025). المعلّمون ومدرسة 2026: كيف يتحوّل الذكاء الاصطناعيّ إلى فرصة؟ النهار.
- بيطار، هيا. (2025). التعليم والذكاء الاصطناعيّ: شراكة مبتكرة أم تحدٍّ للذكاء البشريّ؟ منهجيّات.
- Bowen, J. A., & Watson, C. E. (2024). Teaching with AI: A practical guide to a new era of human learning. Johns Hopkins University Press.




نشر في عدد (23) شتاء 2026