ما الذي غيّرته الحروب والأزمات المُختلفة في العالم العربيّ، في نظرتكِ إلى التعليم؟
الحرب دمّرت التعليم، وتسبّبت في انقطاع المتعلّمين عن الدّراسة، كما حرمت المعلّمين من مزاولة عملهم، بل أكثر من ذلك. غيّبت وإلى الأبد، عددًا كبيرًا من المتعلّمين ومعلّميهم، وابتلعت بقسوة منقطعة النظير أعمارهم وأحلامهم وطموحاتهم في رمشة عين.
هناك فيديو شاهدته مرّة، يظهر فيه شخص أربعينيّ، يرتدي بذلة رسميّة، يقف أمام المايكروفون بمفرده، يرحّب بالمتعلّمين، ويخبرهم بأنّ العام الدّراسيّ قد بدأ، ويأمل أن يكونوا متجهّزين كعادتهم للدّراسة وطلب العلم. المحزن أنّه كان يتحدّث مع أطيافهم! كان يشعر بوجودهم على الرّغم من غيابهم الأبديّ! الفيديو عن غزّة، والدمار الّذي لحقها، ولحق جميع القطاعات فيها، على رأس ذلك التعليم.
ما الذي تتمنّين لو يعرفهُ صنّاع القرار عن واقع المعلّمين اليوم؟ ولماذا؟
آمل أن يعرف صنّاع القرار بأنّ قطاعنا ما زال فيه معلّمون ومعلّمات يعملون بضمير، ويقدّمون ما بوسعهم لإحداث نهضة حقيقيّة، وترك أثر طيّب في نفوس متعلّميهم، وصنع التغيير المأمول تدريجيًّا، وخلق واقع تربويّ تعليميّ مبهر ومشرّف. ومثل هؤلاء يستحقّون الإيمان بهم بكلّ ما تحمله هذه العبارة من معنى، فلن نستطيع إقناع جيل اليوم بمكانة المعلّم، إن لم نمنحه التّقدير والدعم الكافي والمطلوب.
هل ما زال الكتاب المدرسيّ مصدرًا أساسيًّا للتعليم في صفّك؟
أكيد، الكتاب المدرسيّ ما زال ضروريًّا في صفّي، وأعتبر هذا الأمر إيجابيًّا بصراحة. ربّما لأنّي أفضّل باستمرار ألا تطغى التّكنولوجيا بوسائلها المختلفة على حياتنا بصفة عامّة، وعلى التّعليم بصفة خاصّة. الكتاب الورقيّ المدرسيّ مهمّ جدًا، ومن الرائع أن يعود المتعلّم باستمرار إليه، وإن توافرت وسائل تعليميّة أخرى.
هل سبق وفكّرتِ بالاستقالة من المهنة؟ ما الذي جعلكِ تبقين؟
لم يحدث ذلك بصراحة. العمل في التعليم بالنسبة لي منحة واصطفاء، أمارسه بمحبّة بالغة، وأحبّ ما أعمل وأقدّم فيه، لذلك
لم تراود ذهني فكرة الاستقالة منه.
ما هي أهمّ المهارات التي يجب أن نُدرّب المتعلّم عليها في عصر الذكاء الاصطناعيّ؟
من أهمّ المهارات التي يجب أن ندرّب المتعلّم عليها في عصر الذّكاء الاصطناعيّ: تطوير مهارات المتعلّم في ما يتعلّق باستخدام تقنيّات الذّكاء الاصطناعيّ، وتوجيهه بطريقة مستمرّة على التكيّف مع البيئات التعلّميّة التفاعليّة، ولا سيّما في ما يرتبط بمسيرته التعلّميّة.
ما أهمّ استراتيجيّاتكِ في شدّ انتباه المتعلّمين؟
أعتمد على أكثر من استراتيجيّة لشدّ انتباه طلّابي. وأجد بفضل الخالق نتائج مبهرة، ما يسهّل عليّ مهامي، ويجعلني أخلق للمتعلّمين بيئة تحفّزهم على التعلّم والإنجاز والفهم والتفاعل. طبعًا أثناء فعلي لذلك، أراعي مسألة الفروق الفرديّة ، لذلك قد أعتمد في نشاط واحد على استراتيجيّات مختلفة، مثل استراتيجيّة التعلّم التعاونيّ. وأثناء ذلك أفتح لهم أحيانًا المجال لتقييم أعمال بعضهم البعض، ما ينمّي ملكة النقد عندهم. ويرتقي بذائقتهم الأدبيّة، ولكسر الرتابة، وخلق جوّ تعليميّ نشط، أستخدم أحيانًا فيديوهات ذات جودة، تتناسب والفئة العمريّة المستهدفة؛ مع الحرص أثناء ذلك كلّه على أداء دوري كاملًا، سواء في العمليّة التعليميّة، أو من ناحية مرافقتهم نفسيًّا بشكل يجعلهم يدركون أهمّيّة وجود المعلّم بقربهم، بعيدًا عن التّكنولوجيا، والذّكاء الاصطناعيّ، وأيّ شكل من أشكال التّعبير الجاف إن صحّ التّعبير.
هل ما زال تعبير "ضبط الصفّ" مناسبًا برأيك؟
تعبير "ضبط الصفّ" لم يعد مناسبًا برأيي، الأنسب قولنا: "الإدارة الصفّيّة الحديثة." فضبط الصفّ وحده، من دون خلق بيئة تعليميّة داعمة للتّعلّم، لن يحقّق لنا تعلّمًا فعّالًا. بالإضافة إلى كون تعبير "ضبط الصّفّ" تعبيرًا تقليديًّا، الإدارة الصّفيّة الحديثة أشمل وأوسع وأنجع، باعتبارها على حسب ما عرّفها بعضهم تعتبر جميع الخطوات والإجراءات التي تخلق بيئة صفيّة مثاليّة وملائمة، لإنجاح عمليتي التعليم والتعلّم، في مناخ تربويّ مناسب.
ما الذي يجعلك تضحكين في المدرسة على الرغم من الضغوط؟ ولماذا؟
ما يجعلني أضحك في المدرسة، على الرغم من الضغوط، محبّتي لما أعمل، وعلاقتي الطيّبة مع طلّابي.
أكثر مقال تربويّ أعجبك قرأتِه في صفّحات مجلّة منهجيّات أو غيرها، ولماذا أعجبك؟
أكثر مقال قرأته وأعجبني في صفحة مجلّة منهجيّات، مقال للزميلة "أسماء رمضان مصطفى" عنوانه "حتمًا سنعود"، كلّ كلمة قرأتها في المقال، شعر بها قلبي. أذكر بأنّي قرأته لمرّات عديدة، وبكيت في كلّ مرّة فعلت ذلك. ومن فرط تصوير زميلتنا لبشاعة الحرب، وصدقها في كلّ ما قالته، لوهلة شعرت بأنّها أمامي! امرأة فلسطينيّة جميلة، بملامح متعبة وحزينة، لكن ثابتة في الآن ذاته. لمست من خلال ما كتبته ألمها لفراق متعلّماتها ومدرستها، وتفانيها في ما تعمله. أُخبرها بمحبّة كبيرة، أنّها مبدعة، وأنّ كتاباتها منحت لها أجنحة، لتحلّق وتصل إلى القلوب، على الرّغم من المعاناة والحرب. وفي ذلك نوع من أنواع المقاومة، وشكل من أشكال الانتصار.
إذا كتبتِ يومًا كِتابًا عن تجربتك في التعليم، ماذا سيكون عنوانه؟ ولماذا؟
بصراحة أعمل منذ مدّة على فعل ذلك، وبحوله تعالى سيصدر لي كتاب عن أمور تتعلّق بالميدان الّذي أشتغل فيه. لكن، بحكم أنّكم سألتم عن تجربتي الشخصيّة في التعليم، فسأختار أن يكون بعنوان" عن تجربتي في التعليم، وأشياء أخرى." هذا العنوان للأمانة، كنت قد شاركت به معكم في تدوينة لي في المجلّة خاصّتكم سابقًا.


