قيادة التعليم الجامع في المدرسة: تجربة ميدانيّة
قيادة التعليم الجامع في المدرسة: تجربة ميدانيّة
نضال جوني | متخصّصة في التربية، ومدرّبة في مشروع تمام-لبنان

يقدّم هذا المقال وصفًا استكشافيًّا للممارسات القياديّة لمديرَيْن تعاقبا على إدارة مدرسة حكوميّة في لبنان قبل مساهمة مشروع تمام، مبيّنًا كيف ساعد المشروع في نقل مفهوم التعليم الجامع من المناصرة والمبادرة الفرديّة، ليصبح ركيزةً أساسيّةً في الثقافة التنظيميّة للمؤسّسة من أجل تحقيق التطوير المدرسيّ المتّصف بالاستدامة.

كذلك، يقدّم المقال عرضًا مختصرًا لدراسة اعتمدت الاستقصاء السرديّ، وتناولت تحليلًا معمّقًا لممارسات المديرَين، مواقفهما، وتحدّياتهما في محاولتهما لبناء مدرسة جامعة تعزّز المساواة والعدالة الاجتماعيّة. تضمّنت أدوات جمع البيانات لهذه الدراسة مقابلات فرديّةً مع مديرَيْ المدرسة، بالإضافة إلى أداة الملاحظة، وتقارير سير العمل الموثّقة. حوّلت البيانات من المقابلات من العامّيّة اللبنانيّة إلى الفصيحة لغرض النشر.

 

التعليم الجامع والقيادة التحويليّة

في محاولة لبناء مدارس تعزّز المساواة والعدالة الاجتماعيّة، ظهر مفهوم التعليم الجامع. وأصبح بناء مدارس جامعة مظهرًا من مظاهر تطبيق العدالة الاجتماعيّة في التعليم، وبات من الأولويّات في العديد من البلدان حول العالم استجابةً إلى "خطّة التنمية المستدامة لعام 2030". يسعى مناصرو التعليم الجامع إلى التغلّب على الحواجز التي تعيق تعلّم الطلّاب جميعهم بغضّ النظر عن خصوصيّة قدراتهم، مؤكّدين أنّ التعليم الجامع ليس غايةً في حدّ ذاته، بل هو سلسلة مستمرّة من الأفعال المقصودة لتحويل المدارس إلى بيئات يعامل فيها الأطفال بعدالة، وتعطى فيها الفرص والخبرات التعليميّة بتساوٍ للطلّاب جميعًا، إلّا أنّ ذلك ليس بالأمر السهل، والإداريّون الذين يحاولون فعل ذلك لا ينجحون دائمًا.

تشير البحوث (Ryan, 2010) إلى أنّ ذلك يعود لأسباب كثيرة، منها أنّ قادة المدارس يعملون في أنظمة هرميّة تجعلهم يدعمون عن غير قصد صورًا مختلفةً من الإقصاء والعزل، عوضًا عن تحدّي الحواجز التي تحول دون التعليم الجامع، وأنّ اعتماد هذه المقاربة يحتّم وجود تحدّيات إضافيّة زادت من واجبات المدير، والأعمال المنوطة به. هذا بالإضافة إلى صعوبة الابتعاد عن الأعراف الراسخة، وإدخال ممارسات جديدة غير مألوفة.

ارتبط نجاح اعتماد التعليم الجامع ارتباطًا وثيقًا بموقف المدير الإيجابيّ والتزامه مفهوم الدمج (Praisner, 2003). ومع أهمّيّة دور القائد التعليميّ في تحويل المدارس لتكون بيئات جامعةً، فإنّ الدراسات أطّرت القيادة للمدارس الجامعة ضمن قيادة التغيير (PoonMcBrayer, 2017). ونظرًا لكون القيادة الجامعة (Inclusive Leadership) عمليّةً جماعيّةً، لا ممارسةً هرميّةً، فقد أُطّرت حاليًّا بوصفها نهجًا تحوّليًّا إصلاحيًّا، وظاهرة تغيير على مستوى المدرسة كلّها.

 

موجز عن المدرسة ومديرَيْها

المدرسة هي إعداديّة تقع في منطقة ريفيّة نائية من لبنان، وقد تعاقب على إدارتها مديران: المدير السابق قبل بدء مشروع تمام، والمديرة الحاليّة التي واكبت مشروع تمام منذ بداياته في المدرسة في العام 2016. بدأ مشروع الدمج المدرسيّ عندما وافق المدير السابق على استقبال طلّاب لديهم إعاقات رُفضوا من المدارس الخاصّة المحيطة، وقد تقدّموا إلى المدرسة الحكوميّة لأنّها مجّانيّة، علمًا بأنّ الهدف لم يكن حينها تعليمهم، بل: "أن ترتاح الأمّ منه دون أن يكلّفها ذلك مالًا" بمقتضى قول المدير. تنوّعت احتياجات هؤلاء الطلّاب بين إعاقة سمعيّة، وجسديّة، وصعوبات تعلّميّة: "هذه الإعاقات كانت تَحُدّ من إمكانيّاتهم لأن يتعلّموا مع أقرانهم في المدرسة العاديّة، وقد كانوا من نصيبنا" كما عبّر المدير، لكنّ وجودهم في الصفوف العاديّة أنتج ضغطًا على المعلّمين لعدم وجود التدريب والتخصّص اللازمَيْن، فكان المدير يواجه تحدّيات دمجهم بنفسه، ويحلّ "المواضيع بالتي هي أحسن، وبالموجود". وعند سؤاله: لماذا وافقت على استقبالهم؟ أجاب: " كنت أشعر أنّني أنجز شيئًا له أهمّيّته مع هؤلاء الأولاد، لقد أخرجتهم من العتمة، وفي النهاية هذا حقّهم في التعلّم".

تعاوُن المدير السابق مع طبيب من المجتمع المحلّيّ ساعده في توجيه هؤلاء الطلّاب، بعد إنهائهم الصفّ السادس، إلى جمعيّات ومراكز متخصّصة في العاصمة بيروت لرعايتهم وتعليمهم. لكنّ مشقّة الانتقال إلى بيروت، وابتعاد الأطفال عن ذويهم ألهَمَا المدير والطبيب التواصلَ مع جمعيّة تُعنى بالتربية المتخصّصة لترعى افتتاح صفّ لهم في المدرسة وتتابعه.

بعد افتتاح الصفّ الدامج، بدأ التلاميذ يأخذون حصصًا مشتركةً مع التلاميذ العاديّين كلّما سنحت الفرصة لذلك (حصص فنون، ورياضة...)، وتابع مدير المدرسة توطيد علاقاته بالجمعيّات المتخصّصة لتطوير خدمة الدمج المدرسيّ. كما حافظ المدير على علاقته بالطبيب لتأمين احتياجات الطلّاب، وكان على تواصل دائم مع جميع العاملين والشركاء لحشد تأييدهم لهذا الموضوع: "كنت دائمًا أتحدّث في لقاءاتي عن موضوع الدمج، في اجتماعاتي مع الأهالي، أرى أحدًا من الخارج فأخبره عن الموضوع…".

بنى المدير علاقةً قويّةً بالأهل والمجتمع المحلّيّ، واستثمرها لتحسين سمعة المدرسة: " كنت أحمّسهم على الكلام عن الموضوع أمام الأهالي... خبروا عن المدرسة وما تقوم به... أنا عزّزت مجلس الأهل، جنّدت 9 نسوة للشرح عن المدرسة وتأمين مال أو وقود لها... مجلس الأهل استخدمته كإذاعة".

ضمن هذا الإطار، وحرصًا منه على استمرار هذه الخدمة بعد إحالته للتقاعد، أرسل معلّمتَين لحضور دورات تخصّصيّة حول الصعوبات التعلّميّة، لتكون إحداهنّ مديرة المدرسة لاحقًا. أمّا اختيارها حَسَب ما برّر المدير، فكان لسببين: أوّلًا، لصغر عمرها مقارنةً بباقي الجسم التعليميّ الهَرِم. ثانيًا: لأنّها معلّمة أحسنت دمج الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصّة في صفّها.

في السنة الأولى لبدء عمل المديرة الجديدة، دخلت المدرسة في شراكة مع مشروع تمام، واختارت أن يكون مشروعها التطويريّ الدمجَ المدرسيّ، لتتحوّل هذه القضيّة من المناصرة الفرديّة إلى مشروع إصلاحيّ، وتغيير تحويليّ في ثقافة المدرسة وتنظيمها.

 

القيادة الجامعة قبل تمام

في المرحلة التي سبقت الشراكة مع تمام، ناصر المدير السابق الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة لأنّه آمن بحقّهم في التعلّم: "لم أكن أقول لأحد من هذه الفئة: لا؛ لأنّني كنت أعدّ هذا حقّهم في التعلّم"، ولأنّه أراد أن يترك أثرًا: "لم أرغب في أن آتي إلى المدرسة، وأتركها دون أن أترك أثرًا".

بالرغم من تميّز هذه التجربة، فقد اتّسمت بتحدّيات عديدة، استطعنا أن نستنتجها من المقابلات، وممّا ورد على لسان المدير، وهي كالآتي:

  • معرفة سطحيّة غير متخصّصة بالأطفال الاستثنائيّين، وكيفيّة تعليمهم: "استقبلنا ولدًا أصمَّ، كنّا نتعامل معه بالحركات التي نعرفها نحن، لا الحركات المتخصّصة المتعارف عليها في لغة الإشارة".
  • علاقة مباشرة بين الأهل والمعالجين المتخصّصين دون مشاركة المدرسة في أخذ القرارات، أو في إدارة هذه العلاقة.
  • ضعف في تمكين المعلّم فنّيًّا عبر الدورات التدريبيّة على مواضيع متّصلة بالأطفال ذوي الصعوبات التعلّميّة.
  • الاعتماد على المعالج المتخصّص لأنّه الخبير صاحب المعرفة، ولرأيه الثقل الأكبر فيما خصّ قرارات التعليم المتعلّقة بالطفل الاستثنائيّ.
  • غياب سياسة مكتوبة فيما يخصّ الكشف عن الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة والتعرّف إلى احتياجاتهم بعد التحاقهم، وتتبّع مسارهم التعليميّ؛ إذ كانت كلّ الممارسات فطريّةً تصدر عن المدير وترتبط به.
  • غياب الشراكة أو الدعم من قبل الوزارة والاعتماد كلّيًّا على الدعم والمساندة المقدّمة من جمعيّات أهليّة متخصّصة في مجال التربية الخاصّة.
  • غياب التوثيق خلال هذه المرحلة، والاكتفاء بذاكرة المدير والعاملين في المؤسّسة، مع أنّها تجربة فريدة يمكن البناء عليها. وقد صرّحت المديرة الجديدة بأنّ "كلّ ما نقله لي المدير السابق كان شفهيًّا، لم يكن ثمّة أيّ شيء مكتوب".

مقابل هذه التحدّيات فقد توفّر نوعان من الدعم للمشروع، على النحو الآتي:

  • الشراكة مع الطبيب لتأمين احتياجات الطلّاب، وهي مشابهة للعلاقة التاريخيّة التي ربطت بين الأطبّاء وتربية أصحاب الإعاقات قبل أن تُعتمد التربية الخاصّة لهؤلاء الأطفال بعيدًا عن ميدان الطبّ.
  • العلاقة القويّة بالأهل والمجتمع المحلّيّ، وإن كانت لم تتطوّر إلى شراكة حقيقيّة، بل كانت أداةً لتحقيق سمعة طيّبة للمدرسة: "دعاية أكثر منها شراكة" حسب قوله.

 

القيادة الجامعة بعد تمام

مع استلام المديرة الجديدة عملها، بدأت المدرسة مرحلة التغيير التحوّلي مع مشروع تمام، وقد استمرّت المرحلة أربع سنوات. اختارت المدرسة أن يكون مشروعها التطويريّ مأسسة الدمج المدرسيّ وتحسينه. خطّة المأسسة هذه تضمّنت توثيق الممارسات الحاليّة الناجحة، إلى جانب وضع غايات التطوير، التي أفضت بدورها إلى كتابة سياسة الدمج التربويّ وآليّته في المدرسة، وتمكين المديرة وأعضاء الفريق القياديّ من الممارسات القياديّة الجامعة، والمعارف المتّصلة بها.

خلال العمل، ظهرت تغييرات جذريّة على مستوى الممارسات، والتنظيم المؤسّسيّ مشتقّة من المقابلات، وهي على النحو الآتي، مع ما ورد على لسان المديرة:

  • تمكين العاملين من كفايات تمام، وتطوير قدراتهم القياديّة، لا التعليميّة فقط، ومنها القرارات المستندة إلى الأدلّة والحاجات، والتعلّم التجريبيّ، والتوثيق: "هذه الممارسات صارت، نوعًا ما، متجذّرةً فينا".
  • تحوّل في الهويّة القياديّة حيث أصبحت المديرة قائدًا تعليميًّا خبيرًا، منخرطةً في الإشراف على عمل المعلّمين بتكثيف حضور الحصص، مستفيدةً من المشاهدات في تطوير الممارسات التعليميّة بناءً على الأدلّة: "أصبحت أحضر أكثر في الصفوف، أصبحت على صلة بمعلومات دقيقة عن العمليّة التعليميّة".
  • بروز الدور التنسيقيّ للمدرسة، وتولّيها مسؤوليّة إدارة العلاقة بين الفريق المتعدّد التخصّصات وأهل الطلّاب ذوي الاحتياجات الخاصّة.
  • تحوّل في المعرفة المرتبطة بالتربية الخاصّة، لتصبح معرفةً عميقةً، بالإضافة إلى نشر هذه الثقافة والمعرفة في مستويات المدرسة كلّها: " كنت أتكلّم عن الموضوع بطريقة سطحيّة، الآن صار عندي عمق بالموضوع ".
  • تبنّي الكادر التعليميّ كلّه مسؤوليّة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة: "صار الكلّ يحمل المسؤوليّة، وليس فقط المدير".
  • إعداد آليّة موثّقة لتنظيم عمليّة التعليم الجامع وإجراءاته من الكشف عن الطفل الاستثنائيّ، والتعرّف إليه، إلى تقييم خطّته الفرديّة، والتعديل عليها. هذه الآليّة شملت مواقع تنظيميّة مختلفة، وأخرجت الممارسات الجامعة من كنف المدير لتجعل منها ممارسةً ممنهجةً مستمرّةً موثّقةً، وصدرت في دليل عمليّ: "أصبحنا نتّبع منهجًا".
  • تعزيز الشراكة مع العاملين في المدرسة كلّهم لتحسين الممارسات الدامجة: "كنت أسمح لهم أن يشاركوني... ليس ممكنًا أن تتبنّى فكرة إن لم تكن مشاركًا فيها... صبرت عليهم ليقتنعوا".
  • نشر ثقافة مؤسّسيّة وبناء مناخ مؤسّسي يساهم في تحقيق التعليم الجامع: "حتّى لو أحيلت المعلّمات الكبار في السنّ إلى التقاعد وأتى غيرهنّ، ستبقى ثقافة الدمج؛ لأنّنا سنكون حريصين على إيصالها لهنّ".
  • تطوّر في علاقة الأهل، والمجتمع المحلّيّ بالمدرسة من أجل التحوّل إلى شراكة حقيقيّة: "الأهل أصبحوا يتواصلون معنا إذا ما توفّرت موارد لديهم، أو شعروا أنّهم يستطيعون تقديم الخدمة".

 

تحدّي الاستدامة

تحدّيّات كثيرة، مع كلّ ما تحقّق، ما زالت تهدّد استدامة التعليم الجامع في المدرسة، منها عدم وجود خطّة بعيدة المدى لدى الوزارة للمدارس الحكوميّة الجامعة، والحاجة لخبير يمكن اللجوء إليه عند بروز تحدٍّ جديد، وعدم وجود بنية تحتيّة جامعة، وعدم تزويد المدارس الحكوميّة بتجهيزات أو تكنولوجيا مساندة، وعدم وجود قوانين وتشريعات تنظّم انخراط ذوي الاحتياجات الخاصّة في المدارس العاديّة، وتضمن حقّهم بالوصول إلى التعليم.

مّما تقدّم، يتبيّن أنّ الخطوات الممنهجة التي أخذتها المدرسة في مشروعها الإصلاحيّ التجديديّ أسّست لاستدامة التعليم الجامع بما يتخطّى وجود المناصرة الفرديّة، على أهمّيّتها، أو غيابها. ولا شكّ أنّ المهارات والكفايات التي اكتسبتها القيادات التعليميّة في هذه المدرسة ستمكّنها من الاستجابة الصحيحة الدائمة للأطفال، وتضمن حقّهم في الحصول على التعليم، والانخراط، والمشاركة بصورة عادلة في البيئة المدرسيّة.

 

المراجع

  • Poon-McBrayer, K.F. (2017). School leaders’ dilemmas and measures to instigate changes for inclusive education in Hong Kong. Journal of Educational Change,18, 295-309.
  • Praiser, C. L. (2003). Attitudes of elementary school principals toward the inclusion of students with disabilities. Exceptional Children,69(2), 135-145.
  • Ryan, J. (2010). Establishing inclusion in a new school: the role of principal leadership. Exceptional Education International,20(2),6-24.