عبد الله ماجد المكحل- مسؤول تدريب تربويّ- الأردن
عبد الله ماجد المكحل- مسؤول تدريب تربويّ- الأردن
2024/03/28

لو كنت طالبًا اليوم، كيف سيكون شكل التعليم الأحبّ بالنسبةِ إليك؟

شكل التعليم الأحبّ لدي هو التعلّم التعاونيّ الذي يجمع بين المهارات الأكاديميّة والاجتماعيّة، ويوفّر فرصًا لاكتساب المعرفة ومعالجتها، والتعبير عنها بلغة الطالب الخاصّة، مع دمج الطالب في محيطه الاجتماعيّ، من خلال مجموعات تعلّميّة قائمة على الدعم والمساندة.

"ننجو معًا أو نغرق معًا"، ما نفتقده اليوم في الغرف الصفّيّة، هو وقت للتعبير عمّا يكمن في نفوس طلّابنا. لذا، عندما ألاحظ الطلّاب في وقت الفرصة، الفسحة، أجدهم يتحرّكون بنشاط، ويتفاعلون متعاونين خلال اللعب، فأحدّث نفسي، لماذا ما أراه في الفرصة يختفي في الغرفة الصفّيّة خلال وقت الدرس؟

 

إلى أي مدى يمكن التوفيق بين تعليم المهارات الاجتماعيّة وتعليم المعارف العلميّة وفق البرامج التعليميّة الحديثة؟

يعتمد تعليم المهارات الاجتماعيّة على توفير هدف اجتماعيّ، يسير جنبًا إلى جنب مع الهدف الأكاديميّ. وهذا يتطلّب من المعلّم وعيًا بالأهداف الاجتماعيّة، وربطها بالتفاعلات الإيجابيّة بين الطلّاب، مثل مهارة التعزيز، وطلب المساعدة، ومهارة الاتّفاق وتقريب وجهات النظر، وهذا يتطلّب شرح المهارات ونمذجتها، والتدريب عليها قبل تكليف الطلّاب بتنفيذها، ثمّ متابعتها خلال التنفيذ، وتقييم الأداء على المستوى الفرديّ والمجموعة.

وفي جانب آخر يتعلّق بهذه الإجابة، أصبحت أهمّيّة تنمية مهارات اجتماعيّة لدى الطلّاب مرتفعة، في ظلّ التفاضل الاجتماعيّ الذي نتج عن التغيّر الاجتماعيّ، المتأثّر بتطبيقات التقنيّة التي توفّر بديلًا عن التواصل الحقيقيّ، المنتج للمشاعر الإيجابيّة والمعرفة.

 

كيف تحدّد أهمّيّة دورك، معلّمًا، أمام ما يشهده عصرنا من ثورة الذكاء الاصطناعيّ؟

اتّجاهات الطلّاب نحو التعلّم هي التي تحدّد إجابة هذا السؤال. للأسف، يميل بعض الطلّاب إلى استثمار التقنية بما يحقّق لهم الراحة؛ لأنّهم ينظرون إلى التقنية على أنّها مجرّد ضغطة زرّ تحقّق ما طلبه المعلّم منهم. لذا، دوري هو استثمار هذه التقنية، بما يحقّق للطالب تفعيل خلاياه العصبيّة، ومعالجة المعرفة ونقدها. الذكاء الاصطناعيّ يشكّل بالنسبة إليّ تحدّيًا، ولا سيّما بعد ظهور الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ، الحقيقة التي يجب التأكيد عليها هي أنّ التعلّم ليس منطقة راحة، وهو يتطلب إعمال الفكر، ومعالجة المعرفة.

 

متى يكون الإشراف التربويّ مفيدًا للممارسة التعليميّة؟

تتحقّق فائدة الإشراف عندما يبني المشرف علاقة إيجابيّة مع المعلّم، قائمة على الزمالة والمساواة في طبيعة الحديث والحوار. وعندما يتحوّل المشرف من وصيّ إلى مدرّب معرفيّ، يمتلك ثقافة مهنيّة تعزّز التغيير في الناس، سواء كانوا رافضين، أو متعاونين، أو متعثّرين، أو مبتدئين، أو خبراء متمكّنين؛ لأنّ المعلّمين ليسوا صنفًا واحدًا. فالمشرف مدرّب معرفيّ ومهاريّ، يمتلك خبرة نتجت من كثرة زياراته للمعلّمين، فهو أصلًا يتعلّم منهم، وينقل المعرفة والمهارة التي لاحظها من صفّ إلى آخر، ومن مدرسة إلى أخرى. وإذا كان المشرف لا يتعلّم من المعلّمين، فهو يكرّر نفسه في كلّ لقاء مع فريق عمله، وهذا لا يقلّل من أهمّيّة الاطّلاع على المستجدّات، من أفكار تضمّنتها الكتب الحديثة أو اللقاءات التربويّة.

 

ما الأساليب الناجعة، في نظرك، لحلّ النزاعات بين الطلّاب داخل غرفة الصفّ؟ وما الأطراف التي ينبغي أن تشارك في هذه العمليّة؟

تتجدّد نزاعات الطلّاب كلّ ساعة، ولن يأتي يوم تنتهي فيه هذه الظاهرة. وتعتمد النزاعات على أسباب معقدّة كثيرة، على رأسها ثقافة الأهل ومهنيّة الإدارة. لذا، التثقيف وحده لن يحدث فرقًا كبيرًا، وأفضل حلّ هو المتابعة، وفتح حوار بين المتنازعين من الطلّاب قبل أن نتولّى دور القضاة بينهم، فلا نزاع دائم ولا سلام دائم، يتقلّب الأطفال بين هذين الحالين، المهمّ ألّا نعطي المسائل أكبر من حجمها، والأهمّ هو السلامة البدنيّة للأطفال، وما دون ذلك يُحلّ بالحوار والنقاش، وطرح أسئلة عليهم تعزّز فيهم الفهم والرضا والتراضي.

ومن المناسب تصميم مدوّنة سلوك، توضّح الأفعال والأقوال الممنوعة، وربطها بعواقب بحسب خطورتها، تضمن عدم وجود الفعل، وعدم تكراره إذا وقع.

 

هل استخدام الأدوات التكنولوجيّة في التدريس إيجابيّ دائمًا؟ وما حدود استخدامها؟

تعتبر التكنولوجيا أداة وليست غاية، وطريقة توظيفها هي الحكم في أنّها إيجابيّة أو لا، فإذا حقّقت الأهداف التي وظّفت لأجلها تكون إيجابيّة. وقد بلغت أهمّيّة الأدوات التكنولوجيّة الغاية؛ لأنّ هذا الجيل يفضّلها، ولأنّها توفّر تعليمًا بصريًّا، ونسبة الطلّاب البصريّين 80% حسب إحدى الإحصائيّات، لكن إذا وظّفت بلا قوانين ولا تعليمات، فقد يميل بعض الطلّاب لاستثمارها بطريقة سلبيّة، خصوصًا في موضوع التقييمات والمهمّات الأدائيّة، وهذا يتطلّب من المعلّم وعيًا، فلا يُستغفل من قبل طالب يميل إلى جني المحصول قبل بذر البذور.

 

هل يشكّل تدخّل الأهل مصدر دعم دائمًا في تعلّم ابنهم؟ وكيف؟ وهل هناك توقيت مناسب لهذا التدخّل؟

تعتبر ثقافة الأهل ومستواهم الاقتصاديّ محور إجابة هذا السؤال، حيث إنّ أغلب الأسر المتعلّمة، وذات الدخل الاقتصاديّ الذي يوفّر الحاجات والضروريّات، تتفاعل إيجابًا مع تعلّم أبنائها، من خلال المتابعة اليوميّة لدروسهم، والتواصل مع إدارة المدرسة، وحضور اجتماعات أولياء الأمور. ودور الأهل ليس التدريس، بل المتابعة في مراجعة الطالب لدروسه والاستعداد للاختبارات. ويعيش الأهل تحت ضغط شديد يتعلّق بالمعدّلات الدراسيّة، وقبولات الجامعات، وحالة البطالة، وسوء الأحوال الاقتصاديّة. لذا، من المهمّ بثّ الأمل في نفوس الأطفال، من خلال الحوارات المنزليّة، بعيدًا عن أيّ تعقيدات لن تدوم بحال من الأحوال.

وقد تأثّر هذا كلّه سلبًا للأسف، في ظلّ وجود مجموعات الأهالي في تطبيقات التواصل، إذ بلغت الطاقة السلبيّة منتهاها عند البعض، وخرج توظيف المجموعات عمّا أسّست له، ممّا أثّر في سير العمل، وتنظيم الجدول المدرسيّ، والتقييمات الدوريّة.

 

هل تجد أنّه قد آن الأوان للتخلّي عن الكتاب المدرسيّ بشكل كامل؟ لماذا؟

المعرفة ليس لها قالب، لذا من المهمّ أن نطوّر حلولًا للمحتوى المدرسيّ، خصوصًا في ظلّ كثرة الموادّ الدراسية وتنوّعها، حيث يعاني الأطفال، حتّى في الصفوف الأوليّة، من أوزان الكتب، لذا تجد حقائبهم ذات عجلات، يدخلون للمدرسة يجرّون حقائبهم خلفهم، كأنّ مسافرًا دخل صالة مطار.

 

كم يجب أن تكون مدّة الدوام المدرسيّ اليوميّ برأيك؟

يمكن حصر مدّة الدوام المدرسيّ من خلال معرفة المحدّدات التي أدّت إلى طول ساعات هذا الدوام. بل يطالب البعض بساعات انتظار للطلّاب بعد الدوام المدرسيّ. بالنسبة إليّ، لا يهمّ عدد ساعات الدوام إذا كانت المدرسة قادرة على منافسة صالة البيت والشارع. اليوم، المدرسة ينافسها الشارع وصالة البيت، هذه حقيقة، لكن كم تربويّ يدير مدرسة يعي هذا المعنى؟ أنا لا أطالب بتحوّل المدرسة إلى حديقة عامّة، أو مطعم، أو مقهى، بل أطالب أن يشعر الطالب بكينونته ووجوده، ويتحوّل من طالب شفّاف في المدرسة إلى شخص مرئيّ، يرحّب به بالاسم من قبل فريق العمل. قد يكون عدد ساعات الدراسة ثلاث ساعات، لكنّها تمرّ كأنّها دهر، وقد تكون ست ساعات، لكنّها تمرّ كأنّها لمحة بصر. والذي يقيس هذا كلّه هو طريقة ردّ الفعل الشعوريّة للطلّاب لحظة قرع جرس نهاية الدوام، ثمّ الوقت الذي يستغرقونه لمغادرة مبنى المدرسة.

 

صِف لنا مسار التعليم في مدرستك مُستخدمًا عنوان رواية لذلك، وأخبرنا عن السبب وراء اختيار هذه الرواية.

أميل لقراءة السير الذاتيّة أكثر من الروايات، وهذا السؤال يحيّرني، لذا سوف أختار سيرة ذاتيّة وليس رواية، والكتاب هو "عشت سعيدًا. من الدرّاجة إلى الطائرة"، لعبد الله السعدون، من المملكة العربية السعوديّة، وهو عضو سابق في مجلس الشورى، وقائد عسكريّ في سلاح الطيران. وسبب اختياري لهذا الكتاب هو أنّ الأحداث التي وردت فيه تلامس ثقافتي المهنيّة، واللواء عبد الله السعدون قائد ومدرّب عسكريّ، حيث وجدت أنّ ثقافة التدريب مشتركة، مهما كان التخصص؛ لأنّ غايتي  كمدرّب أن يصل المتعلّمون إلى مرحلة يستغنون فيها عنّي، ويتحوّل عملهم إلى عمل تلقائيّ، من خلال استجابة تلقائيّة ذاتيّة، واتّساق في الأداء، من دون الحاجة إليّ، لذا ذكر في الكتاب فقرة لا أنساها، وهي كيف أنّ الطيار العسكريّ يطير بداية مستعينًا بمدرّب مرافق، يجلس خلف الطيّار المتدرّب خلال جولات الطيران الأولى، ثمّ لاحقًا يحلّق الطيّار المتدرّب بمساعدة برنامج الطيّار الآليّ والتحكّم عن بعد، من دون مدرّب مرافق، ثمّ يتحوّل من الطيّار الآليّ إلى الطيران بطائرة ذات محرّكين، وأخيرًا ينتقل إلى طائرة ذات محرّك واحد فقط. هذا يشبه دورنا في تدريب المدرّبين بدعم الفريق الذي نعمل معه، وتطويره من خلال نهج متسلسل، يبدأ بتقديم المهارات الأساسيّة، وينتهي بالاستقلاليّة والاتّساق في الأداء، من دون تخطّي أيّ مرحلة.