قصّتي مع محمّد: "علينا أن نثابر بالرغم من صعوبة بعض المواقف"
قصّتي مع محمّد: "علينا أن نثابر بالرغم من صعوبة بعض المواقف"
جنفياف أوديه | أستاذة في قسم إدارة التعليم والتكوين المتخصص جامعة كيبيك - كندا

نستمع في هذا المقال إلى صوت ستيفاني، معلّمةً للصفّ السادس في المرحلة الابتدائيّة في إحدى المدارس التي تستقبل طلّابًا مهاجرين ولاجئين في مدينة مونتريال في مقاطعة كيبك الكنديّة. وقصّة ستيفاني هي جزء من بحث حول عمل المعلّمين في صفوف تتّسم بالتنوّع (Audet et al., 2018-2021). كيف يتمثّل المعلّم دوره في سياق كهذا؟ إلى أيّ درجة يعمل على تعديل ممارساته، وتوفير موارد متنوّعة بهدف تطوير بيئة داعمة للطلبة جميعهم، باختلاف ثقافاتهم وأعراقهم؟

يعود اختيارنا لهذه القصّة إلى سببين:

تشابه القصّة مع أيّة قصّة أخرى قد تحدث في أيّ صفّ في واحدة من المدارس في العالم العربيّ. ومكمن ذلك العلاقة التي تربط المعلّمة بطلّابها، العلاقة التي تتخطّى المنهج الدراسيّ، وتهدف إلى دعم الطالب على المستويات المعرفيّة واللغويّة والنفسيّة والعاطفيّة. من خلال رؤيتها للتعليم ودورها بصفتها معلّمة، تسرد لنا ستيفاني ما فعلته مع أحد طلّابها اللاجئين.

الصعوبات التي يعانيها الطالب اللاجئ أو النازح في أيّ من المدارس في العالم العربيّ، قد يعانيها أو يعاني غيرها بنسب متفاوتة لأسباب مختلفة الطالب ذو الوضع المشابه في مدارس في دول أجنبيّة، إذ يبدو، كما سنرى في هذه القصّة، أنّ هؤلاء الطلّاب تشغلهم مسألة الهويّة، وأزمة الانفصال عن الوطن، والتعلّق باللغة الأمّ، وتعلّم اللغة الثانية، بصورة تعيق سرعة تطوّرهم الدراسيّ.

لم نختر هذه القصّة لنجاحها، إذ إنّ قصص النجاح في التعليم نسبيّة، والمهمّ هو أن يعي المعلّم دوره في التعرّف على واقع طلّابه، وأن يعمل على دعمهم مستخدمًا أساليب مختلفةً قد تفرضها عليه الأزمة.

تروي لنا ستيفاني قصّتها مع محمّد، وهو طالب لاجئ من أصل سوريّ، كان قد انضمّ حديثًا إلى صفّها. ونشير إلى كوننا تركنا كلامها كما هو دون أيّ تعديل منّا، إلّا ما اقتضته ضرورات الترجمة. تتحدّث ستيفاني عن تجربتها مع محمّد، ومن ثمّ تسرد لنا تأمّلاتها حول هذه التجربة.

 

تجربتي مع محمّد

في بداية العام، عندما وصل محمّد إلى صفّي، شعرت أنّه منغلق على نفسه، ولا رغبة لديه في التواصل مع الطلّاب الآخرين. أعتقد أنّه كان يمرّ بالعديد من التقلّبات العاطفيّة التي تجلّت في عزلته، وتعبيرات وجهه، وابتسامته النادرة، وقلّة دافعيّته. من الناحية الأكاديميّة، اكتشفت أنّه يواجه صعوبةً في القراءة والكتابة.

كعادتي في بداية كلّ سنة دراسيّة، أعمل على تطوير بيئة صفيّة مناسبة لطلّابي، وأحاول أن أطوّر معهم علاقات إيجابيّةً. أهتمّ بسؤالهم حول لغتهم الأمّ، وهجرتهم، والبلد الذي أتوا منه. وكذلك كنت أفعل مع محمّد، سألته عن أمور تتعلّق بلغته وبلده، لكنّه لم يكن يجيبني، كان يرفض التحدّث في أيّ موضوع يتعلّق بلجوئه وحياته السابقة. شعرت أنّه "يفلت" منّي دون أن أتمكّن من تأسيس هذه العلاقة معه. كان يميل إلى عزل نفسه، وبالرغم من وجود طلّاب لاجئين سوريّين في المدرسة، لم يكن يبدو عليه أنّه يميل إلى تكوين صداقات. رفض مثلًا أن ينضمّ إلى فريق رياضيّ اقترحته عليه بعد أن لاحظت أنّه يملك مهارات متقدّمةً في الرياضة.

في البداية، شعرت بالعجز الشديد تجاه هذا الوضع. كانت هذه المرّة الأولى التي أختبر فيها موقفًا كهذا. وممّا زاد الأمر تعقيدًا، أنّ بقيّة المعلّمين والمرشدين في المدرسة ظنّوا أنّه يعاني من مشكلة سلوكيّة نفسيّة. لم أصدّق هذا؛ هناك شيء يجعله غير سعيد. كنت أبذل جهدًا، لأشرح لهم تصوّري عمّا قد يكون محمّد قد مرّ به مطالبةً إيّاهم بمنحه وقتًا ليتأقلم.

بعد محاولات كثيرة، تمكّنت من اختراق قوقعة محمّد. في مرحلة ما، كان على طلّابي أن يكتبوا نصًّا، فقرّرت أن أتحدّث إليه قبل إعطائهم هذه المهمّة الكتابيّة لعلمي أنّه لن يتمكّن من تنفيذها، ولفرط تعجّبي، أجاب عن تساؤلاتي هذه المرّة. أخبرني أنّه كان متميّزًا في صفّه في سوريّا، وأنّه ليس معتادًا على الإخفاق في دراسته. فهمت معاناته: منذ وصوله إلى كيبك، لم يكن قادرًا على إثبات كفاءته، لأنّ تعلّمه كان مرتبطًا بإتقان اللغة الفرنسيّة.  كان يفشل في تعلّم هذه اللغة، وأعتقد أنّ هذا الفشل يعود إلى رفضه لها، لا لعدم قدرته على ذلك.

بعد هذا النقاش، بدأ محمّد يطرح عليّ بعض الأسئلة البسيطة حول مفردات لا يفهمها في الصفّ. بسبب كوني فهمت مشكلته ومن أجل أن أدعمه أكثر، طلبت إليه أن يبدأ كتابة النصوص باللغة العربيّة، ومن ثمّ يترجمها إلى الفرنسيّة، وهذا أمر كنت أطلبه من طلّابي عادةً، لأساعدهم في التأقلم وتعلّم اللغة الفرنسيّة. رفض هذا الأمر في البداية، قائلًا: إنّه لا داعي لأن يفعل ذلك ما دام عليه تعلّم الفرنسيّة، وأضاف: إنّني في كلّ الحالات لن أفهم ما سيكتب. اضطررت إلى إقناعه أنّه أثناء كتابته باللغة العربيّة سيضع أفكاره على الورق، وأنّني وإن لم أتقن العربيّة، فأنا أثق به وبقدراته اللغويّة. أردت أن أشعره بتقديري له وللغته، وأن أمنحه فرصةً لإثبات كفاءته. كان في طور اكتساب اللغة الفرنسيّة، وشعرت بالإحباط لعدم تمكّنه من إظهار مهاراته الكتابيّة لي. افترضت أنّ كتابته باللغة العربيّة ستعيد له إحساسه بفاعليّته وثقته تجاه نفسه وقدراته.

لم أستسلم أبدًا. قرّرت أنّه عليّ أن أساعده في إتقان اللغة الفرنسيّة. كنت أكرّر دائمًا على مسمعه أنّه سينجح في تعلّم الفرنسيّة كما تعلّم العربيّة، وكان لهذه الاستراتيجيّة أثّر فيه. أصررت على تثمين لغته، وكنت أطلب منه أن يلفظ لي بعض الكلمات بالعربيّة، وأسأله عن مرادفات بعض الكلمات، أخذ مساحةً أكبر، لكنّه ظلّ مقتصرًا على هذا الموضوع.

تطوّر أداء محمّد قليلًا، وأعتقد أنّ ما ساعده على ذلك إدراكه أنّني لن أسلبه لغته الأمّ، وأنّني هنا لدعم نجاحه، لا لإجباره على تعلّم الفرنسيّة التي كان يرفضها.  لم يكن يريد أن يعبّر عن نفسه بهذه اللغة، لهذا لم يتكلّم. توصّلت إلى هذه النتيجة خلال عملي مع الطلّاب المهاجرين، بعضهم لا يريد تعلّم الفرنسيّة، ليس لأنّه لا يستطيع، لكن لأنّه يرفض ذلك. إنّه شيء عاطفيّ. لذلك، كان اكتساب اللغة هدفي الأوّل مع محمّد. أردت أيضًا مساعدته على الاندماج في مجتمعه من خلال تقديم موسيقا كيبيك وموسيقا فرنسيّة.

اعتمدت استراتيجيّات مختلفة معه بدءًا بتجزئة النصوص له ليفهمها، وإعطائه الكثير من نصوص الاستماع، وصولًا إلى دمجه ضمن مجموعات عمل صفيّة ليتعلّم الاستماع والحوار، مرورًا بالسماح له باستخدام خدمة الترجمة من "جوجل". حقيقةً، هذه المرّة الأولى التي يعطي فيها تنوّع الوسائل التي أضعها نتائج قليلة جدًّا. شعرت بالعجز في مواجهة افتقاره إلى الحافز، وإخفاقاته المتكرّرة، وتقدّمه البطيء.

أدرك أنّه ثمّة أمور أخرى تنقصنا معرفتها بصفتنا معلّمين، فنحن غير مجهّزين جيّدًا للتعامل مع "حداد ما بعد اللجوء" الذي يعاني منه بعض طلّابنا. كيف ندير كلّ هذا؟ عندما تهتمّ بأحد الطلّاب ويرفض التحدّث معك، ماذا يمكنك أن تفعل؟

في نهاية العام، وصل محمّد إلى مرحلة يمكنه الإجابة عن الأسئلة بتلخيص فهمه لما يقرأ. استخدمت كلّ ما أمكنني من وسائل لأقنعه بتعلّم اللغة الفرنسيّة. أذكر أنّني عندما التقيت بوالديه، أخبرتهما أنّ ابنهما بحاجة إلى أن يفهم أنّه لن يعود إلى سوريّا، ليس في المستقبل القريب على الأقلّ. وقلت لمحمّد: "والداك اتّخذا قرار المجيء إلى كيبيك، وإذا كنت تريد أن تكون مميّزًا كما كنت في المدرسة في سوريّا، فعليك أن تنجح هنا!"

 

تأمّلاتي حول التجربة

عندما أنظر إلى تلك التجربة الآن، أفترض أنّه كان بإمكاني العمل أكثر مع العائلة لمساعدتي في فهم محمّد. أشعر أنّني لو تمكّنت من الارتباط به، لكانت تجربته أكثر نجاحًا. تطوّرت علاقتنا على مدار العام، كان يأتي ليحدّثني ويسألني أسئلةً، لكنّه لم يأت يومًا ليحدّثني عن نفسه. كان ثمّة تطوّر في العلاقة، لكنّه الطالب الوحيد في مسيرتي المهنيّة الذي لم أتمكّن من الوصول إلى مكنوناته.

آلمني أن أراه يذهب نهاية العام دون أن ينظر إلى الوراء، وأن يغادر دون أن أبني علاقتي معه، لكنّني في الوقت نفسه كنت سعيدةً بإخباره أنّه اجتاز اختبارات وزارة التربية والتعليم، وأنّه سينتقل إلى المرحلة الثانويّة. لم يظهر أيّ ردّة فعل تجاه هذا.

أدرك أنّنا في التعليم لا نحصد سريعًا ثمار ما نزرعه. يأتي هذا لاحقًا في رحلة الطالب. أعلم أنّ تدخّلاتي مع محمّد أحدثت فرقًا معه، وأنّه أدرك أن تعلّم الفرنسيّة لم يكن على حساب لغته الأمّ. أعتقد أنّني جعلته يفهم تقديري لأهمّيّة موروثه، لكنّ الحداد على حياته السابقة كان طويلًا جدًّا. رحيله عن سوريّا والصعوبات في المدرسة في كيبيك، كلّ ذلك أصابه في العمق. ولهذا، أرى إنّنا يجب أن نهتمّ بصفتنا معلّمين لهذه الأمور. علينا أن نخترق الفقّاعة التي بناها الطالب حول نفسه، وألّا نحيل مشكلته إلى فشل أو مشاكل سلوكيّة؛ فالطلّاب المهاجرون لا يسمحون لنا دائمًا بالتعرّف إلى حياتهم السابقة وثقافتهم، ولكنّ هذا لا يعني أن نستسلم. هؤلاء الطلّاب يحتاجون إلى اهتمام زائد. هم لا يأتون إلى الصفّ أبدًا لإحداث مشاكل لمعلّميهم. في رأيي، ثمّة دائمًا شيء ما يختبئ وراءهم، وأعتقد أنّ أكثر ما يؤتي ثماره معهم هو محاولة اكتشافه؛ عندما لا يكون الطالب متحمّسًا، فثمّة سبب وراء ذلك. إنّها ليست مسألة كسلّ. لهذا، أكره أن أسمع بعض المعلّمين يقول: "هذا خطأ الوالدين! لا يدعمان الطالب بما فيه الكفاية!" علينا أن نركّز على ما يمكننا نحن فعله في الصفّ، دون الحكم على الأهل؛ لأنّنا لا نعرف ما يمرّون به.

في حالة محمّد، كان لديه بالتأكيد جروح عاطفيّة لا يمكنني تجاهلها، ويجب ألّا نتجاهل هذه الخلفيّة، وكلّ هذا الأثر الذي يمكن أن تحدثه في الطلّاب الجدد. علينا أن نأخذهم إلى حيث هم، وأن نجعلهم يتقدّمون وفقًا لذلك بطرائق تدريس فعّالة تغطّي احتياجات المجموعة. نجحت استراتيجيّاتي التي نفّذتها مع محمّد، لكن على نطاق أصغر مقارنةً بالطلّاب الآخرين. كان من الممكن أن أصاب بالإحباط بسهولة وأقنع نفسي أنّ هذا الطالب لن ينجح، وأوصي بأن يذهب إلى مسار خاصّ في المدرسة الثانويّة، لكنّني لم أفعل ذلك. كان بإمكانه بسهولة أن يقضي سنته في مؤخّرة الصفّ دون أن يزعجني أبدًا، لكنّني تابعته طيلة العام ولم أتخلّ عنه. علينا أن نثابر بالرغم من صعوبة بعض المواقف، جهودنا تؤتي ثمارها دائمًا، وإن لم تكن النتيجة استثنائيّةً أو فوريّةً.